الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 49 الرجوع إلى "الثقافة"

من أحسن ما يروى، دراسة واختيار

Share

شوقى

حديثى اليوم فى هذا الشاعر عن قصيدة من روائع شعره ، بل من روائع ما قيل فى عصره ؛ وكان شوقى معجبا بها أشد الإعجاب ، مزهوا بها أشد الزهو ، كلفا بسماعها من رواة شعره ، لا يمل ترديدها على سمعه ؛ وإذا سئل : ما أحسن قصائدك ؟ كان جوابه : " مصاير الآيام " وهى خليقة باعجابه وزهوه وكلفه بسماعها ، فإنها تعد بحق من عيون الشعر التصويرى والعاطفى والفكرى جميعا .

أما كونها من عيون الشعر التصويرى ، فلأنها فى جملتها صورة بارعة الفن ، كاملة الأجزاء ، دقيقة الصنْع لمجتمع التلامذة في معاهدهم من حين يجمع بينهم الدرس في حياة التحصيل والامل ، ثم تفرقهم حظوظهم المقسومة فى حياة الجهاد والعمل ، متنقلين فى مراحل الحياة بين ناجح ومخفق ، وراج  وبائس ، متفوقين فى سبلها بين واصل ومنتقطع ، وماض ومبطئ ؟ متبابين فى عدد الكفاح بين مسلح وأعزل ، ومرهف الحد وكليله ؛ مختلفين فى ثمرة هذا الجهاد ، بين غانم ومخيب ، ومعطى ومحروم ؛ إلى أن تنقضى تلك الرحلة كلها ببلوغ الآمد وانقطاع الآجل .

ساير الشاعر تلك القافلة المكدودة من حين تأهبها لهذه الرحلة الشاقة ، متنقلا معها من مرحلة إلى أخرى من مراحل الحياة ، حتى ألقت عصاها ، واستقرت بها

تواها ، ساردا قصة الحياة جميعها ، مستوعبا ما يتعاور هؤلاء الركبان فى صحرائها الموحشة من خوف ورجاء ، ومشقة وراحة ، وكيف تعبث بهم رياح القدر ، فتضل بعضهم عن القصد ، وتحيد به عن الحادة ، وتمضى بآخرين إلى الغاية .

تنقل ذلك الشاعر الفذ مع لدانه وأتراب صباه من عهد الطفولة ، فصورهم فيه تصويرا رائعا إلى عهد الشباب ، فوصفهم فى ذلك المطور وصفا بارعا ، ثم إلى الكهولة فالمشيب ؛ فلم يدع دقيقا ولا جليلا من أحاسيس الكهول والشيوخ إلا أبرزه فى لفظ شريف وبيان رائع ومعنى طريف .

ثم وقف موقف الحكيم الذى يحسن استنباط العظة واستخلاص العبرة وإنارة الذكرى ، فلم يدع فى ذلك زيادة لمستزيد ، حتى انتهى بهم إلى الموت الذى يقف عنده كل سفر ، وينقطع كل أثر ، تاركا دموع القارئ وأشجانه اللتين آنارهما بتلك الخاتمة المحزنة يتممان قصيده ويستجيبان لشجوه .

ومن هنا كانت هذه القصيدة من عيون الشعر العاطفى أيضا - كما أسلفت - بما تثيره خاتمتها المؤلمة من أسى ولوعة ، ولما فيها من ذكريات حارة تبعث الحزن والأسف على عهود خلت ، وأزمنة ولت ، ورفقة فى طريق الحياة فرقتهم أيدي الغير ، وعبثت بشملهم أعاصير القدر ، فتساقطوا فى الطريق جماعة بعد جماعة ، وأدركهم الفناء فريقا بعد فريق ( كما فنى السراب على القفر اليباب ) .

ولا يجيد القول فى الذكريات والحنين إلا شاعر عمرت العاطفة قلبه ، ونفذ شعاعها إلى قرارة نفسه ، فلم يقصر نظره على ما حوله ، بل ينظر إلى الماضى نظر الباكى المستعبر ، وإلى المستقبل نظر الآمل المتشوف .

أما كون هذه القصيدة من روائع الشعر الفكرى

فلما أودعه الشاعر فيها من طرائف العظة وروائع الحكمة ودقائق المعانى التى لا ينفذ إليها إلا ذهن قوى وفكر محيط بكل ما يتناوله من جميع وجوهه .

وإنه ليطالعك فى هذه القصيدة من دقائق المعانى فى الحياة وتقلبها بأهلها ما يسلك شاعرها فى عداد كبار الفلاسفة ومقدمى الحكماء الذين لهج التاريخ بذكرهم وزين صفحاته بمآثرهم .

وبعد ، فإن لى على شوقى فى هذه القصيدة مؤاخذات لا ينبغى أن يفوتنى الإشارة إلى بعضها ، فهو حين بدأ قصيدته بالحديث عن عهد الحداثة ، نسى أنه يتحدث عن عهد مملوء بالمرح واللهو اللذين لا تشوبهما شائبة من هموم الحياة وكدر العيش ، ولا ظل من التفكير فيما يتلو هذا العهد من أعباء ثقال ومصاعب شداد ؛ ولكن الشاعر قد نسى ذلك فملأ حديثه عن هذا الطور بما ينتظر تلك الأزهار الفضة بعد الطفولة من غير الزمان ونوائب الأيام ، وما سيقاسونه بعد من شدائد يضيق عنها احتمالهم ؛ ولم يكتف بذلك ، بل ذكرهم بالموت الذى هو غاية كل حي ، وما أبعد المدى بينهم وبين تلك الغاية المحتومة ؛ فكان كمن يرى الطفل يلهو ويلعب فرحا بالحياة باسما لها ، غافلا عما ينتظره فيها ، فيقول له : العب كما تريد فان أمامك من حوادث الزمان ما يقطب وجهك ويعبس جبينك ويمنعك اللعب ؛ ولشوقى العذر فى ذلك ، فإنه قال هذه القصيدة وهو شيخ قد أشرف على الغاية وأوفى على الموت ، وكادت سفينته تلقى مراسيها على الساحل الآخر ، فهو يلتفت بنظره الباكى إلى من لم يزالوا على الساحل الأول ، فيذكرهم بأنهم إلى مثل ما صار إليه صائرون .

وكان أولى به أن يعود إليهم بذهنه ، إن لم يعد إليهم بسنه ، فيتحدث فيهم كأنه منهم .

والحق أن شوقى كان فى حديثه عن الطفولة فى هذه القصيدة حكيما حيث كان ينبغى له أن يكون شاعرا .

وإليك تلك القصيدة الرائعة بتمامها لم أقتضب منها غير بضعة أبيات قليلة ، قال :

ألا حبذا صحبة الكتب

                    وأحبب بأيامها أحبب!

ويا حبذا صبية يمرحون

                 عنان الحياة عليهم صبى

كأنهم بسمات الحياة

                   وأنفاس ريحانها الطيب

يراح ويغدى بهم كالقطيع

                    على مشرق الشمس والمغرب

إلى مرتع ألقوا غيره

                     وراع غريب العصا أجنبي

ومستقبل من قيود الحياة

                   شديد على النفس مستصعب

فراخ بأيك ، فمن ناهض

                       يروض الجناح ، ومن أزغب

مقاعدهم من جناح الزمان

                      وما علموا خطر التركب

خليون من تبعات الحياة

                       على الأم يلقونها والأب

عصافير عند تهجى الدروس

                        مهار عرابيد فى الملعب

جنون الحداثة من حولهم

                           تضيق به سعة المذهب

عدا فاستبد بعقل الصبى

                        وأعدى المؤدب حتى صبى

لهم جرس مطرب فى السراح

                    وليس إذا جد بالمطرب

توارت به ساعة الزمان

                 على الناس دائرة العقرب

تشول بإبرتها للشباب

                     وتقذف بالسم فى الشيب

يدق بمطرقتيها القضاء

                     وتجرى المقادير فى اللولب

وتلك الأواعى بأيمانهم

                     حقائب فيها الغد المختبى

ففيها الذى إن يقم لا يعد

                   من الناس أو يمض لا يحسب

وفيها المؤخر خلف الزحام

                    وفيها المقدم فى الموكب

جميل عليهم فثيب الثياب

                       وما لم يحمل ولم يقشب

كساهم بنان الصبا حلة

                      أعز من المخمل المذهب

وأبهى من الورد تحت الندى

                     إذا رف فى فريعه الأهدب  

وأظهر من ذبلها لم يلم

                      من الناس عاش ولم يسحب

قطيع يرجيه راع من الده

                   ر   ليس بلين ولا صلب

أهابت هراوته بالرفاق

           ونادت على الحيد الهرب

وصرف قطعانه فاستبد

               ولم يخش شيئا ولم يرهب

أراد لمن شاء رعى الجديب

                     وأنزل من شاء بالمخصب

وروى على ربها الناهلات

                 ورد الظماء فلم تشرب

وليس يبالى رضا المستريح

                 ولا ضجر الناقم المتعب

فيا ويحهم هل أحسوا الحياة

                    لقد لعبوا وهى لم تلعب

تجرب فيهم وما يعلمون

                  كتجربة الطب فى الأرنب

سقتهم بسم جرى فى الأصول

                        قروى الفروع فلم ينضب

ودار الزمان فدال الصبا

              وشب الصغار على المكتب

وجد الطلاب وكد الشباب

              وأوغل فى الصعب فالأصعب

وعادت نواعم أيامه

                سنين من الدأب المنصب

وعذب بالعلم طلابه

               وغصوا بمهله الأعذب

رمتهم به شهوات الحياة

                   وحب النباهة والمكسب

وزهو الابوة من منجب

                 يفاخر من ليس بالمنجب

وعقل تعبد مرامى الطماح

                   كبير اللبانة والمأرب

ولوع الرجاء بما لم تنل

                 غفول الأوالى ولم تطلب .

توئمهم فى ظلال الرخاء

                 وفى كنف النسب الأقرب

وتكسر فيهم غرور الثراء

                 وزهو الولادة والمنصب

بيوت منزهة كالعتيق

             وإن لم تستر ولم تحجب

يدانة نراها ثرى ( مكة )

                ويقرب فى الطهر من ( يثرب )

إذا ما رأيتهم عندها

              يموجون كالنحل عند الربى

رأيت الحضارة في حصنها

                 هناك وفى جندها الأغلب

و تفرضهم موكبا موكبا

               وتسأل عن علم الموكب

دع الحظ يطلع به فى غد

                  فإنك لم تدر من يجنى

لقد زين الأرض بالعبقرى

              تحلى السموات بالكوكب

وخدش ظفر الزمان الوجوه                          

                    وغيض من بشرها المعجب

وغال الحداثة شرخ الشباب

                   ولو شيت المرد فى الشيب

سرى الشيب متئدا فى الرءوس

                  سرى النار فى الموضع المغشب

حريق أحاط بخيط الحياة

                    تعجبت كيف عليهم غبى

ومن تظهر النار فى داره

                   وفى زرعه منهم يرعب

قد انصرفوا بعد علم الكتاب

                   لباب من العلم لم يكتب

حياة يغار فيها امرؤ

                    تسلح بالناب والمخلب

وسار إلى الفاقة ابن الغنى

                    ولا فى الغنى ولد المترب

وقد ذهب الممتلى صحة

                    وصح السقيم فلم يذهب

وكم منجب فى تلقى الدروس

                    تلقى الحياة فلم ينجب

وغاب الرفاق كأن لم يكن

                بهم لك عهد ولم تصحب

إلى أن فنوا ثلة ثلة

                   فناء السراب على السبب

اشترك في نشرتنا البريدية