وعلى ذكر الشيخ الأنبابي روى لنا الصديق موقفا من مواقفه التي يعتز بها الخلق ويكرم فيها الدين؛ وخلاصته أن اللورد كورمر رغب في أن يزور شيخ الأزهر، وكان الشيخ الأنبابي قد جعل إدارة الأزهر في داره بحي الظاهر، فلما كلموه في أمر تلك الزيارة أنكر أن يكون للورد معه شأن، ولما قبل أن يزوره وسئل كيف يستقبله أبى أن يلقاه على باب الدار، وصمم أن يسلم عليه وهو قاعد. فقالوا له إنه كبير الإنجليز وقد يجد في هذا اللقاء إهانة له ولقومه، وخير من ذلك أن نجلسه في غرفة ثم يدخل الشيخ عليه فيقف هو وينتهي الأمر. فقال: هذه حيلة وأنا اكره الالتواء والتحليل، وسألقاه على الوجه الذي أختاره فدعوني وإياه.
وأقبل اللورد كورمر في جبروته وسلطانه فاستقبلوه استقبال الملوك؛ ودخل على الشيخ في البهو وفي يديه قبعته فلم يهتز الشيخ ولم يقف. إنما رد التحية وصافح اللورد وهو قاعد، ثم قال لكبير من كبار المصريين كان حاضر الزيارة: قل للورد إني أحترمه، ولكني سلمت عليه قاعداً لأن ديني ينهاني أن أقوم له. فانحنى اللورد وأثنى وشكره، ثم قال بعد ذلك لمن معه: هذا أول شيخ رأيته في مصر يكرم نفسه ويحترم دينه!

