جاهد الإيطاليون خلال القرن الماضى جهادا شاقا طويلا لإجلاء النمساويين عن بلادهم . واستكمال استقلالها وتحقيق وحدتها ، وقد عنوا في أثناء هذا الجهاد بخسائر فادحة وهزائم منكرة ، فلم يئن ذلك عزمهم ولم ينل منهم . وظلو يواصلون الجهاد . حتى ظفروا بالاستقلال التام ، وحققوا الوحدة الكاملة الشاملة في سنة ١٨٧٠ ، ومن المعارك التاريخية التي خسرها الإيطاليون في حرب الاستقلال معركة كاستوزا التى حدثت في سنة ١٨٤٨ . وقد اختار الكاتب الايطالى الروائي إدموندو دافنشى أحد مواقف هذه المعركة ليصور لنا بطولة غلام إيطالى يافع لم يقعد به صغر السن وشدة ما كان يعانيه من الألم في ساقه بعد إصابته برصاص الأعداء عن أداء واجبه وتبليغ الرسالة التى كلف حملها
ففي يوم ٢٤ يوليو سنة ١٨٤٨ ، وهو اليوم الأول من أيام واقعة كستوزا كانت قد صدرت الأوامر إلى ستين جنديا من إحدى فرق المشاة الإيطالية بحراسة منزل منعزل على ربوة دانية ، ولكنهم فوجئوا بهجوم كتتبتين من كتائب الجيش النمساوى من شتى الجهات ، حتى إنهم وجدوا صعوبة كبيرة فى الوصول إلى المنزل والأعتصام وإحكام إقفال بابه وإقامة الحواجز والسدود خلفه . ولمنا وثقوا من تحصين الباب أسرعوا إلى النوافذ في الطابق الأرضى والطابق الأعلى ، وأخذوا يصبون النيران على محاصريهم . وكان المحاصرون يردون على ذلك بعنف وقوة وهم يتقدمون من المنزل في شكل نصف دائرة . وكان يقود الستين جندياً ملازمان وضابط طويل القامة صموت عبوس قد ابيض شعره واسترسل شارباه وكان معهم غلام يافع من سردينيا يحمل الطبل ، ولا تتجاوز سنه أربع عشرة سنة ، وكانت عيناه سوداوين غائرتين متوقدتين ، وكان أسمر البشرة . وكان الضابط يدير حركة الدفاع من إحدى غرف الطابق الأعلى ، وكان كل امر يصدره يستمتع له صوت كطلقة
للمسدس ، وكان وجهه الحديدي لا يشي بأقل اثر من آثار العاطفة . وكان حامل الطبل قد شحب وجهه . ولكنه وضع قدمه على المنضدة وثبتها بها وأمسك بالحائط ومد راسه لينظر من النافذة ، وقد ابصر في الدخان المتصاعد والنقع المثار، النمساويين وهم يتقدمون تقدماً متصلا في ساحات القتال .
وبعد دقائق قلائل جاه جندي إلى حامل الطبل وطلب منه أن يتبعه .
فجرى الغلام علي درج السلم خلفه ودخل علية متهدمة رأي فيها الضابط وفي يده قلم رصاص وورقة ، وكان مستندا إلي سدة النافذة وعند قدميه حبل ملقى على الأرض من حبال البئر ، وطوى الضابط الورقة . وحدج الغلام بعينيه الجامدتين الرمايتين اللتين كان كل جندي ينقض فرقا حينما يصوبهما إليه . وقال في خشونة وعنف :
- أيها الطبال فارتفعت يد الغلام إلي قبعته الصغيرة وقال الضابط : هل أنت شجاع ؟ .
فبرقت عينا الغلام وأجاب : نعم يا حضرة الضابط . فصحبه الضابط إلى النافذة وقال له : أرسل طرفك رائدا إلى هنالك حيث تلتمع الخراب في الأرض القريبة من منزل فلافرسكا ، إنها فرقتنا واقفة بغير حراك فخذ هذه الورقة وأمسك بهذا الحبل وتدل من هذه النافذة واعبر الجبل مثل البرق وانطلق مسرعا خلال الحقول حتى تصل إلى رجالنا وأعط هذه الورقة لأول ضابط تلقاه ، واحمل معك حزامك وحقيبتك .
فحمل الغلام الطبال حزامه وحقيبته وخبأ الورقة في جيب صداره ، وألق الجندى الذي يساعد الضابط الحبل من النافذة بعد أن أمسك بطرفه . وساعد الضابط الغلام على تسلق النافذة وأوصاه قائلا : " كن حذرا فإن خلاص الفرقة متوقف على شجاعتك وعلى ساقيك " .
فقال الغلام وهو ينحدر من النافذة : " ثق بي يا حضرة الضابط " .
وبعد دقائق قليلة كان الغلام يسير فوق الأرض ، ورفع الجندى الحبل واختفى ، وأسرع الضابط إلى النافذة الصغيرة ، ورأي الغلام وهو يعدو منحدرا من فوق الربوة ، وأمثل أن العدو لا يبصر الغلام ، ولكن سرعان ما تصاعدت سحب من الغبار . وأدرك الضابط أن النمساويين قد رأوا الغلام وأطلقوا عليه النيران من فوق الربوة ، ولكن الغلام استمر يعدو بأقصى سرعة يستطيعها ، وبعد دقائق صاح الضابط في خوف وهلع : " لقد مات الغلام " ولكن لم تكد تنطلق هذه الكلمات من ثم رأى الغلام ينهض من كبوته ويستأنف الانطلاق .
فقال الضابط ، وقد اطمأنت نفسه : " آه إنها كانت عثرة
وانطلق الغلام في طريقه ، ولكنه كان يظلع في مشيته فقال الضابط : " لقد التوت قدمه وثار الغبار حول الغلام من هنا ومن هناك ، ولكنه كان على مسافة منه ، وقد ابتعد الغلام عن مرمى قذائف النمساويين ، فأرسل الضابط صيحة فرح ، ولكن عينه كانتا تتبعان الغلام وهو يرتجف لأن مصير رجاله كان متوقفا على هذه الدقائق القليلة ، فإذا لم يصل الغلام إلى الفرقة في التو واللحظة ومعه الرسالة التي يحملها لطلب النجدة السريعة ، فإن جميع رجاله سيقتلون أو يضطر إلى التسليم ويصبح أسير حرب عند النمساويين
وأخذ الغلام السير لحظات ، ثم تعثر في السير ، وعاد واستأنف الجري ولكنه كان يتوقف عن السير كلما مرت بضع دقائق ، وكان الضابط يراقب ذلك من النافذة ، وخطر بفكره انه ربما يكون الغلام قد أصيب في قدمه ، واخذ يراقب حركات الغلام وهو مضطرب الخاطر مهتاج النفس وكان في كل دقيقة يقيس بنظره المسافة الباقية بين الغلام وبين موقع الأسنة اللامعة من بعيد في وسط حقول القمح
وفي خلال ذلك كان يسمع أزيز طلقات الرصاص المنهمرة في غرف المنزل وصيحات الغضب التي يرسلها الجنود وانات الجرحى وصوت تكسر أثاث المنزل وتساقط البلاط الذي يغطي حيطانه . وتابعت عيناه خطوات الغلام وأخذ يصيح
بالغلام كأنه كان على مقربة منه : " تشجع ! إلى الأمام ! هاقد وقف الغلام ، ها هو ينطلق " .
وجاء إلى الضابط أحد الملازمين مبهور الأنفاس ليخبره أن العدو قد لوح لهم بمنديل أبيض دون أن ينقطع عن اطلاق الرصاص وطالب منهم الاستسلام .
فصاح به الضابط وعيناه تراقبان حركات الغلام الذي كان قد توقف عن السير في تلك اللحظة : "ولا تردوا عليهم" وأخذ يصيح بالغلام كأنه كان منه مسمع قائلا : " تقدم إلى الأمام ! أسرع ولتدم قدمك ولتذق الموت ، ولكن بلغ الرسالة للفرقة ؛ " ثم صاح صيحة يأس :
" آه لقد قعد عن الجري هذا الملعون الكسول ! " . والواقع أن رأس الغلام الذي كان يرى فوق حقول الغلال اختفى ولم يظهر ، فظن الضابط انه قد سقط من الإعياء ، ولكن بعد دقائق شاهد رأس الغلام ثانية ، ثم غاب الغلام وراء حقل القمح ولم يظهر بعد ذلك .
وأسرع الضابط إلى الطابق الأرضى ، وكان الرصاص يتوالى دراكا ، وامتلأت غرف المنزل والجرحى وكان بعضهم يترنح من الألم ، وكانت الحيطان وأرض الغرف والاثاث قد غطيت بالدماء ، وكانت جثث القتلى ملقاة عند مدخل المنزل .
وصاح الضابط برجاله قائلا : " تشجعوا " . اثبتوا في أمكنتكم فإن النجدة آتية ! تشجعوا واصبروا قليلا .
ودنا النمساويون من المنزل وبانت سختهم المشوهة خلال الدخان المعقود حول المنزل ، وسمعت أصواتهم المزعجة وهم يسبون الجنود ويهددونهم إن امتنعوا بقطع الرقاب ، وضعفت عزيمة المدافعين ، وأحسوا أن المقاومة غير مجدية وضاعف النمساوييون جهدهم . وطالبوهم بالتسليم ، فصاح الضابط من إحدى النوافذ قائلا : " كلا " واشتد هياج النمساويين ، واقتربت اللحظة الحاسمة ، وكاد صوت الضابط يختنق وهو يقول : " إن النجدة لم تأت بعد "
وإذا بأحد الجنود يقبل من العلية قائلا في صوت عال : " لقد جاءت النجدة" وشد ذلك من عزم المدافعين ، ورد على نفوسهم الأمل فضاعفوا جهدهم ، وسرعان ما تداعت صفوف النمساويين وشاعت الفوضى بينهم ، ورأى الضابط خلال الدخان قبعات الجنود الإيطاليين الذين أسرعوا لنجدته ، فجمع البقية الباقية من رجاله ، وقادهم خارج المنزل وهم شاهدو الأسنة ، فلم يستطع النمساويون الثبات ، وأخذوا
يتراجعون ، وأنفذ المنزل . ووضعت كتييتان من الجيش الإيطالي مدفعين فوق الربوة .
وانضم الضابط إلى فرقته . وخاض غمار معارك أخرى وأصيب بجرح خفيف في يده ، وبالرغم مما أظهره الإيطاليون من ضروب الشجاعة فقد اضطرهم النمساويون بكثرة عددهم إلى التراجع نحو نهر منشبوه ، وبالرغم من أن الضابط كان جريحا فإنه كان يسير في طليعة كتيبته متعبا منهوكا صامتا حتى وصل إلى جويتو الواقعة على نهر منشبو عند الغروب ، وما لبث أن أخذ يبحث عن الملازم مساعده ، وكان قد أصيب بكسر في ذراعه وحملته النقالة . فدلوه على كتيبتة قد أقيم فيها مستشفى للجرحى ، فذهب إليها ، وكانت غامة بالجرحى ، وكان هناك اثنان من الأطباء الجراحين منهمكين في العمل ، ولم يكن يسمع سوى أنان الجرحى وتوجعهم .
ولما دخل الضابط الحجرة أخذ يدير طرفه في الموجودين ليرى الملازم ، وفي تلك اللحظة سمع صوتا ضعيفا يناديه : " يا حضرة الضابط " فاتجه ناحية الصوت ، وإذا به يرى الغلام الطبال وكان قد مدد على سرير خشبى وغطى إلى عنقه بقطعة من القماش الغليظ منزعة من ستارة حاجز قديمة ، وكانت ذراعاه الهزيلتان محدودتين خارج الغطاء ولكن عينيه كانتا كشعلتين من النار .
فقال الضابط وقد أخذته الدهشة : ما هذا ؟ أنت هنا ! لقد أحسنت القيام بواجبك .
فقال الغلام : لقد بذلت غاية ما في وسعي .
فسأله الضابط وهو يدور بعينه باحثا عن الملازم : هل جرحت ؟ .
فقال الغلام : لقد جريت بأقصى سرعة أستطيعها وبالرغم من انحناء رأسي فإن النمساويين رأوني على الفور ، ولو لم أجرح لوصلت إلى الفرقة قبل ميعاد وصولي بعشرين دقيقة ، ولحسن الحظ قابلت في الطريق ضابطا من ضباط القيادة العامة وأعطيته الرسالة ، ولكن بصعوبة شديدة استطعت السير بعد ذلك ، وكان الظمأ قد برح بى ، وكنت أخشى أن لا أصل في الوقت المناسب ، وكنت أصيح غاضبا حنقا لأننى كنت أفكر في أن كل لحظة تمر من لحظات التاخير ترسل أحد رجالنا إلى العالم الآخر ؛ ولكني لم آل جهدا ولم ادخر وسعا ، وأنا مغتبط لذلك . ثم التفت إلى الضابط وقال له : معذرة إن الدم يتساقط من يدك
والواقع أن يد الضابط كان يتدفق منها الدم لأنها لم يحكم لفها ، وقال له الغلام : دعني أشد رباطها . فأعطاه الضابط يده ليشد عليها الرباط ، وهم الغلام بشد الرباط وإحكامه فخدلته قوته وارتمى على الفراش . فقال له الضابط : كفى كفى ؛ وسحب يده الملفوفة التي أراد الغلام الطبال ان يوثق رباطها ، وقال له الضابط : إعتن بنفسك بدلا من التفكير في غيرك ، والجروح الخفيفة إذا أهملت تكون لها عواقب وخيمة
فهز الغلام رأسه . والتفت إليه الضابط وقال له : لا بد أنك قد فقدت الكثير من دمك
فأعاد الغلام ضاحكا : فقدت الكثير من دمي ؟ لقد فقدت شيئا أكثر من الدم . أنظر ! . وأزال عن نفسه الغطاء . فتراجع الضابط مذعورا .
لم يكن للغلام سوى سااق واحدة ، وكانت الساق اليسرى قد بترت إلى ما فوق الركبة ، وكان الجزء الباقى من الساق ملفوفا في قماش قد علته الدماء .
وفي تلك اللحظة مر أحد أطباء الجيش ، وكان رجلا بدينا صغير الجرم ، فقال في لهجة سريعة مشيرا إلى الغلام الطبال : آه يا حضرة الضابط ، إنها حالة من حالات الحظ السئ ، فإن هذه الساق كان يمكن إنقاذها بسهولة لو لم يكن قد أجهدها فأحدث ذلك التهابا بها ، وصار من اللازم بترها ، ولكنه شجاع ، وأؤكد لك ذلك ، فهو يذرف دمعة ولم يرسل صرخة ، ولقد كنت فخورا وأنا اقوم بالعملية حينما كنت أفكر انه غلام إيطالي ، وإني أقسم لك بشرفي على هذا ! ويقينا ان هذا الغلام من أصل كريم .
ومضى الطبيب الجراح في طريقه .
وحضن الضابط جبينه الأبيض الشعر المتكاتفه ، وأثبت عينيه في الطبال الصغير وهو يسدل عليه الغطاء وفي بطء ، وتمهل ودون أن يدري ما هو صانع اتجهت يده إلى قبعته ورفعها . فدهش الغلام وصاح قائلا :
يا حضرة الضابط ! أهذا من أجلي يا حضرة الضابط . فأجاب هذا الجندى الخشن الهرم الذي لم يفه قط بكلمة رقيقة لمن هم دونه في صوت رقيق يفيض عطفا وحنانا : " لست سوى ضابط ، أما أنت فإنك بطل " . وطوق بذراعيه الطبال الصغير وقبله بمجامع قلبه .
