أبو العلاء المعرى عاش في القرنين الربع والخامس عصرا ، وفي جميع القرون فلسفة وشعرا ؛ ويظلم ابا العلاء من حدد تاريخه بالمولد والوفاة ، وهو بروحة ومذهبة يعيش بيننا في هذه الحياة ؛ وكيف يظن بمن يقبض الحياة على غيره ، انه ذهب بذهاب عصره شغل العلماء والأدباء مدى ألف سنة بالبحث في نواحيه المختلفة : بين متدين بقصر بحثه على إيمانه او كفره ، ولغوي يبذل جهده، في تفسير الغريب من رسائله وشعره ، وفيلسوف يعني بتحقيق فلسفته والنظر في مذهبه ، وكاتب اديب بتخيل في شأنه ما اتسع له الخيال ، ومراع لمزاج الجمهور رأي ان يختصر من رسائله ما اطال ، وآخر لا رأي له يقصر عمله علي جمع ما قاله العلماء فيه ، له أو عليه .
ولم يفرغ كل هؤلاء بعد ولن يفرغوا من البحث في تلك النواحي المتسعة الخصيبة التي تستنقد جهود الكتاب والباحثين ، مع قلة ما ظهر بيننا من كتبه الكثيرة ، وما يدرينا ؟ لعله لو ظهر من كتبه اكثر مما بين ايدينا ، لانكشفت لنا نواح اخري من نواحيه يتسع فيها الكلام وتجول فيها الأقلام.
ولم أجد بين هؤلاء جميعا ذا فن قد اتجه ببحثه إلي منزلة إبى العلاء الفنية، وتصدي للكلام على شاعريته والخواص التي تميز شعره عن شعر معاصريه ، والمأخذ التي يؤاخذ بها في فنه ؛ فرايت ان اتحدث عنه من تلك الناحية التي تعنينا في هذه الاحاديث دون غيرها من نواحيه .
وأهم ما يتضح لك من مزايا شعره كثرة التوليد في
معانيه ، فلا تري له معني عقيما البتة ، ولا تراه يكتفى بأن يخرج من المعنى الواحد معني واحدا يتصل به، بل يقول المعنى ويتسع فيه إلي ابعد غاية ، ولا يقنع حتى يخرج منه عدة معان اخري تتصل بالمعنى الاول اتصالا قويا او ضعيفا ، ثم تتوالد تلك المعاني كذلك في القصيدة حتى يتمها
وقوة ذهنه على التوليد في المعاني وخلقها وابتكار الجديد منها لا يشبهه فيها شاعر في عصر من عصور الشعر غير ابن الرومي ؛ فكلا الشاعرين يغترف من ذهن فياض بعيد الغور ، لا فرق بينهما إلا أن ابن الرومي يولد من المعاني ما هو توضيح للمعنى الأصلي ، أو برهان عليه ، أو تطويل فيه ، ولا يزال في هذا البسط والتطويل حتى يستوفي المعنى من جميع نواحيه، ويدرك كنه مراده أقل الناس فهما واضيقهم ثقافة ، فالصلة بين معانيه تكاد تكون صلة منطقية ، ومعانيه الفرعية تؤدي إلي المعنى الأصلي من أقرب الطرق وأوضحها
وليس كذلك أبو العلاء في توليده ؛ فالصلة بين معانيه الفرعية والمعنى الأصلى صلة ضعيفة في اكثر المواطن ، فقد تكون تلك الصلة لفظية ، وقد تكون معنوية بطرف يسير وسبب واه يصل بين المعنيين ؛ فمعانيه الفرعية تؤدي إلي معانيه الاصلية من ابعد الطرق ؛ ويكاد كل معني يكون جديدا بالنسبة إلي ما يجاوره
كما يمتاز شعره ايضا بغزارة العلم وسعة الفكر وقوة الجهد ووفور العناية بتهذيبه وإشاعة الروعة في جميع أجزائه .
ولا أعلم من الشعراء قبله ولا بعده من يدانيه في
الأمرين الأولين ووضوحهما كل الوضوح في شعره ؛ اريد غزارة العلم وسعة التفكير ، حتى إنك لتستطيع تمييز شعره من شعر غيره - ولو لم يكن لديك علم سابق بأنه من شعره بوضوح هذين الامرين فيه ، فتراه يكثر من الألفاظ الغريبة ويضعها في شعره أحسن وضع . ويستعملها في معانيها ادق استعمال ؛ ويكثر من الإشارة إلي ايام العرب ووقائعهم ومزاعمهم في جاهليتهم ، وما عرف من اخلاقهم وعاداتهم ، وما اشتهر من امثالهم واشعارهم ، وما إلي ذلك مما يتصل بهم .
ومن مميزاته ايضا ظهور شخصيته واضحة جلية في جميع أبواب شعره ، فإنك تستطيع أن تستجلي في كل جزء من أجزائه ناحية من نفسه ممثلة تمثيلا دقيقا واضحا.
ومن اليسير عليك أن تكتب عن نفسيته مجلدا ضخما بالرجوع إلي شعره وحده ، دون اقوال المؤرخين فيه حتى مدائحه ومرائيه إذا قراتهما استطعت ان تستبين صفاته بما ينسبه إلي الممدوح من صفات المدح والثناء .
ولا تحس في مدائحه اثرا لاستجداء ممدوحه والحاجة إلي إياديه ، ولا ظلا من سيادة المدوح على المادح وتبعية المادح للممدوح كما تراه في مدائح غيره .
وتحسه في بعض شعره يرتفع عن مستوي البشر وينصب نفسه للحكومة بين الناس كافة ، امما وافرادا ، فاصلا في جميع الخصومات ، دقيقها وجليلها.
وما رأيت قاضيا رضي بقضائه كلا الخصمين مثله ، كما إنى لم ار غيره مفكرا لم يرض في تفكيره عن احد ، على حين قد رضي عنه وعن تفكيره كل احد ، ويتمثل بشعره من أرضاهم وأغضبهم على السواء.
تلك نبذة يسيرة عن بعض المميزات الكثيرة التي يمتاز بها هذا الشاعر الفذ ، وسأستوفي الحديث عن بقيتها في مقالات أخر إن شاء الله .
وهو أحمد بن عبد الله بن سليمان ، ينتهي نسبه إلي قضاعة ، كان متضلعا من علوم اللغة وفنون الأدب ، وعنه أخذ كثير
من مشهوري العلماء والأدباء ؛ وكانت ولادته سنة ثلاث وستين وثلثمائة ، ووفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة .
وقد سبق ان رويت له في بعض اجزاء الثقافة مقطوعة قالها وهو في بغداد يتشوق إلي وطنه مغرة النعمان وافضت في الحديث عما اشتملت عليه تلك المقطوعة من جمال وروعة وتصوير دقيق للعاطفة.
وتلك مقطوعة اخري في هذا الغرض نفسه لا تقل عن سابقتها جمالا وسحرا ، وهي من عيون الشعر العاطفي تقرؤها فتطلع منها على ما يملا قلب الشاعر من حب للوطن وحنين إليه والم مبرح من الغربة ، فلا يسعك إلا أن تشارك الشاعر في عاطفته ويمتلئ قلبك بالحنين والألم وإن لم تفارق وطنك ولم تذق غربة عنه.
وهذا من أقوي الدلائل علي قوة الفن والعاطفة في شعر الشاعر، إذ يجعل قارئه مثله في العاطفة وإن لم يماثله في اسبابها.
وقد كنت أود أن اتحدث عن هذه المقطوعة طويلا ، غير اني وجدت ان مثل هذا الشعر يحدثك عن نفسه حين تقرؤه ابلغ مما يتحدث عنه كاتب مهما اوتي من قوة البلاغة واللسن . قال :
مغاني اللوي من شخصك اليوم أطلال
وفي النوم مغني من خيالك محلال ( ١ )
وابغضت فيك النخل والنخل يانع
وأعجبني من حبك الطلح والضال ( ٢ )
حملت من الشامين أطيب جرعة
وأنزرها والقوم بالقفر ضلال (٣ )
كأن الخزامي جمعت لك حلة
عليك بها في اللون والطيب سربال(١)
فيا دارها بالحزن إن مزازها
قريب ولكن دون ذلك أهوال (٢)
تسيء بنا يقظي فأما إذا سرت
رقادا فاحسان إلينا وإجمال
وغنت لنا في دار سابور قينة
من الورق مطراب الأصائل منهال (٣)
رأت زهرا غضا فهاجت بمزهر
فثانيه أحشاه نطفن وأوصال (٤)
فقلت تغني كيف شئت فإنما
غناؤك عندي يا حمامة إعوال
وتجسدك البيض الحوالي قلادة
يجيدك فيها من شذا المسك تمثال (٥)
فآليت ما تدري الحمائم بالضحي
أأطواق حسن تلك أم من أغلال
تمنيت ان الخمر حلت لنشوة
تجهلني كيف أطمأنت بي الحال
فأذهل أني بالعراق على شفا
ردي الأماني لا أنيس ولا مال (١)
مقل من الأهلين : يسر وأسره
كفي حزنا بين مشت واقلال
طويت الصبا طي السجل وزازني
زمان له بالشيب حكم وإسجال
متى سالت بغداد عني وأهلها
فاني عن أهل القواصم سأل (٢)
إذا حن ليلي جن لبي وزائد
حقوق فؤادي كلما خفق الآل
وما بلادى كان أنجع مشربا
ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال (٣)
فيا وطني إن فاتني بك سابق
من الدهر فلينعم لما كنك البال
فإن استطع في الحشر آتك زائرا
وهيهات ، لي يوم القيامة أشغال
وكم ماجد في سيف دجلة لم أشم
له بارقا والمرء كالمزن عطال (٤)
ستبطلني رزقي الذي لو طلبته
لما زاد ، والدنيا حظوظ وإقبال

