كتب الأستاذ محمد عبد الغنى حسن فى مجلة ( الثقافة ) الزاهرة ، مقالتين عن ( رسائل الآباء إلى الأبناء ) . ( عدد : ٦٣٧ و ٦٣٩ ) بمناسبة جمع ( رسائل ) العلامة الدكتور أحمد أمين بك إلى ( ولده ) فى كتاب مستقل ، بعد أن كان قراء العربية يقرءنها منثورة فى كل شهر من مجلة ( الهلال ) الغراء ؛ وقد قال الأستاذ عبد الغنى عن كتاب ( إلى ولدى ) وعن كتاب ( من والد إلى ولده ) للمؤرخ الصحافى المرحوم أحمد حافظ عوض بك : إن الكتابين ( فى اللغة العربية لا ثالث لهما ) ، والذى أعلمه أن هناك كتاباً ثالثاً فى هذا الموضوع كتبه الأديب الفلسطينى الأستاذ خليل السكاكينى ، عضو مجمع ( فؤاد الأول ) اللغوى ومن كبار المربين العرب ؛ كتبه إلى ولده ( سرى ) عندما كان يطلب العلم فى الجامعة الأمريكية ببيروت ، والكتاب مطبوع وهو مصدر بأبيات رقيقة لصديق الأستاذ السكاكينى الشاعر العراقى الكبير المرحوم ( معروف الرصافى ) . . وكتاب الأستاذ السكاكينى لا يعنينى فى كلمتى هذه ، خصوصاً وأنى لا أحوزه تحت يدى ، الساعة ؛ ولكن الذى يعنينى رسائل أدبية طريفة ، هى من أدب الآباء إلي الأبناء ، كتبها عالم العراق وأديبه الفذ ( السيد محمود أبو الثناء الأنوسى ) الذى عاش فى منتصف القرن التاسع عشر ( ١٨٠٢-١٨٥٤ ) والذى غذى الحياة العلمية والأدبية ببغداد وسائر أرجاء القطر العراقى ، غذاء لا تزال آثاره بادية حتى اليوم ، والذى يكفيك من جلال علمه ، وعلو مكانته ، أن تفسيره للقرآن الكريم ( روح المعانى ) طبع فى مصر طبعتين ، وطبع فى الهند طبعة ثالثة ، وانه يدرس الآن فى الجامعة الأزهرية فى القاهرة ؛ ومع هذا فإنى لعلى أمل فى أن الأستاذ عبد الغنى حسن سيظفر بكتاب الأستاذ خليل السكاكينى ، وأنه سيقدمه لقراء الثقافة ، كما قدم كتابى الأستاذين الجليلين أحمد أمين بك وأحمد حافظ عوض بك .
أما رسائل أبى الثناء الألوسى ( الألوسى الكبير ) إلى
أولاده ، والتى هى - كما قلت - نوع طريف من أدب الآباء إلى الأبناء ، وتجتمع مع كتب الأساتذة أحمد أمين بك والمرحوم عوض بك والأستاذ السكاكينى ، فى فلك واحد ، وفى موضوع واحد أيضاً ، فقد جعلها أبو الثناء مقدمة ( لمقامات الألوسى ) التى طبعت طبعة حجرية (٥) قبل من مائة سنة وبعد وفاة مؤلفها بثلاث سنوات ، والتى تقع فى أربع مقامات ، أولها رسائله إلى أبنائه ، أما الثلاث الباقيات ، فقد صور فيها حياته ودراسته وشيوخه ، وما لاقاه من ظلم الولاة ، ونفاق الناس ووقيعة أولياء الأمر فيه . تصويراً فنياً أخاذاً ، ولا تفوق هذه المقامات من حيث جودة التصوير ، وانعكاس الحياة ، إلا ( الحكاية ) التى جعلها فى ذيل مقاماته ، والتى جعلها تدور على أحد ( الدراويش ) الذين يبطنون غير ما يظهرون ، جاعلين الرياء والادعاء ديدنهم فى سبيل أغراضهم الخسيسة ومطالبهم الوضيعة . . وأبو الثناء الألوسى فى مقاماته كما فى رحلاته ، وفى تواليفه وآثاره الأدبية الأخرى ، تبدو عليه سمة الأديب الذواقة الذي يعرف سر العربية ، أو موسيقى اللفظ ، وخفة الأسلوب ؛ وهو وإن التزم السجع والطباق ، وأخذ بالمحسنات البديعية ، وزركشة الكلام ، إنه مع ما التزم من المحسنات اللفظية ، فكتاباته وانطباعاته تأتى عفو الخاطر ، وعلى البديهة الحساسة الشاعرة .
يفتح ( الألوسى ) رسائله إلى أولاده بذكر الموت ! فيقول لهم :
( يابنى : إنى أرى داعى الموت لا يقلع ، وأرى من مضى لا يرجع ، ومن بقى فإليه ينزع . . ) ثم يستشهد بأبيات خطيب العرب ( قس بن ساعدة ) التى جعلها ختام خطبته الشهيرة :
فى الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر . . الخ
وهو فى ذكره ( الموت ) الذى هو مصير كل حى ، أراد أن ينبه أولاده فى أولى رسائله إلى الفصل الأخير من مسرحية الحياة ذات الفصول المتنوعة ، وان يجعلهم يتذكرون هذا المصير الأبدى فى كل وقت وحين ، حتى لا تكون أعمالهم وأشغالهم فى زحام العيش ، بدون نفع أو هداية أو خدمة للناس .
ثم يقول لأولاده ( . . يابنى : عليكم بتقوى الله تعالى فى السر والجهر ، فإن التقوى وأيم الله تعالى ملاك الأمر . وإن التقوى هى الكهف الأوفى والسبب الأقوى . . ) ، والسيد الألوسى بعد أن ينبه أولاده بذكر الموت ويوصيهم بتقوى الله سراً وجهراً ، يوصى أولاده بطلب ( العلم ) ، ويقول لهم ( ساهروا النجوم في طلب العلوم . . ) الخ . ويذكر فوائد العلوم ، وفضل المتعلمين ومكانتهم عند الله وعند الناس أجمعين ، ويأمر أولاده بقوله ( يابنى : وليكن اشتغالكم بالفقه والحديث والتفسير ، وسائر علوم الدين ، أكثر من اشتغالكم بفلسفة المتفلسفين . . ! ) وفى هذه الفقرات من المقامات يتجلى لنا الألوسى الفقيه والمحدث والمفسر ، وهو ينصح فلذات كبده التى تمشى على الأرض ، باشتغالهم بعلوم الدين اكثر من اشتغالهم بفلسفة الفلاسفة ؛ وليس معنى هذا الكلام أن السيد الألوسى ، وهو الواسع الأفق والخبير الطلاعة يفنون العلوم ، يحارب الفلسفة بحجة الحفاظ على علوم الدين . وهو الذي يزورنى فى ( علم التفسير ) و ( علم المنطق ) و ( علم الكلام ) ، وله تواليف مشهورة فى كل منها ؛ وكل هذه المواضيع تتطلب النظر فى كتب الفلسفة أكثر من النظر فى الكتب العلمية الأخرى - ليس معنى هذا أنه يحارب الفلسفة والفلاسفة ، بل أنه يقر ويعترف بفوائدها ، إذ يقول فى أثر تلك الفقرات : ( . . ولا أقول الاشتغال بالفلسفة محض الحمق والسفه . لما أن فيها اليوم نفعاً فى الديانات ، وإنما الأعمال بالنيات ) وبعد هذه النصائح العلمية القيمة يطلب من أولاده الأخذ بعقيدة السلف الصالح والرجوع فى ذلك إلى أحكام القرآن والسنة النبوية .
وهو أخيراً يقف من ( الصوفية ) موقفه من ( الفلاسفة ) فلا يشن الغارة عليهم ، ولا يدعو إلى محاربتهم والزواية بهم
وحرق كتبهم ، كما وقع فى العصور الإسلامية المختلفة ، إذ حارب الفقهاء الصوفية ، وشددوا الكبر عليهم ؛ كلا . إن الألوسى الكبير وهو عالم العراق ومفتى بغداد ، والفقيه الجليل يوصى أولاده ( بحسن الظن بالسادة الصوفية ) ، ويقول لهم : ( وإياكم والوقيعة فيهم فهى والله ردية . . )، وهو لا يتصحهم بذلك لمجرد النصح والإرشاد ، بل ينصحهم بعد أن تذوق التصوف ، وسلك مسلك المتصوفة ، ومرت عليه ( التجربة الصوفية ) كما يقول الدكتور عفيفى إذ أنه يقول : ( . . واقطموا أسماعكم - لأولاده - من استماع كلماتهم التى تخالف ظواهرها الشريعة ، فليس لفهم مرادهم منها سوى السلوك كما سلكوا ذريعة . . وإياكم أن تظنوا أن القوم أرادوا ظواهرها البينة البطلان ، فحاشاهم ثم حاشاهم من أن يحوم حول حماهم ذلك الهذيان . . ) ، ويقرر أخيراً تقرير الحاذق بأسرار التصوف أنه " ليس بين حكم الشريعة وبين الطريقة ( الطريقة الصوفية ) مخالفة بقدر شعرة أو شعيرة فى الحقيقة :
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه
أخوها غذته أمه بلبانها "
أنا - أيها الصديق القارئ - قد ذكرت لك نتفاً ، ونقلت لك سطوراً ، من رسائل الألوسى الكبير إلى أولاده ؛ ولعلك قد تذوقت أسلوب الألوسى فى الإنشاء وطريقته فى الكتابة ؛ كما علمت - ولا شك - أنه لم يكن من علماء الدين الجامدين المقلدين ، بل هو مجدد وهو مصلح وهو فوق كل ذلك مفكر عميق . وهأنا ذا انقل لك قطعة كاملة من رسائله . وصف فيها ( بعض الناس ) كما يقول وصفاً فنياً رائعاً ، تكاد أن تلمسه بيديك وإن مر على كتابته ما يقرب من مائة عام ، وهذا شأن الأدب الحالد الذى ينتصر على الزمان . قال ( بعض الناس ذياب ، عليهم من جلود الشياه ثياب ، فلا تعجبوا بمتماوت تفتحت كالهاوك كلمته . ولانت كالصعارك عريكته ، وولع الدبول بقامته ، فتناطحت تفاحة كتفه ورمانة هامته ، وربا لزق ذقنه بصدره . وأصاخ بسمعه نحو سره . وحمل سبحة ، من ذوات الأذناب ، وجعلها شبكة ، وأعمل فيها سبابته تنقر حباتها كما تنقر الحب الديكه . . ) الخ . ثم يوصى أولاده فى ( المبالغة فى كنتم الأسرار ، لا سيما عن الأشرار )
الذين وصف أحدهم فى السطور الماضية ، والذين لاقى منهم القصص في حياته ، فهو لذلك يحذر أولاده من صحبتهم ، وهو يأمر أولاده بأن لا يفرطوا فى حبهم ، أو فى بغضهم ، وأن يأخذوا الوسط فى الحالين ، وأن لا يكثروا من الهزل والمزاح : ( إياكم وكثرة المزاح ، فإن منه ما هو كطعن الرماح ، وإنه لينفر الرفيق ، ويوغر صدر الصديق ) . ويطلب السيد الألوسى من أبنائه ( حسن الوفاق - لأن الاختلاف ( عنده ) وخيم ، وضرر الافتراق عظيم . ) وهو يتمثل بقول أحد شعراء الحماسة :
كونوا جميعاً يابنى إذا اعترى
خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى القداح إذا اجتمعن تكسراً
وإذا افترقن تكسرت أفرادا
والألوسى الكبير ، ينثر أخوات هذه النصائح وهذه العظات ، فى رسائله إلى أبنائه ، وهذه وما سبقتها تبرز آراء الرجل فى الدين والأخلاق والمعاشرة ، وماذا يجب على أولاده أن يسلكوه حتى يبلغوا مآربهم فى الحياة ، وهو فى القسم الأخير من رسائله ، يرسم للقارئ صورة بينة للحالة الاجتماعية والسياسية للعراق ولبغداد على الأخص ، فى النصف الأول من القرن التاسع عشر . يقول : إن أهل ( بغداد ) وهو يدعوهم ( أهل الزوراء )(٣) وقد شاع هذا اللقب فى عصره . واستعمله هو ، وأدباء ذلك الجيل كثيراً ؛ يقول عنهم ( إن أهل بغداد لا يجتمعون إلا على زور ، ولو أضحى كشمس الضحى فى الظهور ، بل يكونون طائفتين فى كل حادثة ) وينصحهم أن يميلوا و وينحازوا مع الطائفة التى تنشد الحق ( فان أنتم أمنتم المكروه فالواجب أن تكونوا مع الطائفة المحقة ، وإن لم توجد تلك الطائفة فعليهم أن يكونوا طائفة ثالثة ( وإلا فكونوا طائفة ثالثة ، وانعزلوا عن الطائفتين بمعزل ، وابعدوا عنهما بألف ألف منزل ) ويقول فيما بعد : إن العراق قد دالت دولته بعد غزوات الأعاجم والأجانب ( إن العراق قد خلقت ثيابه ، بل أنتن لحمه وشحمه وإهابه ، فقدا جيفة يشق ريحها المرائر . . قد تصدر فيه كل حب سفيه ،
واستولى عليه من يأبى أن يلوكه القلم لنلته بشدقيه .) والألوسى ، المواطن العراقى العربى ، يتمرد على حالة وطنه وبلاده ، ويقذف حكامها من الأجانب ، بهذه الحمم الفائرة . والجمل الثائرة ، وهو لا يكتفي بهذا ، بل يتبعه بيت من الهجاء ، ومن الهجو المقذع ، وهو من الشعر الفارسى . والألوسى ينصح أولاده بالبعد ما استطاعوا عن الحكام ، وإن أرادوا أن يعاشروا فريقا من الناس ، فليعاشروا سوقية بغداد ، لأن أبناء السوق عند الألوسى خير من الأعيان والحكام ثم يصف أهل بغداد فى ذلك الجيل ، وتعظيمهم لمن يتقرب للسلطان والولاة ولذوى الأمر ، إذ السرامى عندهم كالكعبة أو أعظم منها ، ويطيعون ( الوزير ) وهو الوالى ، أكثر من إطاعتهم الله !! وإلى غير ذلك من هذه الصور الصارخة ، فى ذلك العصر المنفسخ ، المتحلل ، الذى ضاعت فيه القيم والموازين .
والألوسى الكبير لا يطلب من أولاده البعد ، كل البعد ، عن الحكام والولاة ، إذ كيف البعد ، ومطالب الحياة وشئون العيش متصلة بهم كل الاتصال ، إذ أنهم الكل فى الكل وأى منهم هو الحاكم بأمره فى تلك العصور المظلمة ، لا يطلب منهم البعد عن الحكام ، ولكن يطلب منهم القرب منهم مع قلة الكلام وقلة الجلوس ؛ وهو بعد ذلك لا ينسى عشرته وأهله ، بل يأمر أولاده ( بصلة الأرحام ، وإكرام الأخوال والأعمام . ) ويطلب منهم الميثاق من الله ، ببنانه ويقول لأولاده ( يا بنى : الله الله ! فى أخوانكم ، وعدوهن فى عداد بناتكم ( . ويطلب منهم العناية بأمهم ويوصيهم بها خيراً . . ويختم هذه الوصايا الرائعة والتعاليم الطيبة ، التى هى أنموذج من أدب الآباء إلى الأبناء قصيدة حكمية ( لأبى الفتح البستى ) والتى أولها :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
فيذكر منها تسعة وثلاثين بيتا .
والسيد أبو الثناء الألوسى قد كتب هذه الرسائل (٥) التى هى من جملة ( مقامات الآلوسى ) بعد رجوعه إلى بغداد من رحلته إلى ( الأستانة ) وقد أودعها خلاصة علمه وتجاربه ، كما أظهر براعته فى الكتابة وطريقته فى الإنشاء .
( بغداد )
