الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 306 الرجوع إلى "الثقافة"

من أدب أناتول فرانس :، " بلزاك "، أو شيطان الفن

Share

بينما كنت )  ( في أحد الأيام أنقب عن كتب قديمة في دار من دور الكتب الكثيرة التي يغص بها الحي اللاتيني ، رايت في ركن من اركانها رجلا قد ارسل شعره ، وهو لا يزال يتمتع ببقية من شباب ، كان يتصفح أحد الكتب ، وكانت نظرته وابتسامته ، والتجاعيد الساكنة في جبهته ، والتفاتاته الصريحة ، كان كل ذلك يتكلم منه قبل ان يجد هو من يجاذيبه أطراف الحديث

ولم اكن في حاجة لموهبة خارقة كى أحكم عليه أنه شخص ثرثار ، شعرت بأنه يجب على ان اهرب او اصبح ضحيته ، ولكني مع ذلك آثرت البقاء . لقد كان ) سوفوكل ( على حق حين قال : " لا يستطيع الإنسان ان يتفادي ما كتب له في لوح القدر " . فهذه الكلمة الحكيمة قد تحققت في حياتي مرات عدة .

أخذ الرجل يمشي بثبات ووقف غير بعيد عني ، وكانت في يده نسخة قديمة من الكتاب المقدس ، وقال وهو يشير بأصبعه إلي سفر الخروج ) ٢ ( : اقرأ . . إنه القانون المقدس . . قانون الرب .

فقرأت العبارة الآتية : " إنك لن تصنع مطلقا صورا منحوتة ) ٣ ( " ثم قال ثانية : إن الإنسانية في الحضيض لمخالفتها هذا الأمر . علمت أنني في حضرة رجل معتوه ، ولكن ذلك لم يكدرني ، فإن هذه الطائفة تدخل على قلوبنا في بعض

الأحايين - السرور والتسلية

قلت معارضا : المعذرة . . ولكني فنان متيم بكل جميل من الصور ) ١ ( ! فقال : وأنا كذلك أحب الصور لدرجة الجنون ، ولقد قاسيت منها ألف موتة وموتة

ألم تسمع بالقصة الواقعية لذلك الرجل الذي أفقدته " غزليات ليونارد " عقله فألقى بنفسه في احضان السين ألا تتذكر ما قاله " لوسيان دي ساموسات " عن ذلك الإغريقي الشاب الذي احالت " فينوس " ربة الجمال حبه إلي نوع من الفجور المشئوم ؟ . . ألا تعلم ان الناس تحج لزيارة تمثال هرمافروديت المرمرى القائم في اللوفر ، حتى اضطرت إدارة المتحف - لحمايته من التلف - أن تخفيه عن أعينهم ؟

وعلي ذلك يمكن القول - بوجه عام - إن اللوحات والتماثيل تعكر شعور الشخص وتضلل روحه ، وتلهمه الكراهة والبغض والخوف من الحقيقة ، وإنها قد زادت شقاء البشر ففقدوا بذلك سعادتهم التى كانوا ينعمون بها في حالتهم البدائية الأولى . ولكني عارضته - بجبن قائلا : ليس للنحت والتصوير إلا اثر ضئيل في تحريك    الشهوات ؛ فالفن  على النقيض من ذلك يجلب لمحبيه ملكة ذوق الرفاهية الهادئة الساكنة .

أقفل محدثي الكتاب المقدس القديم وقال : إن الصور المثالية هي التي تلهم ادباء القصة والشعراء . إنها تكون لهم أسلوب أبطالهم ، وترسم لهم شخصياتهم . وإن هؤلاء الأبطال ليعيشون عيشة إيجابية ونحن لا نغالي إذا قلنا ان مبدعي هذه الشخصيات من المؤلفين يلقونهم جيلنا فكأنهم القوا بالشياطين لغوايتنا وهلا كنا . وكيف السبيل إلى الهرب منهم وهم يسكنون في دخيلتنا ويملكون زمامنا . لقد أخرج " جوت " " فرتر " للعالم فتزايدت جرائم الانتحار . . إن كل

الشعراء وكل أصحاب القصص من غير استثناء - قد عكروا صفو السلام في الأرض . إن الجرائم على اختلاف انواعها قد تزايدت منذ ان ظهرت إلياذة هوميروس ، وجرمينال زولا ) ١ ( وإن اكثر هؤلاء براءة - كديكنز ١ - ليس في الواقع إلا من كبار المذنبين ،

فانهم يحولون عواطفنا النبيلة من حنان ورأفة ورحمة لاشخاصهم الخيالية ، بدل ان تسلك هذه العواطف طريقها الطبيعي نحو إخواننا في البشرية . إن بعض ادباء القصص يخلقون بقصصهم الفجور ، وبعضهم الخلاعة والمجون ، وفئة ثالثة منهم . . القتل ! ولكن اكثرهم وحشية هو شيطان الفن . . بلزاك لقد خلق عالما جهنميا نحققه بأنفسنا اليوم ، فتصميماته هذه قد ادخلت في نفوسنا الغيرة ، والشراهة ، والقوة الغشوم . . إن بلزاك هو أمير الشر ، وإن مملكته قد آن آوانها .

سكت محدثي ليسترد أنفاسه ، فقلت : إن ما تقوله يا سيدي لا يخلو من بعض الحق  ! ولكن عنصر الشر موجود فينا وجد الفنان أم لم يوجد . فمثلا آتيلا وجنكيز خان لم يعرفا شيئا عن الياذة هو ميروس . ولكنهما مع ذلك شنا الحروب ، وأحدثا من الدمار والخراب ما لم يحدثه الإسكندر  الأكبر . كذلك الفلاح يقتل صديقه القديم وهو لم يقرأ شيئا في الأدب ، وكذلك التنافس بين البشر قديم وجد قبل بلزاك إن الفنون تلهمك الكثير من الحقد والكراهة والبغض ، لذلك اخشي يا سيدي ان تكون من المتزمتين

كلا يا سيدي ! اننى مثال وشاعر واديب قصصي . فلما ذهب قال لي صاحب المكتبة : إنه رجل جم المواهب ، ولكنه شقي ، فقد أفقده بلزاك عقله كانت ذكري هذه المحادثة تعودني كلما قرأت في

" الملهاة الإنسانية نعم لقد أبدع بلزاك عالما خياليا وخلق له أشخاصا ليسكنوه .

لننتقل الآن إلى عالم بلزاك الخيالي ونعيش فيه برحمة تخالط فيها شخصياته ، ونضطرب معهم فيما يضطربون فيه .

تزيد ) ١ ( شخصيات بلزاك في ملهاته على الألفين وهذه الحقيقة تدلنا على المقدرة الغريبة التى يتمتع بها ذلك الأديب قدرة الخلق والابتداع . هو مؤرخ ناقد المجتمع في عصره ؛ فقد رفع عنه استار الغموض ، وكشف لنا عن الحقائق الخافية التي أغفلها التاريخ . لقد امتاز بلزاك عن غيره من الأدباء بما يمكن ان نسميه " غريزة تفهم الحياة فقصصه الكثيرة بالرغم من انها لا تقصد إلي التاريخ - تعيننا بطريقة سهلة ناجحة على تفهمه . هذه القصص لاتتكلم عن شخصيات تاريخية ،

فإن الأديب المبرز في ميدان القصة . . الأديب الملهم الموهوب ، لا ينتقي ابطاله من شخصيات التاريخ المعروفة ،

بل يختارهم من غمار العامة . من هذه الطائفة التي أهانها التاريخ فأهملها . هذه الطائفة لا شئ ، ولكنها في الوقت نفسه هي العالم كله . من هذه الناحية تستطيع قصيدة الشاعر أو قصة الأديب ان تظهر لنا الشعب كله جملة . .

ذلك الشعب المختفي وراء اشخاص التاريخ وأبطاله . ومع ذلك فإن بلزاك لم يخرج رجال التاريخ من دائرة قصصه . بل نراه قد اسند إليهم إدوار يقومون بها ولكنها خيالية ! ولذلك نجد ان نابليون ، وهو من الشخصيات التاريخية البارزة ، لم يظهر في الملهاة إلاست مرات وفي ظروف ثانوية هذا هو العالم الخيالي الذي ابتدعه " أوتوريه دي بلزاك " شيطان الفن

عن الفرنسية بتصرف

اشترك في نشرتنا البريدية