أبو نواس أيضا سبق أن تحدثت عن هذا الشاعر الساحر وأفضت فى الكلام على منزلته بين شعراء العربية ؛ كما تحدثت عن بعض النواحى التى أجاد فيها كل الإجادة وبرز فيها على غيره ، وهى خمر بانه .
واليوم أريد الحديث عنه فى ناحية أخرى من أهم النواحى التى امتاز بالاجادة فيها وظهرت فيها عبقريته بأجلى مظاهرها ، وهى غزلياته الفاتنة التى تستخف ذوي الرجاحة والوقار ، وتئب برواسخ الأحلام ، وتخرج أولي الرأي عن جادة الصواب ، وتبعث فى شيخوخة القلوب حرارة الشباب ، وتغرى الهرم الذي حطمته السنون بالتصابى وخلع العذار ، والجماح فى سبل اللهو بعد أن ألجمته السن وقعد به الهرم .
وأهم ما يمتاز به أبو نواس فى غزله أنه يتجه فيه أتجاها قويا إلى الغرائز البدنية فيبعث منها ما كمن ، ويثير ماخمد ، بل يحيي منها ما أماته الضعف والعجز .
وقلما يتجه فى غزله إلى العواطف القلبية والاحساسات الروحية إلا اتجاها ثانويا ، فيصفها وصفا مجملا لا أطناب فيه ولا تفصيل ، ولا يمر بها إلا ليجوزها إلي ذلك النوع من الغزل السابق ذكره .
فتراه يطيل كل الإطالة ويمعن فى الوصف والتصوير حتى يوفى على الغاية ويجاوز منى النفوس إذا تحدث عن مجلس لهو مع من يحبه ، أو وصف حسنه ود له ورقة شمائله وحلاوة منطقه وما فى حديثه من لتغة لسانية
ونحوها نجمل بجماله ، ويجاريه فى تلك اللثغة ؛ أو ذكر محاورة ظريفة جرت فى الحديث بينهما ، أو معاتبة على إعراض أو إخلافا لموعد ، أو مكر حبيبه به ومكره بحبيبه ؛ أو سرد قصة كانت عاقبتها فوزه بما يريد منه أوخيبته فى طلبه .
كما تراه ينفذ بقوة حدقه وخارق ذكائه وقوة تجربته إلى دخائل نفوس العشاق ، فيصف شعور المتحابين وخوالج قلبيهما ، وحديث نفسيهما حين تلاقيهما أو افتراقهما أدق وصف وأروعه .
وهو أوسع الشعراء خبرة بما يدنى الحبيب النافر ، وبسلس القياد الصعب ؛ وأعلمهم بمواضع التعريض بمراده والتصريح به .
وذلك كله مما اختص به أبو نواس وحده دون غيره من الشعراء قديمهم و حديثهم .
فإذا تحدث عن تباريح الجوى ، ولواعج الهوى ، وما بلقاء العاشق من ألم الفراق ؛ أو أراد وصف الزفرات والعسيرات ، وطول الليل على المهجور ، وما إلى ذلك من الاحساسات القلبية البحتة ، التى توحى بالحب الروحى ، وتتصل بالنفس اتصالا قويا ، لم يهز عاطفة فى قلبك ، ولم يلمس موضع الإعجاب فى نفسك ، وذلك لأن أبا نواس مشته لا محب ، وراغب فى لذة ، لا مد له القلب بالغرام .
أما فنه ، فهو لا يتسع فى خيال ، ولا يغرب فى معنى من معانيه ، ولا يولد معنى من معنى آخر ، ولا يبتكر جديدا ، ولكنه يصف كل شئ كما هو ، ويصوره بحقيقته التى يشعر بها ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص .
فإذا رأيت فى معانيه شيئا من الجدة والطرافة ، فذلك لجدة الموصوف وحده وطرافته ؛ لا أنه ابتكر جديدا ، أو أجهد فكره فى الإتيان بطريف .
كما أنه لا يلعب بالمعانى ولا بالألفاظ ، ولا يتجه إلى الصناعة اللفظية إلا فى القليل الذى لا يعول عليه ، وذلك لقرب عصره من العصور الأولى التى لا تعرف غير الطبيعة فى الشعر وغيره .
ولذلك أري أن شعر أبي نواس خير ما يمثل الحياة الاجتماعية فى بعض نواحيها ، وهى ناحية اللهو والمرح فى عصره ، لخلوه من الزخارف اللفظية والمعنوية التى تطمس الصور فى شعر أصحاب الصناعة من المتأ خرين وتبعدهم عن الحادة ، وتجعل الصورة غير المصور ، والمثال غير الممثل . ولا يفوتنى فى هذا الحديث أن أنبه على ما أجده فى بعض مقطوعات أبى نواس من التفاهة والإسفاف إلى غاية لا ينبغى أن ينزل إليها شاعر فى منزلته ، حتى تكاد تلك المقطوعات تصرفك عن غيرها من روائعه ، نجد ذلك كثيرا فى مقطوعاته فى غزل الذكر .
ويلوح لي أن ذلك يرجع إلى أن هذه المقطوعات التى قبلت فى هذا الغرض مدسوسة عليه ، قالها بعض هؤلاء المتصونين المتسترين الذين يخشون سوء القالة ، ويخجلون من نسبة هذا الشعر إليهم ، فرأوا أن ينفوها عن أنفسهم بنسبتها إلى شاعر اشتهر بالخلاعة والمجون والاتجاه فى الغزل إلي تلك الناحية ، كأبى نواس، ليجمعوا بذلك بين أمرين : نفى تلك المقطوعات عنهم ، وتسبيرها على أفواه الرواة ، كما ترى بعض الذين برعوا فى ابتكار الفكاهات وحدقوا وضعها ، ولهم من المنزلة بين الناس ما لا يتقق ونسبة هذه الفكاهات والنوادر إليهم ، فينسبونها إلي من اشتهروا بها أمثال البابلى فى عصرنا ، وجحى فى العصور السابقة .
وتلك عدة مقطوعات من غزله الرائع الذي حدثتك عنه هذا الحديث القصير ، الذى لم يبلغ بعض ما فى نفسى من إعجابى به ، وإيثارى إياه ؛ قال :
ما هوى إلا له سبب يبتدى منه وينشعب
فتفت قلبى محجبة وجهها بالحسن منتقب
خليت والحسن تأخذه تفتفي منه وتنتخب
فاكتست منه طرائفه واستزادت فضل ما يهب
صار جدا ما مزحت به رب جد جره اللعب
إذا غاديتنى بصبوح عذل
فشو بيه بتسمية الحبيب
فإني لا أعد العدل فيه
عليك - إذا قفلت - من الدنوب
وما أنا - إن عمرت أرى جنانا
وإن بحلت - بمحبوس النصيب
مقنعة بثوب الحسنن ترعي
بغير تكلف ثمر القلوب
وتلك محاورة بينه وبين حبيبته من هذه المحاورات الطريقة الفاتنة التى سبق أن أشرت إليها فى هذا الحديث :
كتبت على فص لخاتمها :
من مل محبوبا فلا رقدا
فكتبت فى فص ليبلغها :
من نام لم يعقل كمن سهدا
فتحته واكتتبت ليبلغنى :
لا نام من يهوى ولا هجدا
فمحوته ثم اكتتبت ، أنا
- والله - أول ميت كمدا
فمحته واكتتبت تعارضنى :
والله لا كلمته أبدا
ـ ٤ ـ
وقائلة لى كيف كنت تريد
فقلت لها ألا يكون حسود
لقد عاجلت قلبي جنان يهجرها
وقد كان يكفيني بذاك وعيد
لعل جنانا ساءها أن أجتها
فقل لجنان ثابت ويزيد
فسخطك في هذا علي مهون
ولكنه فيما سواه شديد
رأيت تدابي الدار ليس بنافع
إذا كان ما بين القلوب بعيد
إني لأرحم قلبي أن أكلفه
عنك السلو ولم قطعت أنفاسي
الله في فقد عذبتني زمنا
بالقرب والبعد والإطماع والباس
ناتذت من باضطبار عنك يأمرني
لأن ملك روحي عنه قد ضافا
ما يرجع الطرف عنها حين يبصرها
حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
ظن بي من قد كلفت به فهو يجفوني علي الظنن
نام لا يعنيه ما لقيت عين ممنوع من الوسن
رشا لولا ملاحته خلت الدنيا من الفتن
ما بدا إلا اشترق له حسنه عبدا بلا ثمن

