" ابذروا الحب هنا وهناك ، فى قلويكم وقلوبهم ، فى نفوسكم ونفوسهم ، ابذروه فى كل مكان وكل آن ، فسوف بثمر زهرا نضيرا ، وسوف يكون لكم منه جنة فيحاء تجرى من تحتها الأنهار ، كشفوا عن ميولكم وأغراضكم ، فيزيل هذا الكشف ما بها من انذار ، وتستحيل إلى مثل نفاوة الثلج . احكوا الطبيعة ، اعشقوا الحقيقة فيانشدوا النور فقد عم الظلام " .
اختم " هو " خطابه بهذه الكلمات وسط الجمع التغير الذي يحيط به ، ورغم الشيخوخة التى كانت تتحفز للوثوب عليه كان قوى الصوت ، ظاهر اللفظ ، منتصب القامة ، صادق الحجة . فى عينيه بريق من العظمة والخلود . فى أسارير وجهه قبس من النور والقداسة .
وارتفعت أصوات باستحسان وأخرى باستهجان . وعلل البعض وروع آخرون .
ثم هبط " هو " الربوة التى كان بشرف منها وشق طريقة بين الجموع المتراصة ، لا يلوى على شئ ولا بأبه اصفق أو بألم لعائد . والعيون تسير فى أثره والشمس تنشأ تنحنى قليلا قليلا نحو الأفق ، و " هو " فى سبيله إلى داره ، كوخ يستقيم فوق مرتفع من الأرض ، يحده شمالا ترعة القرية ، وجنوبا منبسط من الأرض تغشاه الخضرة .
وتهامس الناس حين غاب عن الأبصار : من يكون " هو " ؟
وقال شاب يافع : لعله رجل قدم من بلاد نائية لأمر خفى سوف تظهره الأيام .
وقال شيخ وفور : وما أدراكم ألا يكون من المبشرين الذين تبعث بهم الرسالات الاجنبية ليفسدوا النفوس وينشروا الالحاد ؟ .
وقال ثالث : لا ما أحسبه إلا رجلا كريما ، فقد أبصرته أمس فى جوف الليل ، وكان يجوس خلال القرية رأيته ينحنى إلى الأرض حيث رجل ضرير قد ضل الطريق بين الأشجار فأخذه بيده وأنهضه من كبوته ، ثم سار وإياه فى طريق شاق حتى بلغ بائع الخبز فاشترى له خبزا وجيبا ودفع إليه قطعة قضية ، رابتها بعبني تتلالا ضياء فى حندس الظلام .
وقال رابع : إذا هو مندوب أحد السلاطين العظام . وقال خمس : ولم لا يكون هو السلطان بعينه . فله قامة مهيبة وطلعة شريفة بحقهما جلال ووقار .
وشرع سادس يتحدث وإذا بزعيم من شيوخ القرية يقبل عليهم ، عرف محصافة الرأى وصدق النظر وعمق البحث . فسأله سائل عمن يكون " هو " الذي استجد فى القرية والذي يجوبها ويخطب الناس فى كلمات لا يدرون مداها . فلا يفتا بنادى : الحرية ، الحب ، النور ، طبيعة الأشياء ، حقوق الانسان ؟
فتنحنح الزعيم وحرك بصره إلى الجهات الأربع حتى إذا استوثق أن " هو " لا يقف فى صفوف الجمع قال :
" لقد هبط هذا الرجل قريتنا فى الثالث عشر من شهر توفير . وأنشأ الكوخ الذى يقيم فيه الآن . وهو يحرض فتيان القرية وفتيانها على أن يهجروا أعمالهم جزءا من ساعات النهار والليل ليجتمعوا إليه فيجلس إليهم فى الفضاء الواسع الذى يقع خلف كوخه . وهو يقرأ عليهم من كتب يحفظها لديه . وقد انضم إليه حتى الآن - وقد امضي بيننا عشرة أيام - خمسة وعشرون رجلا . ومما لاجدال فيه أنه رجل غنى ، فقد علمت من مصادر موثوق .
بها أنه يتصدق كثيرا ويطعم الناس كثيرا . وأما عن حقيقة مقصده فقد جاءتنا أخبار متضارة أرويهالكم ، وأحب أن تقيموا حولها سياجا من الصمت لئلا يصيبنا مكروه .
" فلقد قيل إنه كان يملك أرضا وزرعا ورأى نفسه وهو العبد الفقير إلى الله - غير جرى أو صاحب حتى فى هذا الملك الكبير ، بينا مئات الناس من جيرانه الزراع لا يملكون اكثر من قوت يومهم ، فقام ووزع الأرض بالتساوى بين هؤلاء الجيران . وانشأ يعمل معهم بالفأس والمحراث ليأكل قوته يعرق جبينه ، فلما اتمشت القرية وأصبح ناسها فى يسر ورخاء هجرها إلى هنا ، وقد حمل معه قدرا من المال ، لست أدرى من أين جاء به ، نعم جاء إلى هنا لميثل الدور الذي قام به فى القرية السابقة .
" وقيل إنه رجل كان له مال وعقار ، وقد حباه الله من العلم والعرقان شيئا كثيرا ، وإنه كان له عند الله حاجة ، فسأل العلى القدير أن يمنحه إذها ، وانه ينذرا أن يفعل كبت وكبت ، فلما اجاب الله ضراعته ، شرع يؤدى النذر ، وهو أن يطوف بالقرى يلغن أبناء القرويين شيئا من العلم والعرفان " .
وهنا نظر الزعيم مرة أخرى إلى الجهات الأربع ، حتى استوثنى من وجوء السامعين ثم استطرد :
" وقيل إنه انتدب من لدن إحدى الدول الطاغية لدرس أحوال القرية وتنفيذ سياسة ملمونة ، فيها شئ من الضرائب وإلغاء المزارع وإقامة الصانع بدلا منها .
" وقيل - وقد قال لى هذا فتي ممن انضموا إليه واجتمعوا به - إنه رجل ملهم ، فيه شئ من الله ، وقد أرسله سبحانه وتعالى ليؤدى رسالة سامية إلى أهل هذه القرية .
" والخلاصة أنه رجل خطير ، جليل القدر ، يجب علينا أن تحذره ، ونخافه ونحبه .
ثم صمت الزعيم وساد السكون ثم تبعه الهمس ،
وهز الرموس والتمتمة ، وأنشأ الجمع يختلط ثم يتفرق . والشمس توشك أن تودع السكان ، والأفق تخضب بشماعها ، والقرية بنعليها لون الشفق الأحمر .
تشتت شمل الجمع إلا من شابين صديقين ، قد أذهلهما وسلب ليهما حديث (هو) . وجذبهما إليه تلك الروايات الشائقة التى ينسجها الناس من حوله ، فيمما شطر الكوخ ، تدفعهما نحوه رغبة مجهولة .
الليل ينشر أجنحته ، والقرية تتسريل برداء السكون .
هى قرية معتمة مجهولة تقوم إلى جانب تهير صغير يتساخ من النيل العظيم ويضرب فى عرض الصحراء تبرز من بعض طرفانها اشجار النخيل ذوات السعف والتمر ، فمن الأول تشاد الدور ، أو بالأخرى ساذج الأ كواخ ، ومن الثانى تشاد جسوم الأهلين . ففى التمر غذاء وفيه حياة .
ويجرى فى جسم القرية من أعلى الرأس إلى أخص القدم نهير " السعادة " السالف الذكر مثلما يجرى الشريان فى جسم الانسان ، فيهب القرية الحياة .
ويحد القرية من نواحيها المختلفة صحراوات وبحار مترامية ، قد أرادتها الأيام أن نكون جيران سوء ، فهى تسوق إليها فى الفينة بعد الفينة ريحا صرصرا عاتية ، تهلك الحرث والغسل .
وكانت القرية إلى زمن غير بعيد تعيش فى دعة البداءة وسعادة العزلة . بجمع الأهلون مما تثبتهم الأرض الطيبة ، ومما يفيض عن حاجاتهم ، ثم يبادلون ( جماعات البدو الرحل الذين يمرون بالقربة بين الحين والحين ، أثناء تجوالهم وضربهم فى مشارق الأرض ومغاربها ، فيحصلون بذلك على الكساء والسمن والعسل .
حتى كان يوم عبوس قمطرير يرجع إلى نيف وخمسين عاما ، هبت فيه ريح سامة من الشمال الغربى دمرت الدور ، وسدت الطرقات ، وحملت فى طيانها المرض والجوع والنقر . تري الناس سكارى وماهم بسكارى . ولقد جثمت جراثيم الفساد فى كل ذى روح فى القرية .
الأرض الغنية الكريمة ذات الفيض العميم ، قد الدست إليها آثار هذه الريح القذرة ، فأفسدت البذور والجدور ، وأحالت الترتبة الخصبة صحراء جرداء لا نفبت إلا اليسير التافه .
وأشجار النخيل تخلع عنها سعفها وتمرها واستنشق الأهلون هذا الهواء الفاسد فجرى فى الجسم مجرى الميكروب القائل الناس أبدا فى خصام وتضاد . يكره بعضهم بعضا . الأخ يكيد لأخيه كيدا . وذهبت تلك النضرة التى كانت تعلو الوجوء ، وذوت السمات التى كانت تتلألا فوق الشفاء . وحل مكانها عبوس دائم ويجهم كبير .
ومرت السنون تتبعها السنون والقربة تزداد حلو كة والضمائر خبثا والعيش ضنكا .
سار الشابان الصديقان فى صمت إلى حيث نهير السعادة ، فهناك إلى جانبه يقوم كوخ " هو " ، وكانا يفكران فيما قال للناس منذ لحظات ؛ أحبوا بعضكم ، أ كشفوا عن نياتكم ، أنشدوا الحقيقة ، النور ، الحرية .
كان الشباب فى هذه القرية يأسف على الحال السيئة التى تحدر إليها الشعب ماديا وأدبيا ، ويطالعهم بعض الشيوخ أن القرية كانت قبل ذلك فردوسا أرضيا .
وكان هذا التاريخ المجيد مثل ضياء يبرق حينا فينير الذهن ، ويبعث إلى القلب البهجة وحب الفخار . ثم يخبو فترتد النفس كليلة محسورة . وكان أيضا يدفع الهمم ويحفزها لاستعادة هذا المجد التالف والالتصاق إلى فخار جديد .
لم يمش الشابان طويلا حتى أبصرا الكوخ فوق مرتفع من الأرض . وكانت الليلة ذات قمر منير . وإذا شباب كثير من أبناء القرية يلتف حول " هو " وقد قعدوا كلهم على الأرض القضاء التى خلف الكوخ . فوق الحشائش الخضراء ، وإذا فتى يسأله وهو يجيب :
- وكيف تنال هذه السعادة ؟ - والسعادة ممكنة فوق ظهر الأرض بشئ كثير من الحب والاخلاص والعمل الصالح . فيسأله ثان :
- وكيف نستعيد المجد القديم والرخاء الذاهب ؟ - والمجد والرفعة والرخاء تقوم على أسس من التكاتف والجهد المستمر ، وإنكار الذات ، والرغبة التى يعقبها العمل فى خدمة التفسير ، وتوفير أسباب الهناءة المجموع .
فيسأله ثالث :
- وكيف نحيل هذه القرية إلى فردوس أرضى ؟ والحديقة إن أهملها صاحبها ذبلت أشجارها ، وذوت تمارها ، وتقدمت إليها البهائم والغربان فنتشرت فيها الفساد . وإن تعهدها صاحبها بالرعاية والسقيا . والرقابة والدفاع ، أينمت ثمارها وازدهرت اشجارها ، فإذا هى جنة مورقة تؤتى أ كلها .
وهنا يتقدم الشابان ويقولان : ( السلام عليكم ) . فتنبسط أسارير " هو " ويجيب : أهلا بالشباب الناهض . هاهما رقيبان جديدان نضعهما فى ناحية من الحديقة برعياتها ، ويذودان عنها لتصل بها إلى الفردوس المنشود .
ويجلس الشابان ، ويستمر الحديث فى مثل ما كان حتى منتصف الليل ، فيتفرق التلاميذ إلى أ كواخهم متواعدين للقاء فى الغد القريب .
انبثق الفجر ، ثم برزت الغزالة ، فإذا الدنيا ضياء .
وإذا جماعة الشبان وبعض الرجال يقودهم " هو " إلى حيث نهبر السعادة ، فيغتسلون ثم يقفون صفا صفا ، ويبدعون عمل اليوم بالتوجه إلى الله بكلمات ملؤها الاخلاص والحب والعبادة .
فإذا انتهى هذا ، وانتهى بعده الافطار ، انتشروا فى جسم القرية ساعة وبعض ساعة يتحسسون مواضع الألم ، ويصفون العلاج فى شئ كثير من العطف والتآلف .
ثم يعود عشملهم يلتم بعد ذلك فيحملون فؤوسهم ومعاولهم ، وينزحون إلى بقعة من الأرض جرداء صلباء ، فيضرب بوتها مرات ومرات ، ثم يرسمون فيها خطوطا وزوابا ، ويبعثرون البذور ههنا وههنا ، ثم يصلون طرفا منها بنهير السعادة فينقع غلها بعد ظمأ ، ثم يقيمون حولها سياجا يقيها عبث العابثين .
وعند ذاك تقف الشمس فى كبد السماء ، فينطلقون إلى الكوخ ، وقد تنازل " هو " فجعله ملكا مشاعا للجميع ؛ فيتغدون ويستريحون ، ثم يعودون إلى العمل . يذهبون إلى الجهة الشمالية الغربية ، حيث نفذت تلك الريح السامة التى حطمت القرية ، فيفضون الساعات فى قياس الأرض ومخطيطها ، والتحدث فى العلاقة بين هذه الريح وبين الفقر والأمراض التى تمطر على الناس من جرائها .
يقول " هو " : وإصلاح هذا البلد ، وكشف الغمة عن أهله ، وابتعاث السعادة والإبتاس فى جنباته ، إنما تكمن فى شئ واحد ، هو سور هائل يقوم فى تلك البقعة ، يقف سدا منيعا فى مقبل الأيام ضد الأثرية والرمال التى تسفيها هذه الناحية الشمالية الغربية .
ثم يرفع وجهه ويديه إلى السماء ويدعو : " اللهم هبنى العمر والقوة لانشاء هذا السور واستكماله " .
فيردد التلاميذ : " أمين" . ثم يشرع البعض منهم يجبل الطين بيديه ، وبذهب
آخرون يبحثون من قوائم خشبية من سعق النخيل وجذوعه .
فإذا كان الأصيل وقد نال منهم الاعياء يمعوا صوب الربوة المعهودة ، فيعتليها " هو " ويتجمع الناس ، ويأخذ بخاطبهم فى كيفية تحسين الزرع ، وتربية الأبناء والحيوانات ، وأن النظافة تطيل العمر ، وأن الله بأمر بالحب ، والقيام على خدمة الغير ابتغاء مرضاته .
فإذا جاء الليل انطلقوا إلى كوخ القرية يأخذون نصيبهم من الطعام والراحة والدرس .
ويوم ثان يخططون فى أرض القرية وينشئون السبل والطرقات .
ويوم ثالث يبنون من الطين بيوتا .
ويوم رابع يجعلون من هذه الدور ملاجئ للعجزة والمرضى والأطفال .
وفى كل يوم يقضون جزا من الساعات فى بناء السور ، وجزأ فى بناء مجد الشعب .
وذهبت الآيام تجري وتبعتها السنون
وهم القضاء ، ونفذ سهم القدور فى الثالث والعشرين من شهر أغسطس
" أكملوا السور ... فأنا انتهيت " .
ثم استخذى " هو " فى مثل وداعة الطير ورقة النسيم ، والقلوب تحيط به واجفة ذاهلة . أى خطب وأى مصاب ؟ هل مثله يموت وينتهى .
وانتشر الخبر فى لمح البصر ، فاستيقظت القرية وأعولت وولولت وسارت إليه زرافات ، رجالا ونساء ، شبيبا وولدانا .
وكان فى الكوخ جماعة المخلصين ، وأبصروا القرية تمشى إليهم با كية .
فقال كبيرهم وفيض الدمع يحبس صوته : " يقول أنا انتهيت ، وهذه النفوس الأمينة غرس يديه ، هذه الدور القائمة ، وتلك الحقول المثمرة ، والأشجار الباسقة ، هى هبة منه ومنحة ، هو حى فيها على الايام والأحقاب . لا . لم ينته " .
فإذا كان الصباح فهم يوارونه التراب ، ويقيمون له نصبا مرقوما عليه " هنا يرقد من لا ينتهى " .
وهم بعد هذا بيعمون شطر السور ، يأخذون فى إتمامه تحقيقا لوصية الراحل العظيم .

