١ برترائد رسل والشيوعية
برترائد رسل الفيلسوف الانجليزى المعاصر الكبير اشتراكى النزعة إذ يرى فى الاشتراكية علاجا لأدواء المجتمع ولا يرى بديلا عنها فى تخليص العالم مما يعانيه من أزمات وما يتهدده من أخطار وإن كان رسل يدعو إلى الاشتراكية إلا أنه خصم للشيوعية ولقد سعى إلى روسيا بعد الحرب العالمية الأولى ليرى بعينه التجربة الشيوعية الكبرى الأولى وقابل لينين ولكنه عاد من روسيا غير راض عن الشيوعية وكتب فيها كتابه البلشفية نظريا وعمليا وفى مقال له عن الشيوعية والفاشسقية يبين إعتراضاته على كليهما ولا يرى فى أحد النظامين بديلا عن الآخر كما يذهب إلى ذلك بعض الناس بل يراهما شرا كليهما
ويستهل رسل نقده للشيوعية بتعريف الشخص الشيوعى ويقول إنه الشخص الذى يقبل نظريات الدولية الثالثة فقد كان المسيحيون الأولون شيوعيين من بعض الوجوه وكذلك كانت بعض الجماعات الدينية أثناء العصور الوسطى ولكن شيوعية العصر الحديث شيوعية مطلقة من جميع الوجوه
وهناك اعتراضات رسل على الشيوعية يقول
أولا لا يمكننى قبول فلسفة ماركس ولا حتى مادية لبنين ومذهبه الذى يقوم على النقد التجريبي فلست ماديا وإن كنت بعيدا عن المثالية ولا أعتقد فى وجود ضرورة المعلئية فى التاريخ ولقد أخذ ماركس هذه العقيدة عن هيجل بدون أساسها المنطقى أعنى أوليتة الفكرة واعتقد ماركس فى تقدم البشرية فى مراحلها التالية وإنى لا أجد ضرورة لهذا الاعتقاد
ثانيا لا يمكنى كذلك قبول نظرية ماركس عن القيمة ولا حتى نظريته عن القيمة الفائضة
فالنظرية القائلة إن قيمة أية سلعة تتناسب مع مقدار العمل المستهلك فى إنتاجها هذه النظرية أخذها ماركس عن ريكاردو ولقد بين ريكاردو نفسه فساد هذه النظرية بنظريته عن الإيجار وقد نبذها علماء الاقتصاد من غير الماركسيين من زمن بعيد وتقوم نظرية ماركس عن القيمة الفائضة على نظرية مالقوس فى السكان وينبذ ماركس هذه النظرية بعد ولا تكون نظريات ماركس الاقتصادية وحدة منطقية متماسكة بل يلى مذهبه الاقتصادى على قبول بعض النظريات القديمة ونقد بعضها الآخر على نحو يتسق مع نقده للرأسمالية
ثالثا من الخطر اعتبار أى رجل مهما كان معصوما إذ يترتب على هذا التسليم الساذج وتبسيط الأمور غاية التبسيط وقد أدى الاعتقاد القديم بتنزيل الكتب المقدسة بالناس إلى استعدادهم لقبول أى كتاب مقدس وإن فى عبادة السلطة منافاة للروح العلمية
رابعا ليست الشيوعية ديموقراطية وما تسميه ديكتاتورية البروليتاريا فى الحقيقة ديكتاتورية أقلية تقبض على زمام السلطة وبدلنا التاريخ أن الحكومة كانت تخدم دائما الطبقة الحاكمة ما لم يؤثر فيها الخوف من فقدان النفوذ ويرى ماركس نفسه هذا الرأى ولطبقة الحاكمة فى الدولة الشيوعية من القوة ما يربو على ما للطبقة الرأسمالية فى الدولة الديموقراطية وتستطيع طالما احتفظت بولاء الجيش أن تستخدم قوتها فى الحصول على امتيازات ضارة بقدر ضرر امتيازات الرأسمالية واعتقاد بعض الناس أنها تعمل للصالح العام إنما هو مثالية حمقاء ومخالف لسيكولوجية ماركس السياسية
خامسا تضيق الشيوعية الخناق على الحريات وخاصة الحرية العقلية ولا يجاريها فى ذلك نظام غير الفاشنية ويفرض توحيد القوى الاقتصادية والسياسية نظاما إرهابيا
مخيفا مغلقا في وجه أى استثناء فيصبح التقدم والرقى ضربا من المستحيل فى ظل هذا النظام ما دام الحاكمون يعارضون أى تغير لا يزيد من نفوذهم ولقد تتسرب التطورات الخطيرة فى التاريخ بفضل بعض الظروف التى أتاحت الحياة والعيش لبعض الأشخاص الذين لم يتمتعوا بالتأييد والرضى فقد عاش كبار مثلا على التنجيم وعاش دارون على مال موروث وعاش ماركس على استغلال صديقه انجاز لعمال مانثستر أما فى ظل النظام الشيوعى فلا يتاح لغير المرغوب فيهم مثل هذه الظروف تعينهم على الحياة والبقاء
سادسا تمجد تعاليم ماركس والشيوعية الحديثة العمل اليدوى وتفضله على العمل العقلى والنتيجة مناهضة العلماء الذين يقولون بضرورة الاشتراكية ومن المستحيل تنظيم الدولة الاشتراكية بدون جهودهم وانقسم المجتمع بفضل الماركسيين عمليا إلى طبقات دنيا
سابعا والدعوة إلى حرب الطبقات تجعل من المحتمل شبوب نار هذه الحرب فى آية لحظة لا تتعادل فيها القوة المتعارضة وقد تكون القوة فى جانب الرأسماليين وإذا تفوق الرأسماليون صرنا إلى عهد من الرجعية العنيفة وإذا تعادلت القوتان تعرضت الحضارة لخطر جسيم ينذر بفناء الرأسماليين والشيوعيين جميعا والرأى عندى أنه ينبغى للاشتراكين أن يعتمدوا على الإقناع لتوطيد الاشتراكية في ظل النظم الديمقراطية الصحيحة وألا يستعجلوا استعمال القوة إلا فى نهاية الأمر عندما يلجأ اعداؤهم المغلوبون على أمرهم إلى القوة غير المشروعة فعندئذ لهم أن يستعملوا القوة فيجعلوا الحرب النهائية قصيرة الأجل لا تهدد الحضارة
ثامنا يكمن فى أعماق ماركس والشيوعيين حقد لا يجعلنا نتوقع أن يقيموا غداة انتصارهم نظاما لا توجد فيه منافذ للشر وسيميلون إلى استعمال الإرهاب وخاصة إذا جاء النصر بعد حرب طويلة الأمد مشكوك فى نهايتها ولا أظن أن الحزب المنتصر سيلزم جانب الحكمة والاعتدال فى البناء والتعمير وبتناسى الماركسيون أن
للحرب سيكولوجية خاصة بها تترتب على الخوف بغض النظر عن السبب الأصلى للنزاع
والناظر فى هذا النقد يجد أن رسل يبنى نقده على أسس فلسفية واقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسانية لأن الشيوعية تمس هذه الأمور جميعا فليست مذهبا فلسفيا ولا نظرية اقتصادية وحسب بل هي نظام يقوم على أسس فلسفية واقتصادية وسياسية ويترتب عليه تغيير شامل فى المجتمع فتناول رسل نقده للشيوعية على هذا الاعتبار مما يتطلب إلينا أن نديم النظر فيه على إيجازه
٢ حول الجسم والعقل
من الآثار السيئة التي ترتبت على تقدم العلم تضييق نطاق معارفنا فكنا نعرف أو نحسب أننا نعرف أن الإنسان يتألف من روح وجسم وأن الجسم فى المكان والزمان والروح فى الزمان فقط ولم يشك أحد فى وجود الروح وإن اختلف الناس حول خلودها أما الجسم فكان الرجل العادى يدرك وجوده إدراكا حسيا بديهيا وكان العالم يقف الموقف عينه أما الفيلسوف فكان يميل إلى تحليل الجسم ورده إلى عنصر معين وفقا للمذهب الذي يؤيده ولكن لم يكن يهتم أحد بما يقوله الفلاسفة وبالجملة ظلت المادية سائدة حتى بين العلماء ذوي العقيدة الدينية الراسخة
فقدنا الآن هذه الأفكار الساذجة فعلماء الطبيعة يؤكدون عدم وجود ما نسميه مادة وعلماء الفسيولوجيا يجزمون بعدم وجود ما نسميه عقلا وهذا أمر لا نظير له من يصدق أن صانع الأحذية يقول بعدم وجود الأحذية وصانع الملابس يقول إن الناس عراة فى الحقيقة هذا عجيب ولكن أعجب منه موقف بعض علماء الطبيعة وبعض علماء الفسيولوجيا فهؤلاء الفسيولوجيون يحاولون رد النشاط العقلي إلى نشاط الجسم متجاهلين ما يقوم فى سبيل ذلك من عقبات لا يجزم أحد الآن بإمكان التغلب عليها وكل ما يقال اعتمادا على علم الطبيعة نفسه أن ما نسميه جسما هو تركيب أو تصور على لاتقابلة حقيقة فيزيقية فلا عجب أن وجد المادى نفسه في موقف لايحسد عليه فهو إن أفلح فى رد النشاط العقلى إلى الجسم فكيف يتجنب الرأى القائل إن الجسم نفسه
ما هو إلا تصور اخترعه العقل وهكذا نجد أنفسنا فى حلقة مفرغة العقل نشاط للجسم والجسم تصور للعقل ومن الواضح أن هذا القول لا يصدق فى كل الصدق أو ليس هو بالحقيقة الكاملة ولابد من وجود شئ لا هو عقل ولا هو جسم ولكنهما معا يردان إليه ويستخلصان منه
لننظر الآن فى الجسم يرى الرجل العادى أن الأشياء المادية توجد ما دامت تبدو واضحة لحواسه فما يصطدم به لا شك فى وجوده ذلك هو المذهب الميتافيزيقى للرجل العادى ولكنا نجد العالم الطبيعى يذكرنا بأننا لا نصطدم بشئ مطلقا فلو أنك نطحت حائطا برأسك فأنت لا تلمسه فى الحقيقة فالذى يحدث أننا عندما نقيس شيئا تنجذب بعض الاكترونات والبروتونات والتى تكون جزءا منا إلى بعض الاكترونات والبروتونات فى ذلك الشىء أو تنفر هذه من تلك ولا يحدث اتصال حقيقي بل تضطرب الأكترونات والبروتونات نتيجة لهذا وينقل المصب هذا الاضطراب إلى المخ فيحدث فيه تأثيرا وهذا التأثير ضرورى لإحساسنا بالاتصال واللمس ويتوالى التجارب من هذا النوع يصبح الإحساس عندنا حقيقة لا اختراعا والاكترونات والبروتونات نفسها إن هى إلا حقائق أولية أو تقريبات وهى إما حزمة من الموجات المتتالية وإما حزمة من احتمالات إحصائية لحوادث متباينة
وهكذا أصبحت المادة وهما لا يمكن أن نصنع منه عصا نضرب بها العقل والمادة التى لم تكن محل شك أصبحت فكرة لا تفى بمطالب علم الطبيعة ومع ذلك فلا يؤيذ العلم الحديث وجود الروح أو العقل باعتبارهما حقيقتين وما يجعلنا نعتقد في وجود المادة يجعلنا لا نعتقد في وجودهما ولن ينتهى الصراع بين المادة والعقل بانتصار أحدهما بل ينتهى بالاعتراف أن كليهما تصور نافع وحسب فالعالم يتألف من حوادث لا من أشياء ثابتة ذات صفات متغيرة ويمكن تقسيم الحوادث إلى مجموعات وفقا لما بينها من روابط علية ونسمى مجموعة باسم مادة إذا ارتبطت حوادثها بروابط عليه من نوع معين وتسمى مجموعة أخرى باسم عقل إذا ارتبطت حوادثها بروابط عليه من نوع آخر وكل حادثة تمر فى عقل الإنسان تندرج فى مجموعة من إحدى
المجموعتين فإذا كانت من المجموعة الأولى كونت جزءا من المخ وإذا كانت من المجموعة الثانية كونت جزءا من العقل
وبذلك تعتبر المادة والعقل تصورين نافعين أو وسائل مقيدة لتصنيف الحوادث والشمس تفقد من المادة ما يقدر بملايين الأطنان فى الدقيقة الواحدة وإذا كان العقل يمتاز بالذاكرة فلا يصح الافتراض أن الذاكرة المرتبطة بشخص معين تبقى بعد موت هذا الشخص بل إن العكس هو الصحيح لأن الذاكرة ترتبط بتركيب خاص للمخ وهذا التركيب ينحل بالموت فالذاكرة إذا تنحل بالموت ومع أننا لا نستطيع أن نقطع بصحة المذهب الماد فسيظل العالم جميلا لو صح المذهب وأرى أن الباعث على خصومة المذهب المادى رغبتان الأولى الرغبة فى إثبات خلود الروح والثانية الرغبة فى إثبات أن القوة الأولى المحركة في الكون عقلية روحية لا مادية
وأرى أن الماديين على حق في موقفهم من كلتا الرغبتين ولا شك أن رغباتنا تؤثر في سطح الأرض فسطح الأرض كان يختلف عما هو الآن لو لم يستغله الإنسان فى سبيل الطعام والثروة ولكن قوانا محدودة فليس في مقدورنا أن تؤثر فى الشمس أو فى القمر أو حتى فى أعماق الأرض ولا دليل على أن علة ما يحدث فيما نعجز دونه علة عقلية والخلاصة أنه لا يحدث شئ وفقا لرغبة الإنسان إلا على سطح الأرض وما دمنا نعتمد على الطاقة التى تستمدها الأرض من الشمس فنحن نعتمد بالضرورة على الشمس ويستحيل تحقيق رغباتنا إذا فقدت الشمس حرارتها وليس لنا أن نبى أفكارنا على ما يستطيعه العلم في المستقبل فقد يستطيع أن يطيل عمر الإنسان على الأرض ولكن إذا صدق علم الطبيعة وخاصة القانون الثانى من الديناميكا الحرارية فلا يمكن أن نأمل فى بقاء الإنسان إلى الأبد
قد يرى البعض أن هذا القول يبعث على التشاؤم ولكن إذا كنا مخلصين لأنفسنا فلا بد أن نعترف بأن ما سيحدث بعد عدة ملايين من السنين لا يهمنا الآن فى كثير ولا قليل وبينما يتضامن العلم من دعاوينا الكونية إذا هو يزيد من أسباب راحتنا على الأرض وهذا يفسر لنا لماذا ظفر العلم بتسامح الناس ورضاهم بالرغم من تهديد رجال الدين
