الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 254الرجوع إلى "الثقافة"

من أحاديث العبيط:، قصة العبيط، مع مارى والأطفال

Share

-١- لقد قص ديستويفسكى الكاتب الروسى الشهير أحداثا كثيرة وقعت لأمير روسى هو موتشكين Muichkine الذى وصفه الكاتب لأمر سنراه فيما بعد بالعبط ، وأودع تلك الأحداث رواية تقع فيما يقرب من ألف صفحة بعنوان (( العبيط )) (١) .

ونحن لا نريد اليوم أن ننزلق إلى مناقشات فلسفية حول العبط ، فمن الناس من يدعى الحكمة ، وما أكثر الدعاوى ، فيرى فى تصرفات هذا الرجل لا عبطا فحسب ، بل واختلالا فى الإدراك ، ومنهم من لم يزل يسلط عقله على عقله يتبين حدوده ويناقش مقدرته على الجزم عن يقين حتى أصبح يرى فى ضوئه ذاته شيئا من الاضطراب يكاد يحيله ضوءا كاذبا ، إن لم يكن ظلمة ، ولهذا يحذر أن يصف غيره بالعبط ، فلربما كان هو العبيط .

الأمير موتشكين فى السابعة والعشرين من عمره الآن ، فهو إذن رجل بحكم سنه ، ولكنه مع ذلك يستريح إلى معاشرة الأطفال ، ويضيق بالأشخاص الكبار ، لأنه إذا وجد معهم لا يدرى ماذا يقول لهم . وهذا أمر غريب يدعونا إلى أن نرى فى الرجل شذوذا ؛ ونبحث فى نشأته محاولين الكشف عن ذلك الشذوذ فلا نهتدى إلى شئ كثير ؛ فالرجل قد مات أبوه وهو فى سن مبكرة ، فتعهده صديق خير من أصدقاء والده .

وكل ما لاح عليه من أمارات غير عادية لا يعدو مرض التشنج العصبى . ونحن لا نستطيع أن نقرر أن هذا المرض يؤدى إلى العبط ، فقد كان ديستويفسكى نفسه مريضا به ، ولقد مرض به أيضا فلوبير الكاتب الفرنسى الكبير ، كما مرض به غيرهما ممن لا يجرؤ أحد من عقلائنا أن يصفهم بالعبط .

وفى الحق أننا لا نرى داعيا للبحث عن تعليل حكم لم نثق بعد من صحته ، فموتشكين لم يكن عبيطا ، بل ربما كان فى وصفه بهذه الصفة أكبر سخرية استطاعها ديستويفسكى من عقلية البشر . يخيل إلينا أن هذا الكاتب العبقرى لم يكن يظن أن العبط بأميره ، بل بنا نحن . وها هى قصة هذا العبيط مع مارى والأطفال توضح سوء ظن المؤلف بالملايين الذين قرأوا روايته . ستقرؤها فلا تملك إلا أن ندهش لقدرة هذا العبيط على فهم جوانب الضعف فى النفس البشرية ، وإذا بك تثور على ما فى طبائع الناس من شر أصيل ، وقد أخذت بنبل الرجل ونفاذ حسه .

من المعلوم أنه عندما اشتد بموتشكين المرض أرسله القائم على تربيته إلى طبيب بسويسرا ليعالجه بمصحته ، ولقد وجد المريض فى جو سويسرا مساعدا على الشفاء ، فأقام هناك أربع سنوات ، دفع مربيه فى السنتين الأوليين أجر علاجه وإقامته ؛ ثم مات هذا المحسن الكبير ، فلم يبق للأمير معيل ، ومع ذلك فقد أمسكه الطبيب الكريم سنتين أخريين ، ولكن العبيط ضاق بالإقامة وقد انقطع عنه كل مدد من روسيا ، فقرر العودة إلى بترسبورج ليلتمس له عملا يعيش به . وتذكر عبيطنا أن أسرته العريقة قد بقيت منها أميرة هى الآن زوجة لجنرال بالجيش ، فقرر أن ينزل بدارها ليتعرف إليها وإلى زوجها ، ثم ينظر ماذا هو فاعل .

نزل العبيط عند الجنرال إبينتشين Epantchine ، واستطاع أن يحمل مضيفه على أن يقدمه إلى الأميرة . وغادر الجنرال المنزل لأمر يشغله ، فلم يتناول وجبة الغداء مع أسرته ، فظل الضيف مع الأميرة وبناتها الثلاث ، وتناولوا الغداء سويا ، ثم جلسوا للحديث ؛ وأبى حب الاستطلاع الأصيل فى النساء إلا أن يسوق الضيف إلى قصص حياته فى الخارج ، وأربعتهن يحسبن به العبط ، إذ كان الجنرال قد بصرهن بهذه الحقيقة قبل أن يغادر المنزل ، وإن يكن حديث الضيف لم يلبث أن زعزع عند بعضهن هذا اليقين ، ولا غرابة فى ذلك ، فقد كان من بينهن من تتمتع بملكة الحكم الشخصى .

قصة العبيط مع مارى والأطفال كانت من بين ما قص بطلنا فى ذلك اليوم ، فقد وقعت له أحداثها بالقرية السويسرية حيث كانت المصحة التى أقام بها .

قال : (( فى أول الأمر لم يكن الأطفال يحبوننى . لقد رأونى كبيرا وقد كنت دائما قليل ( اللحلحة ) ، ثم إنى أعلم أنى دميم ، وأخيرا باعد بينى وبينهم أننى كنت أجنبيا فى قريتهم . لقد كانوا فى البدء يتضاحكون منى ، بل أخذوا يرموننى بالحجارة عندما فاجأونى أقبل مارى ، إننى لم أقبلها غير مرة واحدة ... لا ، لا تضحكن ، فإن الحب لم يكن له دخل فى الموضوع . ولو أنكن رأيتن هذه المخلوقة البائسة بأنفسكن لأخذتكن بها الشفقة كما أخذتنى . كانت فتاة من القرية تسكن مع أمها كوخا صغيرا تضيئه نافذتان ، وكانت الأم العجوز تبيع أربطة الأحذية والخيط والتبغ والصابون ، وبإذن من السلطات كانت تعرض بضاعتها على لوح من الخشب مثبت أمام إحدى النافذتين . وكانت هذه التجارة تأتيها بقليل من النقود الصغيرة تعيش بها ؛ وكانت مريضة متورمة الأرجل ، مما اضطرها إلى أن تظل جالسة ؛ وكانت مارى فى العشرين من عمرها ، نحيفة ضعيفة البنية ، وإنه وإن لم يكن مرض السل قد

ظهر عندها ، إلا أنها بالرغم من ذلك كانت تعمل باليومية فى المنازل ، حيث تقوم بالأعمال الخشنة : فتمسح البلاط ، وتغسل الملابس ، وتكنس الأحواش ، وتقدم للحيوانات علفها ... وفى أحد الأيام أغواها قومسينجى فرنسى وأخذها معه ، ولكنه بعد أسبوع واحد غرسها حيث انتهى به المسير ثم ولى ؛ فوجدت نفسها وحيدة بعرض الطريق ، فعادت إلى قريتها وهى تستجدى طول رحلتها ، ووصلت قذرة مهلهلة الأسمال ، ممزقة الحذاء تمزيقا تاما . لقد سارت ثمانية أيام : تنام فى العراء ، وتقاسى لذعة البرد ؛ لقد دميت قدماها ، وتغطت يداها بالقشف والشقوق ، وهى حتى قبل ذلك لم تكن جميلة ، لم يكن لها غير عينين وديعتين تملؤهما الطيبة والبراءة . لقد كان صمتها خارقا ، فقد اتفق مرة - قبل أن تحدث لها تلك الحادثة - أن أخذت تغنى فجأة ، وهى تعمل ، فأحدث هذا الغناء فيما أذكر دهشة عامة ، (( لقد غنت مارى ... آه ... مارى تغنى ! )) ، هكذا قال الناس وهم يضحكون ، وخجلت مارى منذ ذلك الحين ، فانطوت فى صمت عنيد . وكانوا يعاملونها عندئذ بشىء من العطف ، ولكنها عندما مرضت وأخذت أطرافها تدمى لم يظهر لها أحد أقل شفقة . ما أغلظ الناس فى مثل هذه الحالة ! بأى قسوة يحكمون على هذه الأشياء ؟! وكان أولهم فى ذلك الأم العجوز ، فقد تلقت بنتها فى غضب واحتقار : (( الآن قد لوثت شرفى )) ، هذا ما قالت ؛ ثم كانت أسبق الجميع فى تعريض ابنتها لسباب الجمهور . وعندما علموا فى القرية بعودة مارى أسرعوا جميعا شيوخا وأطفالا ونساء وفتيات ليروها . لقد غزا السكان جميعا كوخ العجوز ، وهناك كانت ترقد مارى على الأرض عند قدمى أمها باكية وهى تموت جوعا ولا تغطيها غير الأسمال ، وبينما يتقاطر الزائرون كانت تحاول أن تختفى عن أبصارهم بأن تتخذ من شعرها المنتشر نقابا يغطى وجهها ، ثم تطأطئ

رأسها إلى الأرض . لقد التف الجمهور حولها فى دائرة وأخذوا ينظرون إليها كحشرة ؛ فالشيوح يعنفونها تعنيفا لا هوادة فيه ، والشبان يكشرون لها عن أنيابهم . والنساء يكلن لها السباب ، وقد أظهرن من الإشمئزار مثل ما يظهرن عندما يرين عنكبوتا ، والأم جالسة فى حجرتها تشجعهم بالصوت والإشارة ، بدلا من أن ترد عن ابنتها شيئا من عدوانهم . ولقد كانت فى ذلك الحين شديدة المرض ، فى حالة احتضار تقريبا ، وفى الواقع لقد ماتت بعد ذلك بشهرين ، ومع ذلك فإنها رغم إحساسها بقرب أجلها قد رفضت إلى آخر لحظة أن تتصافى مع ابنتها . إنها لم تخاطبها قط بكلمة واحدة ، وكانت ترسلها إلى الدهليز لتنام به ، بل تركتها بغير غذاء تقريبا ، ولقد كانت مضطرة إلى أن تضع مرارا قدميها المريضتين فى الماء الساخن ، فكانت مارى تغسلهما لها ، وتقدم إليها كل أنواع الرعاية ، فتقبلها العجوز دون أن تقابلها بأية عبارة رقيقة . ولقد كانت الفتاة تتحمل كل ذلك فى استسلام .

وعندما تعرفت إليها فيما بعد ، لاحظت أنها نفسها كانت تبرر كل ما ينزل بها من إهانات ، إذ كانت تعتبر نفسها أحط كائنات الأرض . ولم تعد العجوز تتناول غير اللبن ، فأخذ نساء القرية يفدن إليها ليتناوبن رعايتها وفقا للعادات المرعية بالريف . وعندئذ أمسكوا إطلاقا عن إطعام مارى ، فكان كل الريفيين ينحونها عن مداخل منازلهم ، بل إن أحدا منهم لم يقبل أن يعهد إليها بعمل ما كما كانوا يفعلون من قبل . لقد كان كل واحد منهم يلقاها ببصقة تقريبا ، فالرجال لم يعودوا ينظرون إليها كامرأة ، وكانوا يوجهون إليها أقذع الألفاظ ، وأحيانا ، وفى النادر الذى لا يذكر ، كانوا إذا أخذهم الخمار يوم الأحد يرمون إليها بقليل من النقود سخرية منها ، وكانت مارى تجمعها فى صمت . ثم أخذت منذ ذلك الحين تبصق

الدم ، وانتهت أسمالها بأن أصبحت من القذارة بحيث لم تعد تجرؤ أن تظهر بالقرية . ومنذ عودتها كانت تسير عارية القدمين ، وكان أطفال المدرسة ، وهم أكثر من أربعين ، يحلو لهم بنوع خاص أن يؤذوها ويرموها بالطين . وطلبت إلى أحد الفلاحين أن يسمح لها بحراسة البقر ولكنه رفض ، فألحقت هى نفسها بهذا العمل ، فكانت تصحب المواشى عند خروجها من الحظيرة ولا تتركها طول النهار . ورأى الفلاح أنها تؤدى إليه خدمات عديدة فلم يطردها ، بل كان يعطيها أحيانا بعضا من فضلات غذائه : قليلا من الخبز والجبن ، ولقد رأى فى عمله هذا طيبة كبيرة منه . وعندما ماتت الأم لم يخجل القسيس أن يلعن مارى على مسمع من الجميع فى وسط الكنيسة ، وأما هى فقد كانت بأسمالها القذرة راكعة إلى جوار التابوت وهى تبكى ؛ وكان حب الاستطلاع قد أتى بكثير من الناس إلى الجنازة ؛ كانوا يريدون أن يروا كيف تبكى الفتاة ، وكيف تسير خلف التابوت . وكان القسيس - الذى لا يزال شابا - لا يطمح إلا إلى أن يكون واعظا كبيرا ، فاتجه إلى الجمهور ، وأشار إلى مارى ثم قال : (( ها هى تلك التى سببت موت هذه السيدة الجليلة )) ، ( هذا غير صحيح ، فقد كانت العجوز مريضة منذ سنتين ) ، (( ها هى أمامكم وهى لا تجسر أن ترفع عينيها ، لأنها قد وسمت بأصبع الله ... ها هى عارية القدمين مغطاة بالأسمال مثلا يتعظ به كل أولئك اللائى قد يغريهن سوء السلوك ... ومن هى ؟ . . إنها ابنتها ... الخ )) .

ولنتصور أن هذا الجبن قد سر جميع الحاضرين ؛ ولكن ...حدث عندئذ حدث . فقد أخذ الاطفال جانب البائسة ، وذلك لأنهم عندئذ كانوا قد انضموا إلى وابتدأوا يحبون مارى ؛ وهاهو تفصيل ما حدث .

(البقية فى العدد الآتى)

اشترك في نشرتنا البريدية