أبو نواس
من شعراء القرن الثانى ، وهو من طلائع المجددين فى الشعر العربى الذين لهم أبلغ الأثر فى اتساع ثروته وامتداد أفقه إلى مدى بعيد ، وتشعب أغراضه ومناحيه ، والنهوض به إلى المستوى الرفيع فى ألفاظه ومعانيه والوثوب به إلى أبعد غاية من الفن الرفيع ، والخروج به عن أمر التبعية المذلة ، والتقليد الميت ، والتخلف المزرى ، وتمهيد سبيله إلى قلوب الخاصة والعامة ، فصار شديد الاتصال بها ، سريع النفوذ إليها ، لأنه يخاطبها بلغتها ويترجم عن عواطفها ويعبر عن مشاعرها وإحساساتها ؛ كما يصور غرائر النفوس أحسن تصوير وأدقه ، وينفذ إلى البعيد الخفى منها من غير تكلف ولا جهد .
وكان ماقبله من الشعر إنما يقرأ لمعرفة الغريب ، وتفهم الأساليب ، واستجلاء القواعد ؛ وما إلى ذلك من غايات لفظية محضة ، لا صلة بينها وبين القلوب .
فإذا قرأت شعر العصور التى قبل أبى نواس وبشار ثم انتقلت إلى شعر هذين العبقريين ، أحسست أنك وثبت وثبة بعيدة المدى لم تكن فى حسابك ، وانتقلت من طور إلى طور آخر بينه وبين سابقه من التباعد مثل ما بين الحقاف والنضرة ، والجدوب والخصب ، والحياة والموت ؛ وتبين لك أن رسالة هذين الشاعرين فى إنهاض الشعر كانت عسرة شاقة ؛ لأنها - وإن كانت
رسالة تجديد من القدم - فإنها من ناحية أخرى رسالة إحياء من العدم ، فقد دفعا بالشعر دفعة قوية تحول بها عن طريقه الضيق المدود وسار فى طريقه الواسع إلى الكمال ، حتى استطاع الشعر العربى أن يساير الشعر فى أعظم الأمم حضارة وأوسعها ثقافة .
غير أنى ألاحظ مما طالعته من شعرهما ترددا ظاهرا بين التجديد والتقليد ؟ فبينا نرى أبا نواس ينعى على مذاهب القدماء فى ذكر الأطلال والرسوم ، وما تعاورها من رياح وغيوث ، ووصف الإبل والفلوات ، ويطيل فى تسفيه تلك المذاهب والنيل منها ما اتسعت له بلافته القوية وقريحته الخصبة ، وينهى عن اتباعها أشد النهى ؛ إذا به يأخذ بتلك المذاهب أخذا قويا ، ويسير على طريقة القدماء مقلدا لهم تقليدا دقيقا حتى يكاد يفوقهم ، فيذكر الأطلال والرسوم كما ذكروهما ، ويصف الابل والفلوات كما وصفوهما ، محاكيا لهم كل المحاكاة فى فخامة العبارة ، وكثرة الغريب .
و أكثر ما نرى ذلك فى مدائحه للخلفاء ومن يقرب من منزلهم .
ولا أدرى سبب هذا التردد ؛ وأظن أنه كان يقصد بشعره التقليدى إلى دفع حجة من ينمون عليه تجديده والخروج على مذاهب العرب ، حين ينسبون ذلك إلى العجز والقصور عن مجاراة القدماء ، والجهل بمذاهبهم .
أو أنه ترى مسيل الخلفاء إلى تلك المذاهب القديمة فى الشعر ، وتعلقهم بها ، وتقريبهم لمن يسير عليها من الشعراء ، وإقصاء غيرهم من المجددين ؛ فهو يجرى فى مدائحهم على ما أحبوا ليرتفع شعره لديهم ، وينال من جوائزهم ما ينال غيره منهم .
أما ما يتميز به أبو نواس بين جميع شعراء العربية ، سواء فى ذلك من عاصره منهم ، ومن جاء قبله أو بعده ، فهو أنه أوصفهم للخمر ، من حين اعتصارها إلى أن تميل
بالرموس ، وأحمدهم لآثارها ، وأحذقهم بالدواء من خمارها ، وأكثرهم حثا عليها وثناء على شاربيها ، وأحسنهم تشبيها لحباسها العافى ، من حين يطفو على سطحها حتى يذوب فى كؤوسها ، وأدقهم تمييزا بين عتيقها وحديثها ، وجيدها ورديئها ، وأخبرهم بما مضى عليها من الزمان ، وأوصفهم للكؤوس والدنان ، وأغزلهم فى السقاة من ذكور وإناث ، وأدقهم تصويرا لما فى شمائلهم من طرف وفتنة ، وأحسنهم تعبيرا عما يحدث بين هؤلاء السقاة وبين الجلساء ، من مبادلة الاشارات ، ومخالسة النظرات ، وأوصفهم لحال الخمار حين بطرفة فى الفلس مع رفقته ، وينهونه من غفوته ، فيقوم بمسح الكرى عن عينه ، ثم يملأون بالذهب يديه ، ليختار لهم من الخمر أطيب مالديه ؛ كل ذلك وأكثر منه يبرزه فى ثوب فاتن من الجمال والسحر ، فينال من نفس سامعيه أكثر ما تنال الخمر من لب شاربها ؛ وقد قال بعض العلماء بالشعر : خمريات أبى نواس كؤوس مصفاة لا أشعار مقفاة .
وما رأيت وصفا يغنى جماله عن جمال الموصوف كخمريات أبى نواس وغزله .
ويرجع هذا الاتجاه فى شعر أبى نواس إلى أسباب ، أهمها - فيما أرى - صحبته فى أول عهده لأبى أسامة والية ابن الحباب ؛ وكان من هؤلاء الخلعاء المجان الذين لا يبالون أى قول أو عمل يأتونه ، ولا يكترثون بما يقول الناس فيهم ؛ وقد كانت صلة أبى نواس به صلة التابع لمتبوعه والتلميذ لأستاذه .
والحديث عن أبى نواس يطول لمن أراد أن يتسع فى الحديث عنه ، فأكتفى الآن بهذا القدر القليل عنه خشية أن يخرج بى الحديث عما أقصد إليه ، وأن يصير دراسة لا اختيارا .
وسأستوفى الكلام عن جميع نواحيه فى عدة مقالات
أخر كلما اخترت شيئا من شعره ، ليكون من مجموع ذلك فصل طويل واف بجميع ما لأبى نواس وما عليه .
وهو أبو على الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن الصباح ؛ كان أبوه مولى للجراح بن عبد الله والى خراسان ، وأمه أهوازية ؛ وكان أبو نواس واسع العلم كثير الحفظ حتى نسب إلى الشافعى - رحمه الله - أنه قال : (( لولا خلاعته لأخذت عنه العلم )) .
ولد فى ستة خمس وأربعين ومائة ، وتوفى فى سنة خمس وتسعين ومائة .
وذلك مقطوعات أربع من روائع خمرياته التى حدثتك عنها بما لا يدع فى نفسك حاجة إلى زيادة ، قال :
أثن على الخمر بآلائها وسمها أحسن أسمائها
لا تجعل الماء لها قاهرا ولا تسلطها على مائها
كرخية قد عتقت (١) حقبة حتى مضي أكثر أجزائها
فلم يكد يدرك خمارها منها سوى آخر حوبائها (٢)
دارت فأحيت غير مذمومة نفوس حسراها وأنضائها (٣)
والخمر قد يشربها معشر ليسوا إذا عدوا بأكفائها
اسقنى والليل داج قبل أصوات الدجاج
اسقنى صهباء صرفا لم تدنس بمزاج
تحلب الراح صراحا فى أباريق الزجاج
وغزال من بنى الاص فر مغصوب بتاج
شخصه مني تعبد وهواه كالمناجي
يا أبا القاسم محبرا كل عمر لأنفراج
- ٣ -
وإذا عددت سنى كم هى لم أجد
للشيب عذرا فى الترول براسى
قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدى
عن أن تخف إلى فمى بالكاس
وكأن شاربها لفرط شعاعها
بالليل بكرع في سنا مقياس (١)
والراح طيبة وليس تمامها
إلا بطيب خلائق الجلاس
- ٤ -
كان الشباب مطية الجهل
ومحسن الضحكات والهزل
كان الجميل إذا ارتديت به
ومشيت أخطر صيت النعل (٢)
كان الفصيح إذا نطقت به
وأصاخت الآذان للمملى
كان المشفع فى مآربه
عند الفتاة ومدرك التبل (١)
والآمرى حتى إذا عزمت
نفسي أعان يدى بالفعل
فالآن صرت إلى مقاربة (٢)
وحططت عن ظهر الصبى رحلى
والكأس أهواها وإن رزأت
بلغ المعاش وقلت فضلى
ذخرت لآدم قبل خلقته
فتقدمته بخطوة القبل
فأتاك شيء لا تلامسه
إلا بحس غريزة العقل
فإذا علاها الماء ألبسها
حببا كمثل جلاجل الحجل
حتى إذا سكنت جوامحها
كنت بمثل أكارع النمل
خطين من شتى وتجتمع
عقل من الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجل
مرت مسامعه على العدل

