كنت في الأحاديث السابقة أتحدث عن شاعر واحد راويا له مقطوعة أو أكثر في غرض واحد .
واليوم أريد أن أغير تلك الطريقة ، فأجعل الحديث عن غرض واحد ، راويا فيه لعدة شعراء ، لما في ذلك من بعث القرائح إلي المفاضلة بين ملكات هؤلاء ، الشعراء ، وتوجيه الأذهان إلي الموازنة بين تلك المقطوعات المتحدة غرضا ، المختلفة تفكيرا وأسلوبا ، إذ لا تتم المفاضلة على الوجه الأكمل إلا حين يتحد المتفاضلون في الغرض ويجتمعون على الغاية .
وفي الموازنة بين الشعراء ما يقوي ملكة النقد في نفس الأديب ، ويمرن ذهنه على التمييز بين المعاني والأساليب؛ ويرهف ذوقه ، ويقوي فيه ملاحظة الجمال ، والقدرة على الترجيح بين المتساويين - في أول النظر - على صاحبه . وقد رأيت أن أقصد اليوم بالدراسة والرواية إلي الشباب والمشيب ، وهو غرض أ كثر الشعراء في شعرهم من القصد إليه ، وتجلت في مقطعاتهم التي قبلت فيه عواطفهم الحزينة وإحساساتهم الأليمة
فمن تلك المقطوعات ما تحس في أبياتها الزفرات تتصعد من بين الضلوع ، وتكاد تلمس على ألفاظها وعباراتها قطرات الدموع ؛ وتراهم فيها يطلون من خلال الذكريات على ماض لا يعود ، وتعدو بهم الأماني وراء فائت لا يلحق ، ويعلقون انفسهم بأمل لا يتحقق ، ويضرعون إلي زمن لا يرحم ، ويحاولون جهدهم الخلاص من وثاق لا يحل .
ومنها ما هو زاخر بأمثالهم الرائعة ، وحكمتهم البالغة ، وتجربتهم الصادقة ، وعظتهم الرادعة .
ومنها ما تقرؤه فيروعك فيه دقة تصويرهم للحياة بحقيقتها وما يؤول إليه أمرها ، وقصاري المرح والسرور فيها ، وما يعتبر به المعتبر من تبدل أحوالها واختلاف غيرها، كل ذلك نجده في مقطعاتهم التي قالوها في هذا الغرض .
وأي جميل في هذه الحياة أحق بالبكاء على فقده من الشباب ؟ وهو أداة الإحساس بالجمال ، فلا جميل إلا ما جملة الشباب في عينك ، ولا حسن إلا ما دلك عليه ، ولا صبوة إلا ما قادك إليها ؛ روائح الجنة فيه ، وزهرة الحياة تنفح رياها من حواشيه ؛ وما ظنك بعارية تعارها فيذهلك جمالها عن أنها مردودة ، وينسيك الفرح بها أنها مسلوبة ؟
والشباب مطية ذلول إلي كل غرض ، يركضها المساجد لتحصيل ما يطلب من مجد ، واللاهي إلي ما يتوق إليه من لهو .
وإنما كان هذا الموضوع من أهم الموضوعات التى كان يقصد إليها قدماء الشعراء ، لاتصاله اتصالا طبعيا بالنسيب الذي هو من أهم أغراض الشعر ؛ فأكثر نسبهم مفتتح بحديث الشباب والمشيب أو مختتم به .
يذكر كل شاعر منهم سخرية الغواني من شيبه ، وإعراضهن عنه ، وزهدهن في مودته ، وقطع حبالهن من حبله ، وما إلي ذلك ؛ ثم يجتهد في تفضيل الشيب علي الشباب بحجج واهية ، لا تنال من قلوب الغواني ، إلا كما تنال العمال من صم الحجارة ؛ والذي يؤخذ على أكثر هؤلاء الشعراء أنهم حين يذكرون الشباب لا يجدون له من الفضائل إلا أنه مطية ذلول يركضونها في ميادين اللهو والمرح ، ووسيلة إلى لذات حسية ومتع جسمية ، لا مصلحة فيها لفرد ولا جماعة .
ولم نر شاعرا منهم إلا القليل جدا قد ذكر الشباب بأنه مطية إلي المجد ، وأقوي معين على معالي الأمور .
وتلك عدة مقطوعات من روائع ما قيل في هذا الغرض جامعة لكل ما ذكرته في هذا الحديث من المعاني ؛ ولم اقتصر في اختيارها على عصر واحد من عصور الشعر ، بل جمعت فيها بين مختلف العصور :
١ - ابن الرومي حين بلغ الخمسين
حرمت في سني وفي مبعثي
قرأي من دنها تضيفتها (١)
لهفي علي الدنيا ، وهل لهفة
تنصف منها إن تلهفتها ؟
كم أهة لي قد تأوهتها
فيها و كم أف تأففتها
فكرت في خمسين عاما خلت
كانت أمامى ثم خلفتها (٢)
اجهلتها إذ هى موفورة
ثم نضت عني فعرفتها
لو أن عمري مائة هدني
تذكري أنى نصفتها
كنز حياة كنت أنفقته
على تصاريف تصرفتها
لست تراني بعده آسفا
علي العطايا ، عفتها عفتها
٢ - يحي بن زياد
ولما رأيت الشيب لاح بياضه
بمفرق رأسي قلت للشيب : مرحبا
ولو خفت أنى إن كففت تحيتى
تنسكب عني رمت أن يفتكيا
ولكن إذا ما حل كره فاتحت
به النفس يوما كان للكره أذهبا
٣ - آخر
ألا طرقتنا آخر الليل زينب
عليك سلام ، هل لما فات مطلب ؟
يقولون : هل بعد الثلاثين ملعب ؟
فقلت : وهل قبل الثلاثين ملعب ؟
لقد جل خطب ألشيب إن كان كلما
بدت شيبة يعري من اللهو مركب
٤ - لبيد بن ربيعة وكان من المعمرين
أليس ورائى إن تراخت منيتي
لزوم القصا تحني عليها الأصابع ؟
أخبر أخبار القرون التي مضت
أنوا (١) كأني كلما قمت راكع
٥ - وأنشد الفراء
حنتني حانيات الدهر حتى
كأنى حايل يدنو لصيد
قصير الخطر يحسب من رآنى
- ولست مفيدا - أتى بفيد
٦ - التيمي
إذا كانت السبعون سنك لم يكن
لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن أمرأ قد عاش سبعين حجة
إلى منهل من ورده لقريب
إذا ما مضي القرن الذي أنت فيهم
وخلفت في قرن فأنت غريب
٧ - محمد بن حازم
لا تكذبين فما الدنيا بأجمها
من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب ذنبا عند غانية
وبالشباب شفيعا أيها الرجل
٨ - ومما ينسب لأبي الغصن الأسدي
وأجود هذين البيتين ثانيهما
تأمل رجعة الدنيا سفاها
وقد صار الشباب إلي الذهاب ؟
فليت الباكيات بكل أرض
جمعن لنا فنحن على الشباب
