الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40الرجوع إلى "الثقافة"

من أحسن ما يروى فى بكاء المنازل، نشأة هذا الغرض وترقيه فى الشعر

Share

تقرأ حديثى اليوم فتحس فيه حدة وتباعدا بينه وبين ما قبله من أحاديثى السابقة ، إذ لا صلة بينه وبين ما قبله إلا صلة عامة ، هى تعلقه بالشعر كغيره من تلك الأحاديث ؛ غير أن هذا التعلق إنما هو من ناحية أخرى من أهم نواحيه غير الناحية التى عودت قراء ( الثقافة ) محادثتهم فيها .

وفى تنويع الأحاديث واستطراف البحوث والتنقل بين شتى الأغراض وشجون الحديث ما ينفى الملل عن نفس القارئ ويغريه بالقراءة .

وحديثى اليوم هو بتاريخ التطور الأدنى ومراتب التفكير العربى أشبه منه بتلك البحوث الأدبية البحثة التى يتحدث فيها عن الشعراء والكتاب ومميزاتهم الفنية ، واتجاه كل منهم فى شعره أو نثره ، وتحديد منزلته بين نظراته ، وما يؤاخذ به من مؤاخذات فنية ، وما إلى ذلك من الأغراض .

وبحثنا اليوم هو فى أولية بعض أغراض الشعر ونشأته ، ثم ترقيه فى مختلف العصور والبيئات ، وما أضافه الخلف إلى ما بداء السلف منه ، والأسباب المؤثرة فى ترقى تلك الأغراض والزيادة عليها حتى بلغت الذروة فى بعض عصور الشعر ، ثم بدأت فى الانحلال والضعف شيئا فشيئا حتى ماتت من الشعر العربى ولم يعد لها أثر إلا فى شعر القدما ، وقليل جدا لا يكاد يذكر فى شعر المعاصرين .

ومن هذه الأغراض ما تراه شائعا فى شعر الجاهليين والإسلاميين ومن نهج نهجهم ، من بكاء الديار الدارسة ،

والتحدث إلى رسومها البالية ، ومساءلة مغانيها المقفرة عن أهلها متى رحلوا وأين رحلوا ، والدعاء لها ولهم بسقيا المطر ، وأن يعود لها بعودتهم ما فقدته من زمان مضى ، وما إلى ذلك من الأغراض .

وجمال هذه المعانى إنما هو فى تلك العاطفة القوية الحارة التى قد ملأت قلب الشاعر وضاقت بها نفسه وضعف عنها احتماله ، فأفاضها على ما حوله وأسبغها على ما يشاهده من آثار الديار والدمن ، متخيلا أن لها ماله من قلب وكبد ، فهى تحس ما يحس وتجد ما يجد .

وقد جرى القدماء على افتتاح قصائدهم بهذه المعانى وتقديمها على الغرض المقصود ، تحريكا للفرائح الرا كدة ، وإيقاظا المشاعرية الراقدة ، وتنبيها للعواطف واقتيادا لها .

ولما كانت هذه المعانى معروفة لديهم ، معبدة طرفها لهم ، كانت تجرية قرائحهم فيها أيسر ، وتنشيط شاعريتهم فى ميدانها أسهل ، كما يجرب الجواد بإجرائه شوطا قبل الانتظام فى الحلبة ، وكما ترى أرباب الموسيقى إذا قصدوا إيقاع إحدى النغمات ، أوقعوا على الآوتار ما يقاربها من النبرات ، حتى يسهل الخروج منها إلى النغمة المقصودة.

وكذلك لما كان الجاهليون أهل حل وترحال ، وطبيعة حياتهم تقضى عليهم بالتنقل فى مختلف المنازل والأحياء ، طلبا للنجمة وارتيادا للخصب ، كان أهم أغراض التسيب فى شعرهم الحديث عن نأى الأحباب وتفرقهم وانقطاع الأسباب بهم والتغنى بمنازلهم المهجورة والوقوف بآثارهم الموحشة .

وإذا تتبعث الشعر الجاهلى رأيت شعراءه لم يزيدوا فى هذا الغرض على معانيه الأولية البسيطة ، وهى الحقائق الأصلية المجردة التى تقع فى الفكر أول خاطر ، ولم تنصرف فيها الملكة الفنية ولم تتناولها بأناملها الرقيقة الصناع ، ولم تضيف إليها قليلا ولا كثيرا من سحر الفن وفتنته ؛ ولم تمزج تلك الحقائق - إلا فى القليل النادر - بخيال مستعذب ، أو تعليل مستحسن ، أو تشبيه رقيق ، أو مجاز غريب ، أو تصوير فاتن ، أو ترتيب فنى رائع ؛ أو غير ذلك من الأمور التى تراها فى شعر العباسيين حين يتحدثون فى هذا الباب .

بل تراهم يصفون الدمن كما يرونها ، ورسوم الأطلال كما يشاهدونها ، وخلو الديار وإقفارها كما هو واقع ، وفعل الرياح والأمطار بها كما هو حاضر لديهم ، والنؤى والأحجار وبقايا الخيام كما هو مائل أمامهم .

وكلهم قد أطبقوا على تشبيه رسوم الديار بالخط فى الصحيفة والوشم فى ظاهر اليد ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون .

وحسبك أن تقرأ أوائل قصائد امرئ القيس وزهير ولبيد والحارث بن حلزة والنابغة الذبيانى وعبيد بن الأبرص وهى معلقاتهم المعروفة ، ونحو هذا العدد من قصائد جاهلية أخرى ، حتى يتبين لك أنك قد قرأت أكثره وأحطت بجل أغراضه ؛ إذ كانت معانى هذا الباب واحدة فى جميع قصائدهم ، لا تتغير فى قصيدة منها إلا بالأساليب والعبارات ، وبذلك وحده يقع التفاضل بين هؤلاء الشعراء عند علماء الشعر .

وانتقل بنا بعد ذلك إلى من جاء بعدهم من الشعراء الإسلاميين والأمويين وأوائل الدولة العباسية إلى نهاية القرن الثانى ، فإنك تراهم قد تهجوا نهج الجاهليين ودرجوا على سبيلهم فى هذا الباب ، فلم يزيدوا فى صفة الأطلال والمغانى على ما خلف الجاهليون من الأغراض والمعانى .

بل قلدوهم تقليدا دقيقا حتى فى أسماء الامكنة التى كان يفتتح بها الجاهليون قصائدهم ، حين يذكرون منازل الأحباب التى رحلوا منها والتى رحلوا إليها ومروا فى طريقهم بها ، وقد دعاهم إلى هذا التقليد تقديس الشعر الجاهلى ، إذ كان أصل اللغة ومصدرها ، والينبوع الذى تستفى منه ألفاظ العرب وأساليبهم ، وكيفية استعمالهم لألفاظهم وعباراتهم ، ووضع كل لفظ موضعه ؛ وجرهم تقديس ذلك الشعر فى لغته إلى تقديسه فى أفكاره ومعانيه ، فإن التقديس وضده لا يتجزأن عند بسطاء العقول وذوى الثقافة الضيقة المحدودة الذين لم يعودوا أذهانهم الالتفات إلى الفروق الدقيقة بين الأشياء ، والمغايرة بين جهات الشئ الواحد كهؤلاء الشعراء ؛ وقد أوضح تلك النظرية العلامة الأستاذ أحمد أمين فى بحث كتبه فى مجلة " الثقافة " فى الأدب التركيبى والتحليلى ، وأبان فيه كيف أن هؤلاء ينظرون إلى الأشياء نظرا عاما ويحكمون عليها حكما عاما بدون تفرقة بينها .

ولم يتطور هذا الباب فى ذلك العصر تطورا يذكر إلا بسهولة الألفاظ وعذوبتها وشئ يسير من لين العبارة وسلاستها ، والتباعد بعض الشئ من غريب الألفاظ وحوشى الكلام ؛ هذا إذا استثنينا جماعة الرجاز الذين اشتهروا بغريب اللغة ، كرؤية بن العجاج وأبيه ، فإن هذين الراجزين قد غلوا فى استعمال غير المألوف وأسرفا فيه إسرافا جعل بعض علماء الشعر بتهمهما بأنهما ياتيان بهذا الغريب من عندهما لا من لغة العرب .

وثم تطور آخر لهذا الباب فى الشعر الإسلامى ، وهو التقليل - ما أمكن - من أسماء الأمكنة فى مفتتحات القصائد ، فقد كان الشاعر الجاهلى يغلو فى الإكثار منها ، ويسرف كل الااسراف فى تحديد مواقعها حتى ينتظم ذلك عدة أبيات من القصيدة ، فتحس فى شعره أنك تقرأ أحد المتون الجافة المنظومة فى الجغرافيا ، ولا تكاد تشعر فيه

بجمال ولا روعة ، ولا عاطفة تصل وبين قلب الشاعر وقلبك ، فتؤثر الانصراف عنه ، إلا إذا كنت تقصد بقراءة هذا الشعر إلى البحث اللغوى ، دون الامتاع الأدبى . ومن أمثلة ذلك قول الحارث بن حلزة في أول معلقته :

آذنتنا ببينها أسماء

                 رب ثاو يمل منه الثواء

بعد عهد لنا ( ببرقة  شما

                       ،) فأذنى ديارها ( الخلصاء )

(فالمحتياة ) ( فالصفاح ) ( فأعلى

                            ذى فتاق ) ( فغاذب ) ( فالوفاء )

( فرياض القطا )  (فأؤدية الشر

                     بب ) ( فالشعبتان ) ( فالأبلاء )

وقول عبيد بن الأبرص ىي أول معلقته أيضا :

أقفر من أهله ( ملحوب )

                      ( فالقطبيات ) ( فالذنوب )

( فراكس ) ( فثعالبات )

                        ( فذات فرقين ) ( فالقليب )

( فعردة )  ( فقفا حبر )

                 ليس بها منهم عريب

وكل هذه أسماء مواضع فى بلاد العرب ، أحد عشر فى أبيات الحارث ، وتسعة فى أبيات عبيد ؛ وهذا كثير جدا فى الشعر الجاهلى ، ولا تجده فى الشعر الإسلامى إلا فى القليل النادر الذى لا يكاد يذكر ، وذلك لأنهم سكنوا الحواضر التى افتتحها المسلمون ، فقلت معرفتهم بتلك المواضع وحديثهم عنها

هذان طوران من ثلاثة أطوار تنقل فيها هذا الباب ؛ ثم نفذت إليه بعدها عوامل الانحلال

والضعف حتى تلاشى من الشعر العربى ومات موتا طبيعيا إلا فى القليل النادر الذلا لا يكاد يعتد به مؤرخ الأدب .

وقد أجملت القول فى طوربه الأولين ، وأوضحت مميزات كل منهما ، ومظاهر التطور فيه .

أما الطور الثالث ، وهو الذي ارتقى فيه هذا الباب إلى أعلى ذروة الفن وبلغ فيه مدى كماله ، فإنى سأتحدث إليك عنه فى المقال الآتى ، مبينا وجوه الرقى الفنى فيه ، والعوامل المؤثرة فى ذلك إلى أن بلغ هذه الغاية ، ثم أروى لك من عيون هذا الغرض وروائعه ما يخلب اللب بسحره . ولم أرد أن أروى شيئا منه مما قيل فى تلك العصور الأولى التى سبق الحديث عنها ، لانى أقصد بما أرويه إلى تربية الذوق الأدبى وإرهاف الإحساس الفنى ، دون تنمية الثروة اللغوية ، وتكثير المحصول اللفظى .

اشترك في نشرتنا البريدية