الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 359 الرجوع إلى "الرسالة"

من آداب الصين الحديثة، قصة الراعي المحزنة

Share

-  ١ - استقدمتني إلى كوريا من وراء البحار على بعد آلاف الأميال،  واستقبلتني تلك الأرواح العلية لجبال كُنج كنج الشامخة الكثيرة  القمم، فلما وصلت إلى كوريا نزلت في قرية صغيرة على سفح  كنج كنج مشرفة على البحر الياباني اسمها   (حي الأرواح  والأولياء)  وكان في القرية بضعة عشر كوخا مواجهة للبحر  متكئة على الجبل، ليست قديمة متهدمة ولا حديثة مزدانة،

وكان أمام كل بيت بستان جميل تتسلق على جدرانه الفروع  ذات الأزهار الناضرة لزكية، وتبدو من بين المنازل والحدائق  أشجار عالية، وكانت تحوط القرية غابات كثيفة من الصنوبر؛  وثمة أراض قليلة على مقربة من القرية كانت مفروشة ببساط  من شجيرات القمح والشعير، وكان يجري في خلال الغابة الواقعة  في الجنوب الغربي من القرية نهر يسمى نهر الغناء، يتجمع من  السيول المنحدرة من قمم كنج كنج وله صوت حزين غاضب وهو  يسير صوب البحر الياباني

ارتاب أهل القرية في أمري حينما بلغتها وظنوا أنني صيني  مزيف فلم يرضوا أن أنزل عندهم. غير أن سيدة كريمة في أقصى  القرية أشفقت عليَّ بعدما سمعت كلامي وعرفت قصدي وأنني بعيد  عن أهلي وأقاربي فأذنت لي بالنزول عندها، وآنست وحشتي بكلمات  وجدت لها برد الراحة بعد التعب الذي لقيت في سفري الطويل  الشاق. وكانت السيدة بوذية تعيش في وحدة تصوم وتصلي وقد  جاوزت الخمسين من عمرها، وكان على الباب شعر منثور مكتوب  على ورق أبيض؛ كما هي عادة الكوريين؛ فلما دخلت الباب وجدت  فضاء مسوراً مزيناً ببعض الأشجار والأزهار ومنزلاً مكوناً من  ردهة واسعة على جانبيها حجرتان، وللردهة باب جانبي ينفذ إلى  المزارع التي خلف المنزل والتي تظهر لمن يراها كأنها متصلة بجبل  كنج كنج، وكانت في وسط الردهة منضدة عالية عليها تمثال  بوذا من الحجر الثمين. ودعتني السيدة الكريمة إلى النزول في الغرفة  اليمنى، ولم يكن بها إلا سرير ونافذة مملوءة بالغبار كأن لم يسكنها  أحد من زمن بعيد

مر بي أسبوع مرور الطيف وأنا في بيت هذه السيدة  الكريمة، وكنت أخرج كل يوم للنزهة في الجبال وزيارة الآثار  الشهيرة من الصباح إلى المساء لا تعوقني الشمس ولا المطر ووطئت  جميع القمم إلا قمة واحدة، وقد انطبعت في ذهني جميع المناظر  الجبلية الجميلة الجذابة لا تفارقني لحظة فإذا أغمضت عيني برزت  لخيالي كما تبرز الصور على الشاشة الفضية. على أني لم أكن أملك  من قوة الكتابة أو التصوير ما يسمح لي أن أصف هذه المناظر  الخلابة أو أصفها واحدة واحدة فأهدي صورها لجميع إخواني  وأصدقائي كي يتمتعوا بمشاهدتها  -  ٢ - جلست على حافة بئر عميق على القمة الأخيرة ناظراً إلى الجبال

التي تسبح في السحاب والدخان على ضوء الشمس التي آذنت  بالزوال، فرأيتها شامخة ساكنة كشيخ ورع يحيط به عالم  متحرك فانبعثت عاطفتي بتلك المناظر الجميلة سابحة كالطير في الجو  متمتعة بالطبيعة، سكرى بما اشتملت عليه من الجمال، وإذا غناء  حزين من فتاة في سفح الجبل قد انبعث إلي بين هبات الرياح  ونفحات الرياحين فأيقظني، فأصغيت إليه فإذا هو: تستقبلني الشمس حينما أطلع، وهي تشيعني حينما أنزل، للشمس بعد الغروب موعدٌ للطلوع لكن الراعي ليس له وقت للرجوع. ثغاء الغنم، صوتٌ حزين فزع! إنها تشتاق إليك، ألا تعرف أيها الراعي؟!

انقطع الغناء وثغت صغار الغنم بأصوات حزينة وقد اختلطت  بأصوات الأجراس الضئيلة التي لا تكاد تسمع إن الأجراس في رقاب الغنم معلقة كلها بيديك الكريمتين؛ لكن الحبل الذي يمسكها يكاد ينقطع وتوشك أن تقع، والذي علقها قد ذهب وليس له وقت للرجوع. ثغاء الغنم، صوت حزين فزع! إنها تشتاق إليك، ألا تعرف أيها الراعي؟! أخذ الغناء يبتعد شيئاً فشيئاً ويتضاءل صوته في مسمعي،  ولكن تأثيره في نفسي كان عجيباً يبعث في العين الدموع لست بمعدومة المقص، أقص به صوف الغنم؛ ولكن عليه أثر مقصك المحبوب، إذا ذهب ذهبتْ روحي وحياتي!

لست بمعدومة الرباط، أربط به جرساً في رقاب الغنم؛ ولكن أنتظر وقت انقطاعه، فأذهب إلى جانب المحبوب! فلما سمعت هذا الغناء انحدرت دموعي من غير أن اشعر،  ثم وقفت على قمة الجبل تحت شجرة الصنوبر ونظرت إلى السفح

فإذا قطيع من الغنم لا يزيد على بضع عشرة غنيمة ترعاه فتاة  صغيرة وتسير به في ضوء الشمس الغاربة ذاهبة على مهل نحو  المدينة؛ وكان على رأس الفتاة لفاع أخضر يفيض على يديها،  ويبدو تحته لباس آخر أحمر؛ وفي رجليها حذاء من النسيج  وهي تسير بقطيعها مغنية منشدة مبتعدة عني شيئاً فشيئاً: غنمي، غنمي! لا تخافي ولا تحزني! إنه لا يجترئ حيوان مفترس أن يقترب منك  ما دامت موجودة معك. فإن جاء، قاتلناه حتى نموت فيفعل بنا بعدُ ما يشاء. غنمي، غنمي! ارجعي إلى البيت معي!

وخفت الصوت حتى تلاشى، وغربت الشمس، واحتجبت  الفتاة عن عيني وراء الجبل، وكنت غريقاً في نهر من الدموع.  ولبثت واقفاً تحت الشجرة مدة لا أعرف قدرها، والجبال كأنها  نائمة، وقد تلألأت النجوم في السماء وبرز الهلال من شرقي البحر

ألا تعرف أنها ابنة السيد مين الشريف، أيها الضيف الكريم؟ جلست مع مضيفتي الكريمة خارج الردهة نتجاذب الأحاديث  وقصصت عليها ما رأيته في النهار فأخبرتني باسم تلك الراعية الصغيرة -  إن كانت شريفة من بيت شريف فلماذا ترعى الغنم  بنفسها هنالك؟

يظهر أن سؤالي هذا حرك في قلب السيدة الكريمة شيئاً  كامناً فصمتت برهة وهي تحدق في القمر في وسط السماء ونظرت  إليها فإذا عيناها مغروقتان بالدمع، فندمت على ذلك السؤال الذي  ضاقت به مضيفتي، وذهب بي الفكر مذاهبه. ثم تحولت إليَّ  مضيفتي الكريمة وقد جفت دموعها وقالت: -  كان في نفسي ألا أذكر شيئاً من ذلك الماضي الأليم  المحزن، لكنني لا أطيق أن أكتم عنك. غير أن الحديث طويل  متشعب فلا أدري من أين ابتدئه؟ وأردفت: -  لم تولد هذه الفتاة الشريفة هنا، في هذه القرية، لقد  كانت تسكن في الشارع الرئيس في العاصمة منذ عشر سنوات،  وكأن أبوها وزيراً في الحكومة، ثم ترك الوزارة وغادر العاصمة

هو وأسرته ليقيموا هنا؛ وإنما كان ذلك حين عرف أن بعض  الخونة في الحكومة اتفقوا مع دولة أجنبية ذات مطامع، ولم يسمع  الملك شكواه ولم يجبه إلى ما طلب من إعدام هؤلاء الخونة ليصون  استقلال البلاد وسيادتها ويوطد سلامتها وحريتها

وكانت زوجته الأولى قد ماتت منذ ست عشرة سنة، ولم  يرزق من زوجته الثانية ولداً ولا بنتاً، وكانت الفتاة في الخامسة  من عمرها حين ماتت أمها، وكان أبوها يحبها حباً جمَّاً، فعهد إليَّ  أن أقوم بخدمتها، وذلك عمل نتوارثه في أسرتنا من زمان في خدمة  تلك الأسرة، وكان زوجي شيخو خادماً له أيضاً، وكان لنا ولد. . .

استمرت السيدة في الحديث وقد شاب صوتها رنة حزن،  والبكاء يغالبها: وكان ابني اسمه يين وهو الاسم الذي سماه به سيدنا  أبو الفتاة وكان يحبه كثيراً ويناديه دائماً   (يا بني يين) ، وكان  أكبر من الفتاة بسنة واحدة فكانت تدعوه أخاها الأكبر، وكان  أبني يتجاوز فيدعوها أخته الصغيرة أيضاً، وكان كلاهما يحب  الأخر كأنهما أخوان شقيقان

وكانت زوجته الثانية السيدة لي من الأسرة الشريفة أيضاً،  وقد درست في اليابان وهي صغيرة، ثم سافرت إلى نيويورك  ولندن وباريس وفينا بعد تخرجها في اليابان فقضت أكثر أيامها  في الخارج. ولما رجعت إلى البلاد وهي في الثانية والعشرين من  عمرها، طلبت أسرتها إلى السيد مين وقد مرت على وفاة زوجته  الأولى ثلاث سنوات أن يتزوجها. وكانت ذات شخصية بارزة  في العاصمة، معروفة في المجتمع باسم الفتاة الحديثة. تصور أيها  الضيف الكريم كيف يمكن سيدة متعلمة لطيفة نشيطة حديثة العهد  بالزواج مثل هذه السيدة أن تحيا هنا هذه الحياة القروية الخشنة؟!

أنتقل السيد مين إلى هنا، ونزل في معبد في تلك المدينة،  واعتكف فيه لا يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية، وامرني أنا  وزوجي أن نسكن هنا في القرية لضيق المعبد، واستبقى ابني يين  معه حيث يقيم، واشترى له قطيعاً من الغنم يرعاه، وكان ابني  في الثانية عشرة من عمره يرعى الغنم بين الجبال في الأيام التي  لا تمطر فيها السماء، وفي بعض الأحيان كانت تصحبه الفتاة، وكثيراً  ما كان يضلان، فنخرج للبحث عنهما حتى نجدهما في سلام وسرور.

أذكر أنهما مرة لم يرجعا إلى المعبد حتى منتصف الليل،  وظن السيد مين أنهما في منزلنا، فبعث إلينا يستفسر عنهما،  فجزعنا وخفنا أن يكون قد أصابهما شر وأسرعنا نبحث عنهما

هنا وهناك، فلما وصلنا إلى جبل كنج كنج البحري رأينا القطيع  على بعد نائماً على الشاطئ، وقد اتكأ ولدي على صخرة كبيرة،  ونامت الفتاة متكئة على كتفه وقد استغرقا في نوم عميق، وكانت  الليلة مقمرة، كهذه الليلة، والقمر ينشر ضوءه على الأرض  والبحر تتجاوب أمواجه، فكانا في مهد الطبيعة الكبير. إنني  لن أنسى ما حييت تلك المناظر الجميلة التي رايتها ليلتئذ

وكان ابني يين يعالج بعض التمرينات الرياضية في المعبد مع  الرهبان في الأيام الممطرة، فلا يخرج ليرعى الغنم، وكان يقرأ  ويكتب مع الفتاة عند أبيها كل ليلة. وهكذا مرت أربع سنوات  ولم يحدث شيء. وبلغ ابني ست عشرة سنة من العمر، وبلغت  الفتاة خمس عشرة، وكان السيد مين يقول دائماً: سأذهب بهما  إلى المدينة لتزداد معلوماتهما. . . أواه! أن إرادة الله فوق إرادة  الإنسان، فقد حدث في تلك السنة. . . . . .

وأمسكت السيدة وأخذت تبكي بكاء مراً شعرت معه برجفة  وتوقعت أن نكبة شديدة قد أصابت هذه الأسرة، وكان القمر  في تلك اللحظة محجوباً بسحاب كثيف فزادنا ذلك شعوراً بالحزن  والكآبة ولم أجرؤ على السؤال عما حدث، وانتظرت حتى عادت  السيدة إلى نفسها وقالت والدموع في عينيها: (فقد قتله أبوه. . . قتله أبوه في تلك السنة!. . .) ثم عادت السيدة إلى البكاء، فلم يلبث أن وقع حزنها في قلبي  وملكني ألم شديد، وكنت أود أن أجد كلاماً أعزيها به فلم  يطاوعني لساني فوقفت وقدمت إليها فنجانا من الشاي فأخذته  وجرعت منه جرعات ثم قالت: (القصة طويلة جداً فلآت بكتاب أبني الأخير تقرؤه،  ثم أخبرك بالخاتمة)

كان قد مضى من الليل نصفه والجو بارد، فدخلنا الغرفة  وجلسنا على الأرض الخشبية كما هي عادة الكوريين، وجاءتني  السيدة بكتاب ابنها فأخذت أقرأه تحت ضوء المصباح الضعيف: أمي المحبوبة: لقد عثرت برسالة كانت بجانب الحظيرة عندما رجعت من  المرعى. يظهر أن هذه الرسالة كانت سقطت من أبي، وأخذت  أقرؤها لأنها كانت مفتوحة، أواه! أمي! ليتني لم أقرؤها فقد  جزعت عندما قرأتها وطار لبي! لقد عزمت على أن أنقذ سيدنا وأختي وأبي، لأني لا أريد

أن يرتكب أبي تلك الجريمة الشائعة فيصير مذنباً عظيماً، وأظنه  الآن في المعبد فإني لم أجده بعد البحث الطويل. أمي! إني أعتقد  أن هذا السر إذا شاع فإنه سيكون له شأن. إنه أمر لا يهم أبي  وحده لذلك سأمضي لأبحث عنه في الليل وأراقبه، وسأحاول أن  أمنعه عن ارتكاب ذلك الجرم العظيم وأقنعه أن ذلك عمل سيئ أمي المحبوبة:

إن خذلني الحظ وقدَّر لي أن أموت فلا تحزني، فإنه خير  لرجل أن يموت حراً من أن يبيع حريته وبلاده للأجانب. . .  ولقد ضاق الوقت فلا يسعني أن أكتب أكثر من هذا. فإذا  قرأت الرسالة السرية التي عثرت عليها فأحرقيها قبل أن يراها أحد  وإذا حمَّ القضاء فيّ فأرجو أن تقدمي نسختين من يومياتي المحفوظة  في الدرج إلى أختي المحبوبة!

اشترك في نشرتنا البريدية