الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 463الرجوع إلى "الثقافة"

من أدب السودان :, الفجر الصادق

Share

هذا هو اسم الديوان الذى أصدره الشيخ عبد الله عبد الرحمن الأستاذ بكلية غردون بالخرطوم سابقا . وقد ضمن هذا الدروان مجموعة أشعاره التى أنتجها خلال الخمس والعشرين سنة الماضية .

والذي يدرس عامل الوراثة والبيئة فى حياة شاعرنا يستطيع أن يدرك مقدار ما لهما من أثر قوى فى إنتاجه الشعرى ، وفى الفنون التى تعرض لها ، والموضوعات التى تناولها؛  فصاحب الديوان من بيت دين وعلم ؛ وحده هو الشيخ الأمين محمد الضرير ، أحد رجال الدين العاملين فى عهد اسماعيل وتوفيق ، والذى شغل وظيفة " رئيس ومميز علماء السودان " ( شيخ لعلماء ) فى ايام جعفر باشا مظهر حكم تلك البلاد .

وكان الشيخ الضرير شاعرا وأدبيا ، ساهم بكثير من المقالات والقصائد عند المناسبات الدينية والوطنية الهامة فى حياة البلاد . وأذكر أنني قرأت أعداد الوقائع المصرية جميعها في عهد إسماعيل وتوفيق ، فلم أجد من السودانيين من نشر له شئ غير هذا الشيخ ، وكان محرر الوقائع يقدم مقالاته وقصائده بقوله إنها من إنتاج الشيخ " البصير " . ومما يتميز به الشيخ الضرير أيضا خلق الوفاء لوطنه وقومه وأصدقائه والمحن. وقد ظل على إخلاصه لولى الأمر أثناء الثورة المهدية ، وكتب فتوى نشرها على بنى قومه يبطل بها تلك الدعوة . فلا غرابة ان ورث صاحب الديوان عن جده كثيرا من خصائصه العلمية ، وميوله الأدبية والخلقية ، ولا غرو ، وهو ينتمى إلى بيت علم ودين ووفاء ، أن يشرب فى قلبه حب هؤلاء الثلاثة .

وهو قد تربى تربية مدرسية دينية ، حفظ القرآن فى

صغره ، ودخل قسم معلمي اللغة العربية فى كلية غردون ، فتتثقف بالثقافة العربية الدينية . وكان جل أساتذته من المصريين الأوائل الذين ذهبوا إلى السودان مدرسين ؛ كالشيخ الحضرى ، والنمراوى ، وعبد الرؤوف ، والنجار ، كما كان من بينهم الأستاذ فؤاد الخطيب ( باشا ) رئيس وزراء شرق الأردن الآن .

وقد ساعد ما ورثه الشيخ عبد الله من إغرام بالأدب وميل دينى ، على ان يتفقه في كليهما ايام تلمذته ، واحترف مهنة التدريس ، ما كب على قراءة دواوين الأدب ، واتصل بأواع النشاط فى نواحى الحياة السودانية ، على ما بها من قلة وضيق ، اتصال الأديب المسلم والوطني المتحمس ، بهزه الشعور الدينى أو القومى أو العربى ، وتطريه الخلال الكريمة ، فيطلق العنان لشاعريته . ولذلك جاء ديوانه معبرا أصدق تتعبير عن عواطف قوية نحو دينه ولغته ووطنه وقومه ، عواطف يتجلى فيها الوفاء لهؤلاء الأربعة . فهو يحب من أجل دينه وفضائله ، ويحب من أجل لغته ، ويحب من أجل وطنه ، ويحب من أجل قومه . وهو إذ بكره ، بكره من أجل هؤلاء ، ولكنه لا يعرف العنف ولا الجدل ، وإنما يكره في رفق وعتب ، شأنه فى ذلك شأن الصالحين المخلصين .

والمتصفح لديوانه يجد به أبوابا خمسة شاملة لكل ما نظم ؛ فهو قد نظم فى الإسلاميات ، وفى الوطن ، وفى اللغة حاضرها وماضيها ، وفى المناسبات القومية ، أو المجتمعات القومية وفى الوفاء للاخوان أحياء وأمواتا . وقلما تخلو قصيدة من قصائده من الجمع بين هذه العناصر الخمسة .

وأكثر إسلامياته فى مناسبة أول السنة الهجرية ، وهى مناسبة يحتفل بها إخواننا السودانيون فى انديتهم ، ويتبارى فى التحدث عنها خطباؤهم وشعراؤهم . وفى هذه المناسبة تهيجه ذكرى الماضى - ماضى الدين واللغة والوطن - فينطلق بعدد فضائل هذه الذكرى وصاحبها ،

ويندب حظ ابناء دينه ولغته ووطنه . تحس بذلك حين يقول :

لعمرك ما النبى - فدته نفسى -

                        بمنطلق اللسان على البذى

أتى بالملة السمحاء يدعو

                 إلى الأخلاق والشرع السوى

اساس العالون به وبقى        جديدا رغم كرات المشعى

إذا ابتهجت بمولده البرايا     فذاك لذكرها سنن النبى

ليد كروا مآثر صالحات      ومجدا كان فى الزمن القصى

زمان المسلمون بكل أرض   أساطين الحضارة والرقى

زمان العلم جانبه منيع       وأنصار الجهالة فى هوى

وإذ بغداد من أدب وعلم    تموج بكل وضاح سرى

وهو حين يتحسر على الماضي ، ويشيد بذكر الإسلام ورجاله ، يستحث إخوانه وبنى وطنه على الاعتصام بالإخاء والتمسك بالأخلاق الكريمة ، لأنه يرى فى ذلك إعلاء للدين والوطن . ومن ذلك قوله :

ذكر بهجرة خير الخلق من مضر

                        محمد مظهر الإسلام حاميه

شباب قومي ، وأقمار الندى لكم

                      منى أخ صادق الإخلاص عليه

لست الداري أخاء يوم نائبة

                           لا بارك الله في خل تداريه

إنى إذا صاحب أنكرت خطته

                   لم ترضني همتى الا أباديه

الفطر غذتكمو شتى مدارسه

                      وأطلعتكم نجوما فى نواحيه                           وأثر عنكم سيولا فى أباطحه

               وأ كرمتكم غراسا فى روابيه

وأنهلتكم على برج موارده

               وفى محيا كمو قد رف واديه

تمسكوا بكريم الخلق ، وازدرعوا

                        بذر الإخاء ، وشدوا من أواخيه

لا تصبحوا شعبا شتى مذاهبكم

                        فالخلف من مثلكم صعب تلاقيه

وشاعرنا يري فى النهوض باللغة رمزا للقوة ، ورمزا للصلات المتينة التى يجب أن تربط شعبه بالشعوب العربية الأخرى ، ويري أن ضعف اللغة تدير بالانحلال القومى ، وبه يمكن الأجنبي نفوذه . وهو يحذر قومه وينذرهم ، ويهيب بهم أن يعملوا على إحياء لغتهم العربية :

ألا ليت شعرى ما دهى العرب إننى

                          أري الجو في آفاقهم يتسمم

أكل بناء ، غيرهم ، متساند ،

                       وكل قبيل ، غيرهم ، متقدم ؟

أجل كل قوم فرطوا فى لغاتهم

                   غدوا وصروف الدهر فيهم تحكم !

أرى الغرب يدنى باللغات رجاله

                            وتمشى إلى أعلامها تتعلم

بنى وطنى إن قمت للصاد داعيا

                           فإنى أدعو للتى هى أقوم

لقد وثق الله الروابط بيننا

                     فلا تنقضوا ، بالله ، ما هو مبرم

عزيز علينا أن نراها هزلة

                           وجاراتها فينا تزيد وتعظم

ونبئت بالسودان قوما تآمروا

                  على اللغة الفصحي، أساءوا وأجرموا

ألا نحن عرب قبل أن لعبت بنا

                     صروف الليالي والجهول القشعم

إذا لم تحسوا داءها ، وهو فانك ،

                      تهونوا وفى غير العروبة تدعموا

فمضوا عليها بالنواجذ إنها

                   سلاحكمو ، إن تخلعوه هزمتموا

أما عقيدته الوطنية فتتلخص فى أنه يؤمن بالوحدة الطبيعية بين شطرى الوادى ، مصره وسودانه ، ويؤمن بأن الإسلام هو الوطن الاكبر لجميع الشعوب الإسلامية . اسمع هذه النغمة تتردد فى أشعاره فى مناسبات كثيرة . وهى فى كل مرة قوية مؤثرة تعبر عن إيمانه العميق فاصغ إليه وهو يقول عندما زار السودان رفيعة على ماهر باشا وزملاؤه :

قدمتم فلا والله ما الفجر طالعا

                    بأجمل منكم فى العيون مطالعا

على الرحب يا وفد الكنانة فأنزلوا                                  

                       نزول كريم الغيث يهبط نافعا

معالى الوزير إننا نحن أمة

                     علينا لكم فضل لبسناه يافعا

أليس الذى أشدو به اليوم بينكم                                        

                      بضائعكم ردت إليكم بدائعا ؟

إذا قيل أى الناس ترضون إخوة                                  

                      مددنا إليكم معجبين الأصابعا

وهل مصر والسودان إلا عشيرة                                    

                   على النيل محياها وشعباهما معا

ولا فرق إلا أنكم في مصبه

                              نزلتم وأنا قد نزلنا التابعا

وفى مصر فاروق العزيز كفي به

                لحوزة وادى النيل والدين مانا

وفى مقام آخر يقول :

فليس سوى الإسلام من وطن لنا

                        ولا غير أهلية أعد صحابا

كفي بقبيل الله جنسا ومذهبا

                   وبالله ربا والكتاب كتابا                          ويقول :

أحب بلادى حب مجنون عامر

                        وأذكر ميثاقا لها وعهودا

وما يجدي إلا الحنيف وأهله

                            بنفسي آباء به وجدودا

هو الدار لا دار سواها لقاطن                                          

                           ولا غير واديها يطيب ورودا

إذا ضاق من سكانه كل موطن

                        فمن سا كنيها لا تضيق حدودوا

والشيخ عبد الله شاعر تهتز عاطفه لفعل الخير ، والحث على فعل الخير ، لانه يرى فى ذلك إرضاء لوطنيته ودينه . وهو فى هذه المواقف مجيد ، لأنه يعبر عن شعور صادق ، فاستمع إليه يقول من قصيدة عن الملجأ الذى أسس سنة ١٩٣٧ بأم درمان لإيواء أبناء السبيل واليتامى :

وطفل كساه الجوع من ظلماته

                        فأمسى وما يدرى النهار نهارا

يراه الأسى سهما ، فلو قد رأيته

                         لوليت من مرأي الغلام فرارا

تقاذفه ، وجه النهار ، شوارع

                         وفى الليل يعتاد المقاهى دارا

يقول بصوت غافت ، ما أمره

                     بسمي ، أقلني في الخطوب عثارا

فلما بميسور مددت له يدي

                        وأنشأ فى شخصه يتواري

أشرت إليه : أين نذهب يافتى ؟

                   فقال ، وأذرى الدمع : نحن حيارى

ترى ذلك المسكين كيف مبيته                        

                    وقد ضاق ذرعا بالمعاش وحارا                        فواها على غصن ذوى فى اخضراره

                      فواها على ماء النضارة غارا

وفي الديوان مدائح وصرات ، ولكنها قليلة ، مما يتناسب مع طبع الشاعري . فهو لا يمدح ولا يرثى إلا من يستحق المدح والثراء ، ومقياس الاستحقاق عنده هو العمل النافع ، قوميا كان أو دينيا . وفى مدحه ورثائه

يتكلم عن شعور معتدل لا يسرف ولا يتملق .

والقارئ للديوان يدرك أن حياة الشاعر كلها جد ، وتندر فيها مواقف المرح واللهو والدعابة . وهو - حتى عند ما يداعب - لا يلبث أن يعود إلى جده . قال ، وهو  يودع الأستاذ الأزهري ، عند سفره للتعلم فى لبنان ، وقد كان زيه شيخا فلبس الزي الأوربى :

ياليت شعري إن أنى عائدا    وقد رمى القفطان فى زاويه                               يظل فى بذلته راملا            أم يستعيد الجبة الزاهيه

ارجع لما قد كنت فيما مضى  شيخا له اثوابه الضافية

فيا أخا بيروت أنت الذى     منه البلاد نفعها راجيه

ومما يتميز به شعر الشيخ عبد الله أنه قريب المعاني ، سهل الوصول إليها ، لا يحتاج من قارئه إلى تعمق فى التفكير ، وغوص لاستخراج هذه المعانى . ولعل هذه الميزة انعكاس لحياة الشاعر البسيطة الصريحة الواضحة ، ولنوع البيئة التى عاش فيها .

والشاعر ينهج نهج القدماء فى بدء قصائده بالغزل والتشبيب ، وبكاء الديار أو الترحم على الماضي ، ثم ينتقل من ذلك إلى موضوع قصيدته . وهو شىء وإن أخذ عليه فقد أخذ على غيره من أمراء الشعر فى العصر الحاضر كشوقى وحافظ . وعلماء النفس التحليلى يجدون فى هذا النوع من الغزل والتشيب معنى يميط المثام عن كثير من رغبات الشاعر المكبوتة . فهل هذا ينطبق على شاعرنا ؟ أو هو مجرد تقليد منه ؟ ومن محاسن غزله :

أماطت لنا ما دونه الشمس زينب

                      ولاح لنا عنها بنان مخضب

وشمنا بريقا من ثنايا تخالها

                    حصى البرد الوهاج بجلوه حبحب                               وحيت فأحيتنا ، ومال بعطفنا

                    كلام من الماذمي أحلى وأعذب

فأصبحت مشقوا وملت إلى الصبا

                     على أن رأسى با ابنة القوم أشيب

لعمرك ما هاجت غرابي خريدة

                     ولا قادني نحو الغواية مطلب

ولكن وجدا بالفضيلة هاجني                                    

                     فجاء بأبياتي هوى وتصبب                              

عشقت التى تدعى الفضيلة إنما

                          يقال لها فى مذهب الشعر زينب

والشاعر مغرم بالاقتباس من القرآن والشعر والحكم يجيده ويتفنن فيه . من ذلك قوله :

فهز من الفريض إليك جذعا

                        يساقط تمره للمعتقينا

ولا تهنوا فإن هناك قوما

                          إذا مروا بكم يتغامزونا

وقوله :

وشدنا من بيوت الله بيتا

                  نوحد فيه رب العالمينا

على التقوى تأسس فى بلاد

                  أخو الإسلام كان به ظنينا

وأدينا الفروض وكان حقا  

                  على الرحمن نصر المؤمنينا

وكذلك قوله :

غدا ينطق التاريخ حكما مسمعطا

                       لنا أو علينا لا نضيع الصنائع

وما الحكم فى التاريخ إلا وديعة

                          ولابد يوما أن ترد الودائع

وبعد فقد أطلت فى عرض هذا الديوان ، لأنه بضاعة سودانية من نوع قليل وروده . والديوان جدير بأن يقرأه كل أديب ، وجدير بأن تضعه وزارة المعارف فى مكتبات مدارسنا ، حتى يرى تلاميذنا ثمرة طيبة من ثمرات الأدب السودانى ، وبطالموا فيه عواطف صادقة لأخ وفى

اشترك في نشرتنا البريدية