ينعم المصريون الذين يعيشون في المدن الكبيرة والذين أتاهم الله سعة في المال، بحياة هادئة نظيفة لا يعكر صفوها معكر. وإذا صادفهم في حيث يسكنون كثرة من ذباب أو بعوض (ناموس)، لم يعز عليهم أن يلجأوا إلى مكاتب الصحة تسعفهم بالمواد المبيدة والي مصلحة التنظيم تعمل على تنظيف الأحياء المحيطة بهم ، وان يشتروا الأنفسهم من الشباك الدقيقة أو الأسلاك ما يقف حائلا دون الذباب والبعوض من ولوج منافذ دورهم ، وان يشتروا كذلك من الاقمشة الدقيقة الغالية ما يصلح لصنع الناموسيات ينصبونها على اسرتهم فيحولون بين أنفسهم وبين ما تسرب إلي المنزل من ذباب وبعوض بعد تلك التحوطات الكبيرة التي ذكرناها . وهكذا ينامون ملء الجفون ويحفظون ابدانهم وأبدان عيالهم من العلل والأمراض والآوبئة التي يجلبها الذباب والبعوض ..
هذا حال المتيسرين من أفراد الشعب الذين يعيشون في المدن أو المراكز الكبيرة. أما بقية أفراد الشعب من الفقراء والفلاحون الذين يعيشون في القرى، فحالتهم من هذه الناحية تدمي القلوب وتفتت الأكباد وتجعلنا نعجب كيف تكون أمة راقية تريد ان تتبوا مكانها بين الأمم المتحضرة وتتزعم أمم الشرق، وتسكت مع ذلك عن حال كهذه لا يدرك شدة وطأتها تماما إلا من عاش في صميم الريف وشارك المساكين من أهله معيشتهم واكتوى بما يكتوون به وتعرض لما يتعرضون له؟
فهناك في هذا الريف التعس بمجرد ان يصبح الصباح وقبل ان تشرق الشمس تبدا جحافل الذباب تنقض على الأهلين فتهاجم أعينهم وأعين عيالهم الصغار وتتجمع على
أجسادهم وملابسهم وعلي مواشيهم وحيواناتهم . فإذا ما سطع ضوء الشمس كان كل ما حول الإنسان مهاجم بهذه الحشرة السوداء البغيضة التي تحمل القاذورات وتحمل معها بذور الأمراض الفتاكة ، وأشدها خطرا يصب العين ويؤدي إلي فقد عدد كبير من الناس لعينيه أو إحداهما
ومن المؤلم أنك تري الفلاحين وقد اعتادوا هذه الحال لا يحركون ساكنا لما يصيهم ، بل ولا يدفعون الذباب حتى من علي أعينهم ، فتراء يجول ويصول فيها بمنتهي الحرية وهم عنه لاهون وبخطره غير شاعرين
فإذا ما غابت الشمس وبدأ الظلام يخيم أخذت تنقض على الاهلين جحافل الناموس ، تلك الحشرة التي لا ترحم والتي تمتص دماءهم على قلتها وتحقنهم ببذور الحميات وغيرها من مختلف الامراض التي تودي بحياة نسبة كبيرة منهم . وحتي إذا صرفنا النظر عن هذا الخطر ولم يعمل له حسابا فإن لدغات هذا البعوض تقض مضاجعهم وتقلق منامهم إلا إذا كانوا من التعب بحيث لا يؤثر فيهم إلا اللدغة القوية .
فهل ترضي أمة متمدينة بهذه الحال ؟ وهل تقبل سبة كهذه وتتحمل مثل هذا العار ، وتسكت على هذه الخسارة الفادحة في دماء ابنائها وعيونهم وحياتهم ؟ اليست ثروة مصر كلها متوقفة على مقدرة الفلاح المسكين على العمل وعلى قدرته على الإنتاج وعلى نشاطه وإقباله واهتمامه ؟ وهل من المستطاع ان ينشط الإنسان وهو يتأذي بالليل والنهار ويجار على دمه وعينيه وأولاده ، وتفتك الامراض به وبأسرته باستمرار ؟ كيف ينشط إنسان والمرض ينخر في عظمه والدماء تمتص من جسمه ؟
ألا ن هذه سبة في جبين كل مصري وعار يجب أن تعمل كل حكومة على محوه وفي اعتقادي أن مقاومة هاتين الافتين الذباب والبعوض من اهم الواجبات والحها
على كل متعلم وقائد وزعيم وولي للأمر ويجب في رأينا أن ترصد الحكومة مبلغا كبيرا من المال لمحاربة هذا الوباء وتجند رجال العلم لمقاومته ، فيقومون بالبحوث العلمية الواجبة حتى يستنبطوا خير الوسائل لمقاومة هاتين الافتين والوصول إلى حل ناجح يؤدي إلي إبادة الذباب والبعوض من كافة أنحاء البلاد .
وقريبا قرأنا ان البرازيل كانت ترزح تحت كابوس كهذا وورباء أشد منه إذ أصيبت ببعوض الجامبيا . فأخذ رجال العلم والبحث يعملون ليل نهار في مكافحته حتى وصلوا بفضل جهودهم إلي تخليص البلاد منه نهائيا في خلال عشرة أعوام فقط
ومن الغريب أننا هنا لا نتحرك إلا إذا بدأ الناس يموتون بكثرة ظاهرة وعلى صورة تلفت النظر ، أو إذا قامت حملة شديدة تهلل وتكبر وتبرز الخطر ، أو إذا التفت مليك البلاد إلى الأمر ولفت نظر حكومته إليه ، وعند ذاك فقط تقوم الدنيا وتقعد وتفتح الخزانة وترصد الأموال وتجند الأعداد الهائلة المقاومة بصفة وقتية ، حتى إذا ما تحسن الحال نوعا ما وهدأت العاصفة عادت الأمور الى مجاريها الطبيعية الأصلية ونسي الناس كل مجهود ووقفت البحوث وطويت الأوراق وانتهى الأمر عند هذا الحد
أما الموت التدريجي المستمر الذي يدل عليه علو نسبة الوفيات وارتفاع الرغم الدال علي الإصابات وغير ذلك من نذر الشر المستترة نوعاما ومن الألام التي يتحملها اصحابها في صبر وجلد واستسلام - كل ذلك لا يحرك ساكنا ولا يدفع إلي العمل المنتج ولا يحمس لرسم خطة ولا يؤدي إلي دراسة جدية منظمة وحملة علمية مستمرة ، لوأنها جميعا بدأت لجنت البلاد من آثارها منافع لاحصر لها
فهل آن الآوان لأن يظفر هذا الخطر الداهم بشيء من عناية الحكومة واهتمامها ؟ فتعيره ما يجب له من اهتمام
وتهئ الحملة القوية الكافية لمحاربته وتخليص البلاد من ويلاته
ومن العجيب أنك تسمع الناس يتحدثون وتقرأ لهم فيما يكتبون دعوة حارة إلى الاستقرار في الريف وتعميره ووقف الهجرة منه ، وتحميس شباب المستقبل وشاباته للسكنى فيه والاستمتاع بجماله وحسن استغلال خيراته . وهذا كلام نظري حسن لاغبار عليه . لكن الذي يعيش في الريف شهرا بعد شهر وسنة بعد أخري ويشعر بتلك النقصات التي تجعله في إشفاق دائم على أولاده من خطر الذباب وفي الم بالغ حين يجن الليل من لدغ الناموس ، هذا الالم وذاك الإشفاق بنسيانه ما في الريف من جمال ومتعة ويعكران عليه صفو الحياة فيه ، ويدفعانه دفعا إلى الهرب من هذه الحياة المؤلمة المغلقة حتى يطمئن على أهله وعياله ويغني نفسه شر الإشفاق على المساكين المعذبين حوله من العمال والآجراء الزراعيين
دعوت صديقا لي من المدينة لقضاء بضعة أيام معي في الريف ، فهزه الحنين الشعري إلي حياة الفلاحين وذكر ما يكتبه الشعراء والأدباء في وصف الحياة الجميلة في الريف وفي الإشارة بحماله وشاعريته ، ففي دعوتي ووصلنا إلي حيث اقيم في وقت جميل من النهار وجلسنا في شرفة حيث الهواء عليل ، وأخذنا نتسامر ونستريح وسره ، كل ماحوله من خضرة ونسيم وسماء وهدوء شامل مريح للاعصاب .
ثم نزلنا لنمر في العزبة ثم في الغيط فأخذت عينه تقع على مناظر الذباب وفتكه ولاسيما بالصغار ، فمر عليها سريعا وتغاضى عنها حتى لا ينغص على نفسه متعته . ثم عدنا في المساء وجلسنا في نفس المكان الهادي الطلق الجميل الذي استمتعنا به في النهار ، فما إن غابت الشمس وأخذ الظلام يسدل ستاره حتى تحركت رجلا صديقي ويداء ، وما إن جاء وقت العشاء حتي أحس بوطأة الناموس تشتد ، فضج وتألم
وقال : أعوذ بالله ! كيف تصبرون على هذه الحال وتعيشون في هذا الجحيم ؟ .
قلت : هذا هو نعيم الريف الجميل . فقال : قبح الله الريف وما فيه وتعسا لما كتبه ما دام هذا الوباء اللعين مسلطا عليهم يفري في أجسادهم ويستنزف دماءهم ويصب الامراض في أجسامهم على هذه الصورة لقد أغمضت عيني من الذباب وأثره في الفلاحين عند مرورنا في وسطهم ، ولكن كيف تحمون أولادكم الصغار منه نهارا ومن البعوض ليلا ؟ .
فقلنا : نحبس الصغار معظم النهار في حجرة تنصب على منافذها الشباك ونفرد لهم واحدة منا ترقبهم وتضمن عدم سطو ما تسرب من الذباب على أعينهم ، ثم تمنعهم من النوم في خلال النهار ، حتى إذا قاربت الشمس المغيب اطعمناهم ، وبمجرد حلول الليل نضعهم في الفراش ونرغمهم على النوم بعد ان تتخذ من التحوطات ما يتعب ويضي ، لكي لا يتسرب الناموس إلي داخل الناموسيات فيقض مضاجع الساكين
ومن الغريب اننا وجدنا بالتجربة أن معظم الناموسيات التي أحضرناها غير وافية بالغرض ، لأنها وإن حبست الناموس الكبير فهي لا تمنع ماهو ادق منه بكثير وما يسمي " بالسكيت ، الذي يبلغ حجم العشرة منه حجم ناموسة واحدة ، ذلك السكيت الذي يلدغ لدغا قاسيا مفزعا . ولذا اضطررنا إلى دفع مبلغ كبر كبير للحصول على ناموسيات أدق كثيرا من سابقتها لتقينا شر هذا السكيت اللعين
قال صاحب : هذه ليلة أقضيها معكم بالطول أو بالعرض ، وفي الصياح الباكر انطلق عائدا إلى بلاد المتعة والنعيم ، إلي المدن الجميلة ، وقبح الله ريفكم ووقاكم شره .
هذه حقائق الواقع يجب أن يتدبرها القادة ، ليعلموا ان الواجب يناديهم ليدبروا حملة قوية تخلص البلاد من هاتين الآفتين اللعينتين قبل أن يؤملوا خيرا في نهضة الريف وسعادة أهله وسعادة مصر من ورائهم

