منهج فقه اللغة الذي ندعو إليه ، عارضين آراء الجرجاني كمثل ، لا يتنكر لمعرفة النفس البشرية لأنه يفرق بين تلك المعرفة وقوانين علم النفس ، كما لا يتنكر لروح العلم ، وإن أقصى قوانين العلم .
مثل من يدعون أن قوانين علم النفس تبصرنا بحقيقة النفس الإنسانية ، كمثل من يزعم أنه يستطيع أن يفهم دور شطرنج يلعب أمامه ، لأنه قد تعلم القواعد التي تتحرك بموجبها كل قطعة من قطعه ، مع أن علمه لا يعدو الحكم على موافقة حركات القطع للقواعد أو عدم موافقتها ؛ وأما لماذا تتحرك ، وإلي أي غاية تسعى ، وكيف ينظم اللاعب الماهر خططه ويتصرف في قطعه ، فذلك ما لن يدركه صاحبنا ولو وعي القواعد عن ظهر قلب . ذلك وللشطرنج قواعد آلية ، لأنها مواضعة بحتة ، وأما النفس البشرية فلا أري بل ولا أحس فيها جبراً إلا أن يضعه البعض فيها . وهم لا يخطئون في ذلك فحسب ، بل يأثمون ولقد فرغ الباحثون في حقيقة المعرفة بوجه عام من الفطنة ، إلي أن قوانين المادة ذاتها شرطية لا تولد آثارها إلا إذا توفرت ملابسات لا يمكن استقصاؤها ، وتلك الآثار تتغير بتغير الملابسات ، وكبار الرياضيين (1)أنفسهم يجزمون بأننا لا نستطيع ، وما أظننا نستطيع في المستقبل القريب ، أن ندرك بفضل القوانين العلمية حقائق الأشياء بل النفوس . نعم إننا قد استطعنا أن نستغل العالم المادي بفضل معارفنا العلمية التي تدرك الأشياء في ظواهرها
وآثارها الخارجية ، ولكن هذه ليست المعرفة التامة الداخلية ، وأنا لا أريد أن أنزلق إلي سفسطة ما وراء الطبيعة العقيمة ، ولكنني أنظر أمامي الآن فأري ورقة بيضاء تحدث في نفسى أثراً ما ، كما تحدث في نفس جاري أثراً آخر ، ونحن الاثنان نتفق بلا ريب على تمييز ذلك اللون تمييزا يجعلنا نرمز له باللفظ اللغوي " أبيض " ، فنتفاهم ، ولكن من لي بمعرفة أثره النفسي عند ذلك الجار ، والنفوس عوالم مغلق بعضها دون بعض . وهل المعرفة الحقيقية في مردها النهائى إلاما تطبعه الأشياء في النفوس من آثار وكيف أدرك تلك الآثار وهي لاريب مكيفة في كل نفس بملابسات لا حصر لها ، وأين لي باستقصاء كل ما تثيره في النفوس من تداع ، أنا لا أنجح في التفاهم مع جاري إلا استناداً إلي التقسيم ، فنميز الأبيض لأنه يختلف عن الأسود أو الأحمر ، ولكن أهذه معرفة حقة ؟ أفيها إدراك لحقائق الأشياء ؟ إدراك لآثارها المتميزة بالنفس ؟ فإن لم تكن أو لا ترون أن الذين يريدون فهم النفس البشرية بفضل نظريات السيكولوجيا إنما يريدون تشريح فراشة " بسكينة بصل " .
وأنا لا أجهل أنه قد يصاح بي . ولكن هناك التحليل العلمي الذي يرد الألوان إلي عناصرها . وأدرك هذا الاعتراض الذي لا يرهبني في شئ ، لأنني وان كنت أجل رجال العلم ، واعتز بنتائج أبحاثهم التي مكنتنا من الحياة وردت عنا الكثير من الآلام ، إلا أنني أنكر الإنكار كله أن يستطيع أن يحل محل نفسى في ادراك حقائق الأشياء . من منا يستطيع أن يزعم أن في مقدوره أن يعرف طعم شراب لم يذقه بمعرفة عناصره الكيماوية ونسبها ؟ من من منا يجرؤ أن يدعي أنه يعرف حيوانا لم يره قط بدراسة خلاياه تحت المجهر ؟ من من منا يصل إلى تصور جمال لوحة زيتية بقراءة وصف لها في دليل أحد المتاحف ؟ من منا يتوهم أنه سيفهم نفسه بغير نفسه ؟ أي قوانين وأي
أبحاث ستبصرنى بآلامى وأحلامي ؟ !
معرفة النفس البشرية غير قوانين علم النفس ونظريات السيكولوجيا ، وذلك بفرض أننا نحسن فهم تلك القوانين والنظريات ، ونقف بها عندما تستطيعه ، فما بالكم بهذا الوباء الذي تغشي بيننا في السنين الأخيرة ، فأخذنا نري كُتّابنا وناقدينا يظنون تلك النظريات أثوابا تصلح لكل نفس ، فإن ضاقت فلتمزق ، وإن اتسعت فلتشجب . هناك وسيلة سهلة لإدراك الشخصية الروائية أو النموذج البشري ، هي أن نتلقاه بقلوبنا كما خلقه أصحابه بقلوبهم ، وأن نتحد به اتحادا شعرياً ، وهذا لا يتطلب إلا هبة من الله . هبة الإحساس ترهفه تجارب الحياة ويسعده خيال قوي بعيننا على أن نحيا حياة غيرنا وكأننا أصحاب تلك الحياة ، وأما ما دون ذلك من علم ومعرفة فمكملات لن تسد نقصاً جوهرياً . ومتى جعلت المعرفة من الأبله سقراطاً ؟ !
نحن بحاجة إلي الأمانة العقلية إلي الخضوع لموضوع دراستنا . إلي انتزاع الحق من جوف الأشياء . وما نحاربه هو إملاء النظريات على الواقع . هو إتلاف الحقائق بالعلم الباطل . هو مداراة فقرنا الروحي بمصطلحات العلم الخاوية ، هو ظننا أن المعرفة الحقة إدراك للظواهر التي يكتفى بها العلم في عالم المادة ، ونحن نرفضها في عالم الروح . إنا نحارب قسر الفكرة . نحارب ادعاء العلم . نحارب التبجح بالمعرفة التي لا تغني . لنعرف كل شئ ، على أن نكون قادرين على هضم ما نعرف . ولنشع المعرفة في كل ما نقول أو نكتب ، ولكن ليكن الإشعاع من الداخل . ليكن إشعاعا لطيفا رفيقاً خفياً ، كذلك الذي ينساب إلي قلوبنا في جوف الليل من محبة الله .
ذلك عن النفس وعلم النفس ، والأمر كذلك في روح العلم وقوانين العلم ، فأنا كما أثور علي إقحام قوانين علم النفس الهيكلية على الأدب ، بينما أدعو إلي الصدور عن معرفة حقيقية بالنفس البشرية ، واعين ما نفعل ، حتى
لا نتهم بأننا كجوردان الذي يظل يتكلم النثر عشرات السنين دون أن يفطن لما يفعل . أقول إنني على نفس النحو أدعو جاهدا إلي الأخذ في الأدب بروح العلم ، وأما اصطناع قوانينه فلا .
روح العلم غير قوانين العلم . روح العلم ليس إلا ما ذكرت ، وأكرر : أمانة عقلية ، وخضوع للموضوع وتأب على التصديق ، وتنحية للأهواء ؛ ثم استقصاء للتفاصيل ، وقصر من الأحكام ، وتدعيم للاحساس بنظرات العقل ، واتخاذ الإحساس وسيلة مشروعة للمعرفة بتحديده وتمييزه ، ومراجعته وتعليله ما أمكن التعليل . روح العلم موقف تقفه النفس من الناس والأشياء وأما العلم فمجموعة من القوانين التي تفسر عادة عالم المادة . تفسر مظاهره . لتأخذ بروح العلم لأنها روح خلقية نبيلة ، وأما محاولة تطبيق قوانين العلم على الأدب ، فقد رأينا مثلا دالا على خطئها عندما عرضنا لما فعله برونتيير ووضحنا ما أشار إليه من ضلال . الأدب مفارقات ، الأدب كالنفس البشرية حفنة من الماء لن تتميز ذراتة .
المنهج الفقهي إذن يتضمن روح العلم ويعتز بالنفاذ إلي حقائق النفوس ، ولكن هذا ليس ما يميزه عن غيره من المناهج ، وروح العلم وفهم النفوس حقيقتان مستقرتان في كل نشاط عقلي منتج ، حتى إننا لا نري فيهما شيئاً يخصصهما أو يمكن أن يخصصهما بالمنهج الأدبى . المنهج الفقهي يستمد حقيقته من مادة درسه وهي الأدب ، ولقد قلنا في مقال سابق إن كل منهج لا ينتزع من موضوعه مستمداً مبادئه من ذلك الموضوع ذاته لا يمكن أن يستقيم والأدب لا ريب فن لغوي . وتلك حقيقة يجب أن نوضحها لتقديرها .
قالوا : إن الأدب ملكة في النفس ، طبع مفطور . فالشاعر يغني كما يغرد الطائر . ولكن هذا أعجم وذاك مبين . وللطائر دوافعه ، وما أظن الطبع خالقاً شيئاً بذاته
أولا تري مع ابن قتيبة أنه لابد للشاعر مهما كان طبعه غنيا من مثير " وللشعر تارات يبعد فيها قريه ويستصعب ريضه " وأن له " دواع تحث البطئ وتبعث المتكلف " بل هبه واتاه الدافع ، أتحسب أن الشعر جمرات من الإحساس . الجمرات تحرق ، والإحساس العنيف يعقد اللسان . وإنما يكون الشعر عند ما يسكن العنف وتهدأ حدقة العين ، فتستطيع الإبصار . عندئذ تستغل الإرادة ما بقي في النفس ، ويبدأ الشاعر في الجهد الذي لا يستقيم شعر بدونه . الشعر صناعة جيدها ما أحكم حتى اختفي . الشعر طبع ودافع وإرادة وجهد وصناعة .
ونحن بعد لا نستطيع دائماً كل ما نريد ، ونحن بعد لا تصل دائماً بجهدنا إلي الكمال ، وموضع المشقة في الأدب ليس إلا في القدرة على إخضاع الفكرة أو الإحساس للفظ . قال ديهامل : " كم من مرة أستمع إلي رجال أو نساء يتحدثون وسط الجموع في عربة قطار ، أو أثناء وجبة طعام ، فتحدثني نفسى كل مرة : ها قد وقعت على صفة نفسية ، أو تسقطت علاقة ، أو لمحت دافعا خفيا ؛ ولكني عاجز عن أن أصوغ ما اكتشفت ألفاظاً . ربما أستطيع فيما بعد أن أصور ما أحسست به , أما الآن فلا . وأنا أعلم أنى إن لم أصب التوفيق فسيأتي من بعدي غيري يفيد من تجاربنا وتساعده عبقريته فينجح في العبارة عما لمحناه " .
إخضاع الفكرة ، أو الإحساس للفظ هو ما يميز الأدب عن غيره من الفنون . الأدب طريقة من طرق العبارة عن النفس ، يعبر باللفظ كما يعبر المصور بالألوان ، والناحت بالأوضاع . ومن ثم وجب أن يكون منهجه منهجاً لغويا ، وأنا أعرف ما يثيره هذا اللفظ في بعض النفوس من مخاوف ، فمن الناس من يظن أننا سنعود به إلي الدراسة اللفظية التي أفسدت الأدب وسلبته روحه . ولكن هذا خوف ظالم ، لأن اللغة مستودع كل تراثنا الروحي ، ومن الثابت أننا لا نملك من أفكارنا وأحاسيسنا
إلا ما نستطيع إيداعه اللفظ الذي يوضح الفكرة ويميز الإحساس ، وهذه النظرية الصحيحة هي موضع اعترازنا بتفكير عبد القاهر .
ينكر عبد القاهر كما رأينا كل مزية في اللفظ ، وهو في ذلك يناقض آراء الجاحظ في الفصاحة ، ولكن هذا في الحق إنكار مسرف لا نقره ، ونحن لا ندعي لرجلنا العصمة ، ولا نضرب دائما بعصاه ، والذي لاشك فيه أن لجرس الألفاظ كما قلنا وقع ايجابي كثيرا ما يعين الكاتب أو الشاعر على استنفاد (1)إحساسه وذلك على أن يسلم من التكلف والصنعة المقتسرة . ويثور الجرجاني كذلك على محسنات العسكري اللفظية وهنا نؤيده مؤمنين بما يقول ، وعنده " أن المزية تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم يحسب موضع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض " بل " ليس من فضل إلا بحسب الموضع ويحسب المعنى الذي تريد ، والغرض الذي تؤم " ولكنه لا يريد بذلك إلى الأسلوب المسطح الذي لا نتوء فيه ، وكتاباته تشعرك بأنه قد فطن إلي أن الأسلوب الغني الجيد هو ذلك الذي يصدر عن صاحبه ، وقد سكنت الفكرة وسكن الاحساس إلي طرق ادائهما ، حقيقية كانت أو مجازية ، سكونا طبيعيا ، حتى لتحس بأن الفكرة أو الإحساس قد ولدا مجسمين في العبارة ، فلا تدري أفطن الكاتب إلي الصورة أولا ، أم إلي موضوعها . أخلق الموضوع الصورة أم خلقت الصورة
الموضوع . الكاتب الكبير يدرك ما في نفسه مكسوا مجسما . يدركه ملفوظاً ، يستشعر الفكر والاحساس مرتبطاً بعوالم أخري ، وإذا بالمجاز جزء من الاحساس والفكرة ، ومن ثم لم يكن هناك محل لأن تخشي اللفظية وتلك لاتكون إلا عند من يدركون مواضيع قولهم إدراكا مجرداً عن صورها ، ثم يحتالون لوضعها في صور تطل منفصلة عنها ، مصطنعة الالصاق ، ومن هذا النوع الكثير من المحسنات اللفظية المفضوحة . ولهذا نقول إن الصناعة الحقة هي تلك التي تحكم حتي تختفي .
لا خوف إذن من أن يعود بنا عبد القاهر إلي
اللفظية ، وما يجوز أن يرهبنا هذا الخوف فتخلى عن المنهج الطبيعي في دراسة الأدب ، وما دمنا قد فطنا إلي الدور الذي يلعبه اللفظ في خلق مادة الأدب ذاتها ، فمن واجبنا أن نأخذ في بحثنا بالمنهج الفقهي ، ونحن بذلك نجمع بين عناصر الأدب الإنسانية وعناصره اللغوية ، لان هذه مستودع تلك ، مستودع ثمين لا يقل قدرا عما أودع فيه وبفضله - في النهاية - نميز الأدب عن كل ما عداه
ليست العبرة إذن عند عبد القاهر باللفظ في ذاته وإنما هي بالنظم .
(يتبع)

