الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589الرجوع إلى "الثقافة"

من أحاديث الخبراء

Share

سمعتهما يتحدثان . . قال المحامي لزميله : - لو كنت في مكان القاضي لما ندبت ( خبيرا ) في قضية من قضاياى قط ! إن القضية التي يعين فيها خبير يقضى عليها بالموت ! . قال زميله : - إن الخبير الذي تندبه المحاكم في بعض القضايا ، إنما يدعي لتنوير الدعوى . فأي موت هذا الذي تتحدث عنه ؟ . قال المحامى :

- إنه الموت ذو الألوان المتعددة . . الموت في صورة الانتظار الطويل حتى يأتي دور القضية عند الخبير . . والموت في صورة ضياع المعالم التي تريد المحكمة إثباتها . . والموت في صورة تحميل طرفي الخصوم من الصروفات فوق ما يطيقون . . وأخيرا يأتي دور موت الحق نفسه الذي يكون موضوع التقاضى ! . قال زميله :

- هل هي مرافعة أفلاطونية اخرى في قضية خاسرة . أم أن عندك الأمثلة الواقية التي تستمد منها كل هذه الصور ؟ . قال : إني لم أكن أستطيع أن أحصى وأعدد ما لم أكن قد اكتويت بنار كل حالة من هذه الحالات . .

لقد أراد أحد عملائي مرة - وكان رجلا يوغوسلافيا - أن يبنى دارا للسينما في ثغر من ثغور مصر الكبيرة . فعهد بذلك إلى مواطن له من المهندسين وضع له تصميم البناء ، ثم عرض عليه أن يقوم هو أيضا بتنفيذه . فرحب عميلي بهذه الأريحية . وحمد لصديقه هذه المعونة التى يتطوع بتقديمها إليه . وظل المهندس يستنزف الألف بعد الألف من أموال عميلي حتى تجاوز ما قبضه عشرة آلاف جنيه . وتشاء المصادفة أن يزور ( العمارة ) من يلفت نظر المالك إلى عدم صلاحية ( التصميم ) وعدم سلامة

البنيان . فتوقف المالك فورا عن إمداد المهندس بالمال . وتحرج الموقف بين " المواطنين " حتى انتها إلى المحكمة . فطلب المالك ندب خبير هندسي من رجال الفن لمراجعة (التصميمات) ولمعاينة المباني . وبيان ما في الأولى من نقص وما في الثانية من قصور ؛ ورفع المهندس دعوى على المالك يطالبه فيها بتعويضه عن وقف العمل الذي بدأ به ، والذي تعاقد من أجل تنفيذه مع عشرات المقاولين الفرعيين .

ورأت المحكمة أن تربط بين مصير القضيتين لارتباط موضوعهما ؛ وعينت خبيرا في قضية المالك ، ثم أجلت نظر الموضوع إلى ما بعد تقديم ( التقرير ) . . وظلت القضية تنتظر دورها بين القضايا المحالة على هذا الخبير حتى تصرمت الأعوام . وكان المهندس اليوغوسلافي قد انفتح أمامه

طريق العودة إلى بلاده بعد الحرب العالمية الثانية . فسافر وترك الدار من خلفه تنعي من بناها . ورأى المالك أن التقاضى أصبح لا غاية له ، وانه فقد وجه المصلحة فيه . فتنازل عن قضيته بعد أن أضاف ما أنفقه فيها إلى ما كان قد أنفقه على مشروع البناء . وعاد من الصفقتين بالخفين التقليديين .

فهذا - يا صاحبي - مثال يريك كيف تموت القضية . من طول الانتظار في أفيية الخبراء .

أما ضياع معالم الحالة التي يكون الخبير قد ندب لإثباتها فإني أراه في صورة تلك القضية الأخرى التى باع فيها المالك داره لأحد المشترين وقبض منه بضع مئات من الجنيهات على سبيل العربون . ثم تعذر على المشتري بعد ذلك أن يقوم بأداء أقساط الثمن في مواعيدها المتفق عليها . فضاع عليه العربون طبقا لشروط العقد وأصبح البائع حرا في عرض داره للبيع من جديد ، وقد وفق في هذه المرة الثانية إلى بيع الدار وقبض ثمنها فورا . وكان الثمن في هذه الصففة الجديدة يزيد على الثمن المتفق عليه في الصفقة الأولى . فرأى المشتري الأول أن هذه الحالة تعتبر من الحالات التي يسمح فيها القانون باسترداد العربون - فقصد إلى المحكمة ورفع دعواه على هذا المالك الذي استحل عربونه إلى جانب ما قبضه من الثمن المرتفع الجديد ، ودفع الثالث الدعوى بأن زيادة الثمن الجديد إنما نشأت عن التحسينات التي ادخلها على الدار قبل عرضها للبيع مرة أخرى ، وأن هذه التحسينات والترميات بلغت تكاليفها أكثر من قيمة الفرق بين الثمن الجديد والثمن القديم . وانه لذلك يكون قد أصابه الضرر الذي يبيح له الاستيلاء على قيمة العربون لنفسه .

ورأت المحكمة أن تستجيب لطلب المالك في ندب ( خبير ) لمعاينة ما أدخله على داره من تحسينات بين الصفقتين وما قام بعمله فيها من ترميمات ، وليقدر قيمة هذه الإصلاحات فظلت القضية عند الخبير نحو ثلاث سنوات كان المشتري الجديد في خلالها قد دعم البنيان القديم وعلاه ونقل السلم من موضعه إلى موضع آخر يتفق مع رسم الدار الجديد وأزال بذلك كل أثر من الآثار التي كان يمكن أن ينتفع بها الخبير في وضع تقريره المطلوب . ولذلك فوجىء الخبير عندما

آن أوان ذهابه للقيام بعمله بأن يرى نفسه أمام حالة تختلف كل الاختلاف عن الحالة التي وصفها الحكم ، والتي كان يتكلم عنها الطرفان المتقاضيان عندما رفعت الدعوى منذ ثلاث سنوات . ومن عجب أنه على الرغم من تغير المعالم واستحالة المعاينة بالصورة التى يطلبها الخصوم ، فإن الخبير رأي أن يضع تقريره على أساس فروض خيالية مجردة لا أساس لها من الواقع ، وذلك ليستحل لنفسه شيئا من الأجر عن عمله الذي ندب له . وفي هذا المثال يمكنك أن ترى كيف أن الموت لم يصب القضية وحدها ، ولكنه أصاب أيضا قيمة ( الأتعاب ) التى كانت المحكمة قد كلفت المدعي بإيداعها على ذمة الخبير ،

أما موت الحق نفسه على يدي ( الخبير ) فحديثه طويل . ولست أريد أن أخوض فيه لأنه أليق بالمرجفين الذين يذيعونه في الأوساط القضائية ، وهو على كل حال مما لا أريد أن أقطع فيه الآن برأي . قال الزميل :

- قد يكون كلامك هذا كله صحيحا ؛ ولكن ما الحيلة إذا كان لابد من الرجوع إلى الفنيين في سبيل الاهتداء إلى وجه الحق بين المتنازعين . إنك لا تستطيع أن تفترض أن كل قاض يجيد العمليات الحسابية المعقدة التي تجري بين الشركاء المتنازعين . ولا أن يلم بمبادىء الهندسة التى تبصره بوجوه الخطأ والصواب في مسألة معمارية تطرح عليه . . ولا أن يختص في الشئون الكيمياوية حيث يمكنه تحليل المواد لتمييز الزائف فيها من الصحيح . . ففي كل هذه الشئون محتاج القاضي إلى ( الخبير الفني ) الذي يعاونه على تعرف وجه الحق في النزاع الذي أمامه .

قال المحامي : - هذه حقيقة لا أستطيع المكابرة فيها ، ولكن انظر كيف تسرف بعض المحاكم في أمر الخبراء وتعينهم بحيث لا تجعل التجاءها إليهم مقصورا على الشئون العويصة وحدها ، ولكنها - تحت ضغط العمل وكثرته - كلما واجهتها مشكلة تستطيع أن تعهد بها لخبير لم تتردد في تركها له ، وندبه لبحثها ، وتقديم تقريره عنها .

ولئن كان هذا مفهوما من القاضي المرهق بالعمل الذي يريد أن يتخفف ولو موقتا من بعض أعبائه فإني لا أفهم عذر المحقق مثلا ، الذي يلجأ إلى الخبير الفني في شئون لا تمس ( الفن ) في القضية التي يحققها من قريب ولا من بعيد . وإني لا زلت أذكر مع مزيد من العجب أن محققا دعى يوما إلى تحقيق حادث ذهبت فيه سيدة ضحية انفجار موقد بترول كانت تحاول إيقاده - وأمثال هذه الحوادث لا جناية فيها بل هي لا تحمل شهة الجناية ما دامت الوقائع تكون قد ثبتت على هذه الصورة - ومع ذلك فإن المحقق في تلك القضية بالذات رأى أن يرسل الموقد إلى ( الطبيب الشرعي ) لفحصه تشبها بما يفعله المحققون الجادون حين ترتكب جناية قتل مثلا بعيار ناري فيبعثون بالسلاح الناري المضبوط إلى ذلك الطبيب لفحصه وبيان ما إذا كانت إصابة المصاب تحدث حقا من مثل هذا السلاح ، وعلى المسافات والأوضاع التي قررها الشهود أم لا .

وإن هذا ليذكرني بحذلقة محقق آخر تحجر رأسه بفعل ( الروتين ) - فجاءته ذات يوم قضية كان المتهم فيها سائق ترام دهس رجلا قفضى عليه . وأقبلت زوجة القتيل تشهد بما رأت لأنها كانت ترافق زوجها وقت الحادث ، فبعد أن فرغت من شهادتها سألها المحقق ( الساهي ) سؤالا تقليديا آخر جرى العرف على توجيهه ، خصوصا في جرائم القتل الخطأ - فقال :

- وهل يوجد عداء سابق بين التهم ( السائق ) وزوجك ؟ ! كما لو كان المتهم - مع افتراض وجود هذا العداء المزعوم - يستطيع أن يأخذ ترامه وينطلق ( في الطرقات مطاردا خصمه حتى يدركه في بعض المآزق فيدهمه ويقضى عليه ويشفى بذلك غليل نفسه منه ؟ ! قال زميله : - إن ندب ( الطبيب الشرعي ) في المثال الذي ذكرته ليس فيه ما يؤخذ على نظام الخبرة أو الخبراء . ولكنه خطأ غير مقصود وقع فيه المحقق . قال : - إني لم أعرضه لأدال به على ما تقول . فلقد فرغت

من تدليلي على هذا المعني في الأمثلة الأولى التي سقتها إليك . ولكني استطردت منها بعد ذلك إلى الأخطاء التي قد تقع فيها الهيآت الأخرى التى لها أن تستعين بالخبراء وقت الضيق . فتري بعضهم يقع في أمثال هذه المواقف التي تبعث على الضحك . . وإني لتحضرني بهذه المناسبة ) نكتة ( أخرى سمعتها من طبيب فاضل يسوقها على ما يلقي الأطباء الشرعيون أحيانا من عنت في المهمات التي يسند إليهم أمرها . قال : إنه تلقي يوما ( حرزا ) لفحصه . وكان ذلك في قضية اتهم فيها المتهم بأنه ( هتك عرض ) صبى صغير . فلما أمسك بالحرز في يدء - قبل أن يفضه - أعياه أمره ، إذ أن ما اعتاد أن يتلقاه في أمثال هذه القضايا هو ما قد يكون على المتهم من ملابس وقت الحادث أو ما قد يكون على المجني عليه ، لاحتمال أن يكون قد علق بشئ منها أثر من آثار الجريمة . أما هذا ( الحرز ) فإنه لم يستطع الاهتداء إلى كنهه لفرط صغر حجمه ، فلما فتحه زادت دهشته إذ وجد أنه ليس إلا كرة من المطاط . فراجع أوراق القضية ليرى ما علاقة هذه الكرة بالحادث ، فظهر له أن المحقق اليقظ رأى من باب الحيطة التامة أن يبعث بهذه الكرة إلى ) الطبيب الشرعي ( لأنها هي التي استطاع المتهم عن طريقها أن يغري المجني عليه بقبول ما ارتكبه معه !

فإن كان موقد البترول يحتاج ولو إلى سباك لفحصه ومعرفة سبب انفجاره - مع عدم تعلق ذلك كله بوجود تهمة يصح أن يتناولها التحقيق لأن المتهم الحقيقي في ذلك الحادث إنما هو الموقد نفسه - فبالله عليك ماذا كان يستطيع الطبيب الشرعي أن يستخلص من تلك الكرة التى أرسلت إليه على أنها أثر يستحق الصيانة و التحريز في القضية الثانية قال صاحبه مداعبا :

- الحق معك ، فقد كان أولى بالمحقق أن يبعث بتلك الكرة إلى إخصائي نفساني ليجري عليها تجاربه قبل أن يقرر إن كانت تصلح في إغراء الصبي أم أن مطاطها من نوع لا تتوافر فيه الخواص النفسية التي قد تؤدي إلى أمثال هذه العواقب !

اشترك في نشرتنا البريدية