تقرأ حديثى اليوم فتحس فيه حدة وتباعدا بينه وبين ما قبله من أحاديثى السابقة ، إذ لا صلة بينه وبين ما قبله إلا صلة عامة ، هى تعلقه بالشعر كغيره من تلك الأحاديث ؛ غير أن هذا التعلق إنما هو من ناحية أخرى من أهم نواحيه غير الناحية التى عودت قراء ( الثقافة ) محادثتهم فيها .
وفى تنويع الأحاديث واستطراف البحوث والتنقل بين شتى الأغراض وشجون الحديث ما ينفى الملل عن نفس القارئ ويغريه بالقراءة .
وحديثى اليوم هو بتاريخ التطور الأدنى ومراتب التفكير العربى أشبه منه بتلك البحوث الأدبية البحثة التى يتحدث فيها عن الشعراء والكتاب ومميزاتهم الفنية ، واتجاه كل منهم فى شعره أو نثره ، وتحديد منزلته بين نظراته ، وما يؤاخذ به من مؤاخذات فنية ، وما إلى ذلك من الأغراض .
وبحثنا اليوم هو فى أولية بعض أغراض الشعر ونشأته ، ثم ترقيه فى مختلف العصور والبيئات ، وما أضافه الخلف إلى ما بداء السلف منه ، والأسباب المؤثرة فى ترقى تلك الأغراض والزيادة عليها حتى بلغت الذروة فى بعض عصور الشعر ، ثم بدأت فى الانحلال والضعف شيئا فشيئا حتى ماتت من الشعر العربى ولم يعد لها أثر إلا فى شعر القدما ، وقليل جدا لا يكاد يذكر فى شعر المعاصرين .
ومن هذه الأغراض ما تراه شائعا فى شعر الجاهليين والإسلاميين ومن نهج نهجهم ، من بكاء الديار الدارسة ،
والتحدث إلى رسومها البالية ، ومساءلة مغانيها المقفرة عن أهلها متى رحلوا وأين رحلوا ، والدعاء لها ولهم بسقيا المطر ، وأن يعود لها بعودتهم ما فقدته من زمان مضى ، وما إلى ذلك من الأغراض .
وجمال هذه المعانى إنما هو فى تلك العاطفة القوية الحارة التى قد ملأت قلب الشاعر وضاقت بها نفسه وضعف عنها احتماله ، فأفاضها على ما حوله وأسبغها على ما يشاهده من آثار الديار والدمن ، متخيلا أن لها ماله من قلب وكبد ، فهى تحس ما يحس وتجد ما يجد .
وقد جرى القدماء على افتتاح قصائدهم بهذه المعانى وتقديمها على الغرض المقصود ، تحريكا للفرائح الرا كدة ، وإيقاظا المشاعرية الراقدة ، وتنبيها للعواطف واقتيادا لها .
ولما كانت هذه المعانى معروفة لديهم ، معبدة طرفها لهم ، كانت تجرية قرائحهم فيها أيسر ، وتنشيط شاعريتهم فى ميدانها أسهل ، كما يجرب الجواد بإجرائه شوطا قبل الانتظام فى الحلبة ، وكما ترى أرباب الموسيقى إذا قصدوا إيقاع إحدى النغمات ، أوقعوا على الآوتار ما يقاربها من النبرات ، حتى يسهل الخروج منها إلى النغمة المقصودة.
وكذلك لما كان الجاهليون أهل حل وترحال ، وطبيعة حياتهم تقضى عليهم بالتنقل فى مختلف المنازل والأحياء ، طلبا للنجمة وارتيادا للخصب ، كان أهم أغراض التسيب فى شعرهم الحديث عن نأى الأحباب وتفرقهم وانقطاع الأسباب بهم والتغنى بمنازلهم المهجورة والوقوف بآثارهم الموحشة .
وإذا تتبعث الشعر الجاهلى رأيت شعراءه لم يزيدوا فى هذا الغرض على معانيه الأولية البسيطة ، وهى الحقائق الأصلية المجردة التى تقع فى الفكر أول خاطر ، ولم تنصرف فيها الملكة الفنية ولم تتناولها بأناملها الرقيقة الصناع ، ولم تضيف إليها قليلا ولا كثيرا من سحر الفن وفتنته ؛ ولم تمزج تلك الحقائق - إلا فى القليل النادر - بخيال مستعذب ، أو تعليل مستحسن ، أو تشبيه رقيق ، أو مجاز غريب ، أو تصوير فاتن ، أو ترتيب فنى رائع ؛ أو غير ذلك من الأمور التى تراها فى شعر العباسيين حين يتحدثون فى هذا الباب .
بل تراهم يصفون الدمن كما يرونها ، ورسوم الأطلال كما يشاهدونها ، وخلو الديار وإقفارها كما هو واقع ، وفعل الرياح والأمطار بها كما هو حاضر لديهم ، والنؤى والأحجار وبقايا الخيام كما هو مائل أمامهم .
وكلهم قد أطبقوا على تشبيه رسوم الديار بالخط فى الصحيفة والوشم فى ظاهر اليد ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون .
وحسبك أن تقرأ أوائل قصائد امرئ القيس وزهير ولبيد والحارث بن حلزة والنابغة الذبيانى وعبيد بن الأبرص وهى معلقاتهم المعروفة ، ونحو هذا العدد من قصائد جاهلية أخرى ، حتى يتبين لك أنك قد قرأت أكثره وأحطت بجل أغراضه ؛ إذ كانت معانى هذا الباب واحدة فى جميع قصائدهم ، لا تتغير فى قصيدة منها إلا بالأساليب والعبارات ، وبذلك وحده يقع التفاضل بين هؤلاء الشعراء عند علماء الشعر .
وانتقل بنا بعد ذلك إلى من جاء بعدهم من الشعراء الإسلاميين والأمويين وأوائل الدولة العباسية إلى نهاية القرن الثانى ، فإنك تراهم قد تهجوا نهج الجاهليين ودرجوا على سبيلهم فى هذا الباب ، فلم يزيدوا فى صفة الأطلال والمغانى على ما خلف الجاهليون من الأغراض والمعانى .
بل قلدوهم تقليدا دقيقا حتى فى أسماء الامكنة التى كان يفتتح بها الجاهليون قصائدهم ، حين يذكرون منازل الأحباب التى رحلوا منها والتى رحلوا إليها ومروا فى طريقهم بها ، وقد دعاهم إلى هذا التقليد تقديس الشعر الجاهلى ، إذ كان أصل اللغة ومصدرها ، والينبوع الذى تستفى منه ألفاظ العرب وأساليبهم ، وكيفية استعمالهم لألفاظهم وعباراتهم ، ووضع كل لفظ موضعه ؛ وجرهم تقديس ذلك الشعر فى لغته إلى تقديسه فى أفكاره ومعانيه ، فإن التقديس وضده لا يتجزأن عند بسطاء العقول وذوى الثقافة الضيقة المحدودة الذين لم يعودوا أذهانهم الالتفات إلى الفروق الدقيقة بين الأشياء ، والمغايرة بين جهات الشئ الواحد كهؤلاء الشعراء ؛ وقد أوضح تلك النظرية العلامة الأستاذ أحمد أمين فى بحث كتبه فى مجلة " الثقافة " فى الأدب التركيبى والتحليلى ، وأبان فيه كيف أن هؤلاء ينظرون إلى الأشياء نظرا عاما ويحكمون عليها حكما عاما بدون تفرقة بينها .
ولم يتطور هذا الباب فى ذلك العصر تطورا يذكر إلا بسهولة الألفاظ وعذوبتها وشئ يسير من لين العبارة وسلاستها ، والتباعد بعض الشئ من غريب الألفاظ وحوشى الكلام ؛ هذا إذا استثنينا جماعة الرجاز الذين اشتهروا بغريب اللغة ، كرؤية بن العجاج وأبيه ، فإن هذين الراجزين قد غلوا فى استعمال غير المألوف وأسرفا فيه إسرافا جعل بعض علماء الشعر بتهمهما بأنهما ياتيان بهذا الغريب من عندهما لا من لغة العرب .
وثم تطور آخر لهذا الباب فى الشعر الإسلامى ، وهو التقليل - ما أمكن - من أسماء الأمكنة فى مفتتحات القصائد ، فقد كان الشاعر الجاهلى يغلو فى الإكثار منها ، ويسرف كل الااسراف فى تحديد مواقعها حتى ينتظم ذلك عدة أبيات من القصيدة ، فتحس فى شعره أنك تقرأ أحد المتون الجافة المنظومة فى الجغرافيا ، ولا تكاد تشعر فيه
بجمال ولا روعة ، ولا عاطفة تصل وبين قلب الشاعر وقلبك ، فتؤثر الانصراف عنه ، إلا إذا كنت تقصد بقراءة هذا الشعر إلى البحث اللغوى ، دون الامتاع الأدبى . ومن أمثلة ذلك قول الحارث بن حلزة في أول معلقته :
آذنتنا ببينها أسماء
رب ثاو يمل منه الثواء
بعد عهد لنا ( ببرقة شما
،) فأذنى ديارها ( الخلصاء )
(فالمحتياة ) ( فالصفاح ) ( فأعلى
ذى فتاق ) ( فغاذب ) ( فالوفاء )
( فرياض القطا ) (فأؤدية الشر
بب ) ( فالشعبتان ) ( فالأبلاء )
وقول عبيد بن الأبرص ىي أول معلقته أيضا :
أقفر من أهله ( ملحوب )
( فالقطبيات ) ( فالذنوب )
( فراكس ) ( فثعالبات )
( فذات فرقين ) ( فالقليب )
( فعردة ) ( فقفا حبر )
ليس بها منهم عريب
وكل هذه أسماء مواضع فى بلاد العرب ، أحد عشر فى أبيات الحارث ، وتسعة فى أبيات عبيد ؛ وهذا كثير جدا فى الشعر الجاهلى ، ولا تجده فى الشعر الإسلامى إلا فى القليل النادر الذى لا يكاد يذكر ، وذلك لأنهم سكنوا الحواضر التى افتتحها المسلمون ، فقلت معرفتهم بتلك المواضع وحديثهم عنها
هذان طوران من ثلاثة أطوار تنقل فيها هذا الباب ؛ ثم نفذت إليه بعدها عوامل الانحلال
والضعف حتى تلاشى من الشعر العربى ومات موتا طبيعيا إلا فى القليل النادر الذلا لا يكاد يعتد به مؤرخ الأدب .
وقد أجملت القول فى طوربه الأولين ، وأوضحت مميزات كل منهما ، ومظاهر التطور فيه .
أما الطور الثالث ، وهو الذي ارتقى فيه هذا الباب إلى أعلى ذروة الفن وبلغ فيه مدى كماله ، فإنى سأتحدث إليك عنه فى المقال الآتى ، مبينا وجوه الرقى الفنى فيه ، والعوامل المؤثرة فى ذلك إلى أن بلغ هذه الغاية ، ثم أروى لك من عيون هذا الغرض وروائعه ما يخلب اللب بسحره . ولم أرد أن أروى شيئا منه مما قيل فى تلك العصور الأولى التى سبق الحديث عنها ، لانى أقصد بما أرويه إلى تربية الذوق الأدبى وإرهاف الإحساس الفنى ، دون تنمية الثروة اللغوية ، وتكثير المحصول اللفظى .

