قال لي وهو يبتسم : تريد أن تعرف من أمري بعض ما خفي عليك ؟...
وأردت أن أقول : نعم أريد ، ولكني خجلت أن أسأله عن سر لم يحدثني به ، وأقبلت عليه وفي نفس الرغبة ، وفي نفس سؤال لم يصرح به لساني . ومضي صديقي يحدثني :
قال : أنت تراني محمودا على ما أنا فيه من النعمة ، أليس كذلك ؟ . إلا فاعلم أن كل ما أنا فيه من النعمة والخير والميسرة لا يساوي شيئا في نفسى بالقياس إلي ما يغمرنى من السعادة حين أذكر ماضي . لقد كان لي ماض حائل ، لا أظنك تعرفه ، بل لا أظن أحدا من أصدقائي .
وصمت صديقي برهة ، وصمت أنا أيضا . لقد كنت أكره كل حديث عن الماضي ، إذ كنت في مرحلة من مراحل النفس أحب شيء إلي فيها أن أنسي . . فلم أكن أري الحديث عن الماضي إلا نكسة ، ولم أكن أراء فيمن يتحدث به إلا لونا من العجز أو نوعا من الثرثرة أو إغراء يغري بي الداء الذي كنت أبرأ منه
كان ذلك شعوري وقتئذ ، ولكني مع ذلك لم تطب نفس بالاعتراض على صاحبي قيل أن أعرف من أمره ما يريد أن أعرف ... وظللت صامتا لحظة ، وعاد صديقي إلى حديثه :
قال : لقد جاوزت الأربعين منذ قريب ، وإنها لعمر ، ولكن لي في هذه الأربعين ذكريات لا ننسي ، ولو قد نسيتها لما كنت خليقا مما انا فيه اليوم من النعماء والرفاهية .
إن هذا الحاضر الذي تراه هو امتداد ذلك الماضي الذي كان ، فليت من يتبنى عن غدي ! ولكني يخيل إلي كأنني أعرف ذلك الغد أيضا ؛ فهل هو إلا امتداد لذلك الحاضر ؟ إن الطريق المستقيم ليس له إلا غاية واحدة !
قلت : نعم . قال : لا أدري من أين أبدأ قصتي لك ، وإنها لقصة عجيبة قلت : كأن قد عرفت ؛ فهل هذا الحاضر إلا امتداد لذلك الماضي ؟ قال : بل ، ولكنك لم تعرف بعد . ابت تراني فيما تري من النعماء واليسر ، فهل يقع في وهمك أنني فيما مضى من أيامي قد مر بي يوم أو رأيتني فيه لأنكرت أمري كله ؟
كان ذلك منذ بضع وعشرين سنة ، و كنت فتى لدنا لم يبلغ حد الشباب ، حين مات الى وخلفني وأعي وبضع أخيات ، وكنا في نعمة لم تلبث يموت أبي ان انقغت ظلمتها ، ورأيتني ذات يوم وليس أمامي إلا أن أخرج إلى الطريق أنا وأمى وأخياتي نوشك أن نكون جياعا عرايا والحمد لله على ما كان
وعاد صاحبي إلى الصمت لحفلة ثم استأنف حديثه : قال : ولكننا ولله الحمد والمنة ، لم نخرج إلى الطريق ، ولم نجع ولم نعد ، ولم تزل لنا تلك الدار ، ولم تزل بها أمي حتى اليوم لا تريد ان تبرحها وقد برحمتها أخواني إلى بيوت أزواجهن . .
تسألني : كيف ؟ وأنت تعلم يا صديقي أن السماء لا تمطار ذهبا ولا فضة ، وأن كنوز الأرض لا تفتح أبوابها بالرقي والتعاويذ والتماتم ذلك شئ في خرافات الجهال وأساطير الأولين ولكنه ليس من حقائق هذه الحياة . إذن فكيف سترنا الله وقد أوشكنا على العري والمعرة ، ذلك هو السر الذي لا أستحي من الحديث به إلى الناس جميعا غير أمي وأحياتي إنهن لم يعرفن حتى
اليوم شيئا مما كنت أصنع في تلك الأيام ، ولست أريد أن يعرفن ؛ إن للنساء موازين غير موازين الرجل !
لقد كنت .... كنت أعمل بيدي . . لا لأ أريد أن أصدقك الحديث ، ليس في الصدق معابة... لقد كنت في النهار تلميذا بالمدرسة كما قد تعلم ، ولكنني لم أكن أعود إلي امي وأخياتي إلا في المساء ، بعد أن يصل إلي محطة القاهرة آخر قطار من قطر سكة الحديد ... أفهمت ؟ ولم تكن أمي تدري ، ولم تكن أخياتي يدربن ، وإنما كن يجدن معي مالا يكفي ويكفيهن ، فيحسبن ذلك من بقية ما ادخر أبي رحمه الله !
وعاد صاحبي إلى الصمت مرة أخري ، وهمت أن أستوضحة عن شئ مما حدثني به من سره ولكنني أمسكت . لقد كان بكمي فليس من حق أن أسأله التصريح ؛ وكأنما أحس صديقي بما يدور في نفسي ، فابتسم وقال : نعم ، لقد كنت حمالا على باب سكة الحديد ، وكان لي جلباب ألبسه حين أزاول عملي ذاك ليستر البدلة التي ألبسها في المدرسة بالنهار ويقيها أن تمتزق !
وذات مساء ، وكانت ليلة شائبة ، كنت واقفا بباب المحطة حين دفع إلي رجل حقيبته ، ونظرت في وجهه ، وقد مددت يدي لأتناول حقيبتة ، ثم تخاذلت وكدت أسقط على الأرض ، لا من الإعياء وثقل الحمل ، ولكن من الخجل ؛ وكان رجلا أعرفه ويعرفني ، لأنه يراني كل يوم وأراه ، ولم يكن يدري حين دفع إلى الحقيبة أنني تلميذه في المدرسة . . تلميذه الدليل منذ كنت وكان لي في أب وكنا في نعمة...!
... وعاد إلي وشادي سريعا ، فلم أتراجع ، ومضيت بالحقيبة أغدو أمامه ، وكان كل دعائي في تلك اللحظة أن يعصمني الظلام فلا يري وجهي ! واستجاب الله دعائي... وتناولت أجرتي عند باب الدار ووجهي إلى الأرض ، فلم أكد أقبض عليها يدي حتى عدوت في الطريق رأنا أحمد الله ، .... ولكنه ناداني ، وتمنيت لو لم أسمع نداءه وعدت إليه ، ودفع إلى قرشا فوق ما أعطاني من قبل ،
وكأنما كان يسره أن يعرف موقع هذا الإحسان من نفسي ، فنظر إلي ، وعرفني ، أو هكذا خيل إلي ، فقد بدت الدهشة في وجهة كالومضة الخاطفة ، ولكنه لم يقيس بكلمة
... ولم يطرق النوم جفني في تلك الليلة ، ونازعتني نفسي إلي عدم الذهاب إلي المدرسة في الصباح لم أكن أخشى شيئا غير سخرية التلاميذ حين يعرفون ، وليتهم حين يعرفون يعرفون الحقيقة الكاملة ، إذن لأمنت سخريتهم .. وطال عذابي وهمي في تلك الليلة ، ولم يطل ليلي وقد تمنيت أن يطول فلا يسقر صبحه .
ومضيت إلي المدرسة فقد كنت أخشى شرا أفظع كنت أخشي أن تعلم أمي وأخياتي ، وهو شيء لا أطبق أن يكون . . ورآني معلمي بالمدرسة ورأيته ، ولكنه لم يحدثني ولم أحدثه وكنت أحذر أن تلتقي عيناي بعينيه ولكني مع ذلك لم أترك " وظيفتي " عند باب المحطة كل مساء بعد منصرفي من المدرسة .
وخيل إلي أن كل معلمي يعرقون من أمري ما كنت أنكر ، بدا ذلك لي في أصواتهم حين يتحدثون إلى ، وفي عيونهم حين ينظرون ؛ ولكن أحدا منهم لم يحدثني حديثا عن ذلك الشأن ...
. ودعاني ناظر المدرسة ذات صباح ، فكلفني عملا أعمله في مساء ذلك اليوم ، عملا لم تجر العادة بأن يكلف مثله تلميذ ، فلما انجزته على الوجه الذي أراد دفع لي أجرته ، ولم أرفض ما دفع إلي ؛ إذ كنت على يقين أنه قد تعرف ... ورتب الناظر لي عملا دائما ، أو إن شئت فقل : أعمالا متلاحقة ، كانت أجرتي منها تكفيني وتفضل عن حاجتي ؛ ولم يحدثني في شأني ولم أحدثه ، ولكن كل نظرة منه ومني حين يدعوني فألقاه ، كان فيها سؤال صامت وجوابه ، أو إن شئت فقل : فيها عارفة وشكرها ، ولم ينطق لسان . . وظللت تلميذا موظفا وخلعت جلباب الحمال . و ها أنا ذا اليوم
وأطرق صديقي إلي الأرض ، ثم رفع رأسه وهو يقول : تريد أن تعرف تتمة القصة ؟
قلت : قد عرفت !
قال : لا ، لم تعرف شيئا ؛ إنما قصصت عليك فصلا واحدا من رواية ذات فصول وأبواب ، ولكنك مستطيع بذكائك أن تعرف الباقي ، وإنما يعنيني من ذلك كله أن تستيقن حقيقة واحدة ، هي أن تاريخ الناس يصنعه الناس : كل إنسان هو يكتب تاريخ نفسه ، لأن أعماله هي تاريخه ! وأن الرجل الحق ليس هو الذي يذكر الماضي فيأسى على ما فاته فيه ، او ما ناله منه ، ولكن الرجل الحق هو الذي يصنع نفسه ، ويذكر غده حين يذكر أمسه ، ويعرف أن هذا الحاضر الذي يعيش فيه ، هو السلم إلى المستقبل الذي ينتظر أن يصل إليه وانصرف صاحبي وخلفني !
لم أنس هذا الحديث منذ سمعته ، وقد سمعته منذ بعيد ، ولم أنس صاحبي ذاك منذ عرفته ، وما عرفته
إلا يوم حدثني ؛ ولم أفهم مدلول كلمة " ذكريات الشباب " إلا يوم سمعت صديقي ذاك يتحدث عن ذكريات شبابه ؛ يومئذ أيقنت يقين العارف بعد جهالة ، أن " ذكريات الشباب " كلمة ليس معناها أبدا الحنين واللهفة ، ولا الحسرة والندم ، ولا الأحزان والدموع ؛ فهل يعرف الشاب معناها الحق قبل أن يفلت من يديه زمامه فيقول : آه ! ياليت ما كان دام ! أو ياليت ما كان لم يكن ! .
إن كل فتى لحقيق بأن يعرفها لو أنه كان يستيقن منذ الشباب أن وراء كل شباب كهولة ، ووراء كل كهولة هرما ، ووراء كل قوة ضعفا ومعجزة ؛ ليستيقن من ذلك يقينا آخر بأن وراء كل نشوة حسرة ، ووراء كل بهجة ندما ، ووراء كل مسرة مساءة !
ألا ليت كل فتي يدري أنه إنما يصنع في يومه ذكريات غده ، وكما يشاؤها تكون حسرة وندما ، أو أفراحا مسرات ! .. ياليت !
" قاف "

