١ - الزواج :
سنعالج هنا الزواج كعلاقة بين الزوج والزوجة . وهو نظام قانوني وفى بعض المجتمعات نظام دينى ... غير أن صيغته القانونية أهم .
والزواج معروف لدى المجتمعات المتمدينة والفطرية ولدي أنواع كثيرة من الحيوانات حيث تتطلب تربية الأحداث مساعدة من الذكر ... وتعدد الزوجات غير معروف لدى الحيوانات كما أنها من حسن الحظ بحيث تجنبت مشكلة من المشاكل التى تضطرب لها حياة الإنسان ؛ فالذكر من الحيوان إذا تزوج لم يعد جذابا للأنثى غير زوجته ، كما أن الأنثى من الحيوان إذا تزوجت لم تعد تجذب غير زوجها .. فالخطيئة والخيانة غير معروفتين لدى الحيوانات التي تجهل تعاليم الأديان ، والغريزة عندها تكفى لتوجيهها نحو الفضيلة ، كما نجد الرجال فى بعض المجتمعات البدائية كالبوثمن والتاسمان
مخلصين كل الإخلاص لزوجاتهم .. أما في المجتمعات المتمدينة فالاقتصار على الزوجة نادر .
والعوامل الاقتصادية هي التي أدت إلى تعدد الزوجات . وكلما تدخل الاقتصاد فى المسائل الجنسية تسبب عنه المصائب والعبودية ؟ ففى المجتمعات الزراعية والتي تشتغل بالرعي تستخدم الزوجات والأولاد فى العمل لمساعدة الرجل .. فيسعى الرجل إلى زيادة عدد زوجاته وخاصة إن كان من الرؤساء أو الأثرياء ، ويصبح إشباع غريزة الرجل الجنسية من الوظائف الثانوية للزوجة - فى هذه المجتمعات يصبح من السهل على الرجل أن يطلق زوجته بينما يكون ذلك من المستحيل على المرأة .
ونظرة المجتمعات إلى الخيانة الزوجية تختلف ، فبعضها يتسامح ، بل وفى مجتمع Samoan نجد الرجال عند قيامهم بالرحلات يتوقعون من زوجاتهم التسرية عن أنفسهن أثناء غيابهم. وفي بعضها نجد الإعدام عقوبة للمرأة الزانية .
وإذا بحثنا عن الشروط اللازمة لتهيئة زواج سعيد نرى
أنفسنا وقد وصلنا إلى نتيجة غريبة ، وهي أنه كلما ارتقي الناس وزادت مدنيتهم قلت قدرتهم على مواصلة حياة زوجية سعيدة مع زوجة واحدة لا تتغير لتغير أمزجتهم وطبائعهم وأهدافهم باستمرار .. وقد أخطأت الكنيسة إذ نظرت إلى الزواج كعلاقة جنسية محضة ، لأن هذه النظرات أدت إلى أن الكنيسة قيدت انفصام عرى الزواج ، لأنها لا ترى داعيا لتغيير الزوج زوجته والزوجة زوجها مادام الرجال سواء والنساء سواء فى إشباع الرغبة الجنسية . فالكنيسة لم تدرك العوامل الأخرى غير الجنسية التي تثور أمام استمرار الزواج .
وشرط آخر لتحقق السعادة فى الزواج ، وهو صعوبة اتصال الزوج بأمرأة غير زوجته والزوجة برجل غير زوجها . فإن تحققت هذه الصعوبة اضطر الرجل والمرأة إلى تحسين حياتهما الزوجية إلى أقصى حد يستطيعانه . المهم إلا في الزوجيات التي لا أمل في إصلاحها . وبالاختصار سيكون الزواج سعيدا إذا لم يستطع الزوجان أن يحصلا على سعادة خارج نطاقه
والشرط الأخير أيضا غير متحق فى المجتمعات المتمدينة ، لذلك فلما نري زواجا استمر سعيدا بعد سنواته الأولى .
فإذا درسنا الأسباب التي تؤدي إلي تعاسية الزيجات نجد أن أهمها هو سوء التربية الجنسية وخاصة عند الأغنياء . فأطفال الفلاحين يعتادون مبكرا على ما نسميه حقائق الحياة مما يشاهدونه ، لا من الرجال والنساء فحسب ، بل ومن الحيوانات . أما أولاد الأغنياء - حتى أبناء المثقفين منهم - فقد أحيطوا بسياج لا ينفذون منه إلى الحقائق الجنسية .
ويعتقد الدين المسيحي أنه من الخير أن يقبل كل من المرأة والرجل على الزواج دون أية خبرة جنسية سابقة . وهذا خطأ كبير، فمعظم الزيجات التي من هذا القبيل فاشلة ، لأن السلوك الجنسي عند الإنسان ليس غريزيا وليس من الممكن الإقبال عليه دون دراية . فيشعر العريس والعروس المجردان من الخبرة بالخجل وعدم الارتياح ، وقد يكون من
الأحسن قليلا أن تكون الرأة وحدها مجردة من الخبرة على أن يكون الرجل قد استفاها من النساء العموميات .
ومن نتائج سوء التربية الجنسية نسيان الرجل أنه من الضروري استمرار ملاطفته لزوجته وجهل المرأة بأن تمنعها عن زوجها يهدم الزواج . وكان من السائد في الجيل القديم بين النساء - أن تمتع المرأة بالاتصال الجنسي أقل من تمتع الرجل به .. وكن يفخرن بذلك مما سبب استحالة قيام علاقة صريحة بين الزوج وزوجته . والواقع أن قلة الاستمتاع بالعملية الجنسية بعيد كل البعد عن الفضيلة كما أنه ناتج عن ضعف جسماني أو نفس .
ومن أسباب تعاسة الزيجات تحرير المرأة واتساع الفرصة لها للخيانة .. فالفرصة تخلق الفكرة والفكرة خلق الرغبة ، والرغبة - عند ضعف الوازع الديني - تخلق التنفيذ .
ففى القديم كان على الزوجة أن تغير من نفسها لتساير مزاج الزوج ، وليس على الزوج أن يغير نفسه . أما الآن وقد تحررت المرأة فقد تمردت على الوضع السابق وشعرت بأن حقوقها كحقوق الرجل بينما ظل الرجل على الوضع القديم .
هذه هى أسباب شقاء الأزواج ، وللقضاء عليها اقترحت شتي الحلول .. ففى أمريكا يسهلون الطلاق . ولكن الطلاق - وإن كان من الواجب تسهيله - ليس بعلاج لشقاء الزيجات ..
وفى رأيى أن الزواج لن يكون سعيدا إلا إذا توافرت فيه العناصر الآتية :
١ - المساواة بين الرجل والمرأة . ٢ - الحرية المكفولة للطرفين . ٣- التوافق الذهنى والجسمى .
٤ -تشابه مقياس قيم الأشياء عند الرجل والمرأة ، إذا تحققت هذه الشروط الأربعة أصبح الزواج أعظم وأهم علاقة بين كائنين بشريين .
٢ - البغاء :
إن اعتبار تمسك المرأة بالفضيلة وحفظها لشرفها كأمر ضروري هام يؤدي حتما إلى وجود نظام البغاء إلى جانب نظام الزواج .. وكلنا يعلم ما كتبه ليكى عن النساء العموميات ، وقوله : إنهن يحفظن أمن العائلات ، ويمنعن الاعتداء على طهارة الزوجات والفتيات .. وقد غضب الأخلاقيون لهذا القول . ولكنهم لم يستطيعوا إثبات عكسه .
والحاجة إلي البغاء تظهر عند وجود رجال غير متزوجين أو رجال في رحلات بعيدين عن زوجاتهم ولا يطيقون العيش دون نساء ، كما أنهم لا يجدون في المجتمع الفاضل نساء محترمات يستطيعون معاشرتهن .. لذلك أوجد المجتمع لهؤلاء الرجال نظام البغاء ولن نخجل من الاعتراف به .
وبرغم قيام المرأة العمومية بهذه الوظيفة الاجتماعية ، وبرغم حفظها لأمن العائلات فإنها محتقرة من الجميع ولا يسمح لها بالاختلاط مع الأفراد العاديين إلا فى علاقة عمل .. وهذا الظلم المزري بدأ بقيام الديانة المسيحية واستمر حتى يومنا هذا .
ونظام البغاء لم يكن محتقرا في القديم كما هو شأنه الآن . كما لم يكن يجري فى الخفاء . ذلك أن البغاء ، فى الأصل كانت تحترفه الكاهنات للموهوبات للرب ، وكان اتصالهن بالغريب العابر يعتبر من العبادات . وكان الناس يعاملونهن بإحترام ، والرجال الدين يتصلون بهن يكرمونهن ويعظمونهن .
فلما أقفلت المعابد استمر نظام البغاء قائما ، ولكن علي أساس السعي وراء الريح - لاريح النساء اللواتي يحترفه ، ولكن ريح من يمتلكونهن من الأسياد .. ثم تحول هذا الأساس تدريجا إلي ريح المحترفات .
والبغاء في العصر الحديث في طريقه إلى الزوال تبعا لازدياد وسائل التعيش الأخرى ، وتبعا لازدياد عدد النساء اللواتى يرغبن فى الاتصال بالرجال لإشباع الرغبة لا للدوافع الاقتصادية .
وبرغم ذلك فلا أعتقد أن البغاء سيختفي كلية ، فالبحارة مثلا والرجال التعساء في الزواج والرجال الذين يخافون زوجاتهم ليس بإمكانهم انتظار امرأة تعرض نفسها عليهم لشغفها بهم . ومع هذا فهناك ثلاثة عوامل تدعو إلى حصر البغاء فى أضيق نطاق : أولا - الخطر الذي يهدد الصحة العامة ثانيا - تدهور روح النساء . وثالثا - تدهور روح الرجال .
والعامل الأساسي هو الخطر الذي يهدد الصحة .. فالأمراض الجنسية تنتشر بصفة خاصة من الاتصال بالنساء العموميات .. وبالنظرة الطبية البحتة نجد أن تقييد هؤلاء النسوة فى السجلات وإشراف الدولة عليهن لم يفد في إزالة هذا الخطر . بل قد يؤدي إلى أخطار أخرى ، كإساءة البوليس المشرف على النسوة استعمال السلطة وإدماج طبقة من النساء اللواتى لا يردن احتراف البغاء فى التعريف القانونى .
والبغاء فى الواقع يجعل من حياة محترفاته حياة بائسة شاقة .. فالتعرض لخطر الأمراض والكسل والتعرض للإسراف فى الشراب واحتقار الناس حتى العملاء ،كل هذا يحطم من روح المرأة العمومية ويهدد أخلاقها .
كذلك قد يغرس اعتياد الاتصال بالعاهرات فى نفس الرجل أسوأ الأثر .. فهو لن يشعر بالحاجة إلى إرضاء المرأة والسعى وراء حبها حتى يشبع غريزته، كما أنه سيجد نفسه محتقرا لجميع النساء اللوتى يتصل بهن اتصالا جنسيا، مما قد يعرض زواجه للشقاء والفشل . وقد يعامل الزوج زوجته كما يعامل العاهرة، فينسي أن الاتصال الجنسى ينبغي أن يكون برغبة الطرفين، وأن يحدث بعد استرضاء الزوجة وإثارة حبها له. وينتج عن ذلك اشمئزاز الزوجة من خشونته ووحشيته وما يترتب على ذلك من أخطر الآثار .
وتدخل العوامل الاقتصادية فى الغريزة الجنسية خطير للغاية .. فالاتصال الجنسي يجب أن يسبب بهجة للطرفين ، وأن يسعي إليه برغبتهما المشتركة .. كما أن توبيخ الضمير الذي يعقب الاتصال بالعاهرات يؤدي إلى اختلال تقدير قيم الأشياء لدى الرجل وعدم ثقته بحكمه .

