البحتري يصف الحرب التي وقعت بين بني تغلب ، ويشكر المتوكل على الله الخليفة العباسي على الصلح الذي عقده بينهم على يد وزيره الفتح بن خافان ، فمن يدوم القربي ، وأطفأ نار فتنة كادت تودي بتلك القبيلة العظيمة :
وهي من عيون الشعر التصويري الذي جمع إلي جمال اللفظ وروعة المعنى جمال التصوير ودقته ووضوحه ، وأثره البالغ في النفس .
فقد جمع الشاعر في هذه المقطوعة بين عدة صور ملأي بالحياة والفن .
(١ ) صور الشاعر في أبيات ثلاثة منها ، وهي الخامس والسادس والسابع أثر الحرب الأهلية في الشعب الواحد ، من تدمير عمرانه ، وتشتيت جمعه وتبديله من الأمن خوفا ومن الأنس وحشة ، ومن مجالسه التي كانت تعقد للهو يتساقون فيها كئوس الراح ، بكتائب للحرب يتساقون فيها كئوس الموت .
(٢ ) صور الشاعر كذلك في أربعة أبيات تليها فعل الحمية العربية والعصبية الجاهلية في نفوس المتحاربين ، وكيف تدفعهم الأحقاد والأضغان وحب الأخذ بالثأر إلي التفاني في سبيل الموت ، والتمادي في الحرب ، واللجاجة في الخصام ، والضراوة بالدماء .
(٣ ) وانتقل الشاعر بعد ذلك إلي تصوير التنازع بين عاطفتين متناقضتين : عاطفة القربى التي تأمر بالصلة
والمودة ، وعاطفة الغضب للعزة القومية التي تغري والعداوة والحرب ؛ وقد وقف الشاعر بين هاتين العاطفتين موقف الواصف المصور ، لا موقف الحاكم المتحيز.
( ٤ ) وصف الشاعر موقف الخليفة ووزيره الفتح بن خاقان ، وأثر وساطتهما في إقرار السلام والأمن ، وإدخال الطمأنية على النفوس المضطربة الجامحة ، ورجوع المتحاربين إلي الخليفة متنصلين من ذنوب اقترفوها ، مستحين من جرائم جضوها ، خجيلين من إثارة شر جناه سفهاؤهم ، ووقع فيه حلفاؤهم ، كل هذا في أشرف لفظ وأوجزه ، وجمال فن وأروعه ؟ قال :
نزور أمير المؤمنين ودونه
سهوب البلاد رحبها ووسعها (١)
إذا ما هبطنا بلدة كر أهلها
أحاديث إحسان نداه يذيعها
ولما رعى سرب الرعية ذادها
عن الجذب محضر التلاع مريعها(٢)
علمت يقينا مذ توكل جعفر
على الله فيها أنه لا يضعها(٣)
أسبت لأخوالي ربيعة إذ عقت
مصايفها منها وأقوت ربوعها (١)
بكرهي أن باتت خلا ، ديارها
ووحشا مقانيها ، وشتى جميعها (٢)
وأمست تساقي الموت من بعد ما غدت
شروبا تساقي الراح رقها شرعها (٣)
إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم
لأخري دماء ما يطل نجيعها(٤)
تذم القناة الرؤد شيمة بعلها
إذا بات دون النأر وهو تجميعها ( ٥ )
حمية شعب جاهلى وعزة
كليبية أعيا الرجال خضوعها ( ٦ )
وفرسان هيجاء تجيش صدورها
بأحقادها حتي تضيق دروعها ( ٧ )
تقتل من ذكر وثر أعز نفوسها
عليها بأيد ما تكاد تطيعها ( ١ )
إذا احتزنت يوما ففاضت دماؤها
تذكرت القربي ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطع بينهم
شواجر أرحام ملوم قطوعها (٢ )
فلولا أمير المؤمنين وطوله
لعادت جيوب والدماء ردوعها( ٣ )
ولأصطلعت جرثومة تغلبية
أستبقيت أغصانها وفروعها ( ٤ )
وكنت أمين الله مولى حياتها
ومولاك فتح ذاك شفيعها
لعمرى لقد شرفته بصنيعة
إليهم وتعمي ظل فيهم يشبعها
تألفهم من بعد ما شردت بهم
حائط أخلاق بطئ رجوعها
وأمضى قضاء بينها فتحاجزت
ومخفوضها راض به ورفيعها
(بقية المنشور على صفحة ٢٥)
فقرت قلب كان جما وجيها
ونامت عيون كان نزرا هجوعها ( ١ )
أتتك وقد ثابت إليك حلومها
وباعدها عما كرهت نزوعها ( ٢ )
تعيد وتبدي من ثم ثناء كأنه
سائب روض الحزن جاد ربيعها(٢)
تمد حياء أن تراك بأعين
أتي الذنب عاصبها فلم مطيعها
ولا عذر إلا أن حلم حليمها
يتفه في شر جناء خليقها(٤)
بقيت فكم أبقيت بالغفو محسنا
على تغلب حتى استمر ظليمها ( ٥ )
ومشفقة تخشي حماما علي ابنها
لأول هيجاء تلاقى جموعها
ربطت بصلح القوم نافر جأشها
فقر خشاها وأطمأنت ضلوعها

