الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 702الرجوع إلى "الثقافة"

من أدب جى دى موبسان, العقد

Share

جى دى موبسان هو زعيم كتاب الأقصوصة فى الأدب الفرنسى وأثبتهم فيها قدما ، وأبعدهم شهرة ، وأبقاهم اثرا ، وقد تخرج فى مدرسة الروائى الفنان الكبير فلوبير ، وحاكاه فى فنه الممتاز ، وتجويده المبدع ، حتى استقل بطريقته الخاصة فى كتابة القصة القصيرة ، وظفر بإعجاب أستاذه وتقدير جهابذة النقد . وموبسان يعد فى طليعة كتاب القصة القصيرة فى الأدب العالمى ، ولا يطاوله فى هذه المكانة بحق سوى الكاتب الروائى الروسى أنطون تشيكوف ؛ وهما يفوقان أضرابهما ويرجحان عليهم من ناحيتين : ناحية الإجادة الفنية ، وناحية غزارة الإنتاج ، ولكل منهما خصائصه ومميزاته . فموباسان أدق وصفا ، وأبلغ أسلوبا ، وأقدر على تصوير الطبائع والأخلاق ، وتشيكوف أقوى فى إدراك الحالات النفسية ، والمواقف المختلفة واستخصار الجو الملائم للقصة . وقد أتقن موباسان فنه بطول المزاولة وشدة الصبر والمطاولة حتى أصبحت قصصه وأقصوصاته نماذج تحتذى فى هذا الفن المعجز ، فن كتابة القصة القصيرة . وقصة ( العقد ) التى أقدمها للقارئ تتجلى فيها براعة فنه ، ومزايا طريقته ، وهى تعد من أشهر القصص القصيرة فى الأدب العالمى ، وقد بدأها بوصف بطلة القصة فقال : -

" كانت من الفتيات الحسان الفاتنات اللواتى يولدن فى أسر رقيقة الحال ليس لها مكانة مرموقة ولا جاه باذخ ، ولم تكن تملك صداقا ، ولا تنتظر ثروة ترثها عن احد ولذا لم يكن لها أمل فى أن تلقى رجلا ثريا ذا جاه يفهمها ويحبها ويتزوجها ، فلما تقدم لها كاتب صغير فى وزارة المعارف طالبا الزواج بها قبلت ووافقت .

وكانت ملابسها عادية ، إذ لم يكن فى وسعها أن تتألق وتتجمل ، ولكنها كانت تشعر بانها عاثرة الخط كأنها تزوجت رجلا دونها مكانة ، والنساء لا يعتمدن على الطبقة ولا على

التبعة ، والجمال والرشاقة والفتنة تحل عندهن محل الهتد والنشأة ، والرقة الطبيعية وفرط التهذيب الغريزى والقدرة على التكيف هى الأسس التى يقوم عليها ادعاء الارستقراطية عند المرأة ، وهي التى ترفع الفتيات من الطبقات الأدنى إلى مستوى أعظم السيدات العظيمات ؛ وكان اعتقادها الراسخ بأنها خلقت لتحظى بالمتع وتعيش عيشة الترف يجعلها أبدا قلقة جامحة ؛ كان الوسط الذى تعيش فيه يضايقها ويملها ، وكانت حيطان المنزل القذرة وأثاثه البالى وأقمشته الرثة مصدر ألم دائم لها ، وكانت بعض التفصيلات التى لا تكاد تلاحظها امرأة أخرى من طبقتها تحز فى نفسها وتملؤها سخطا وغيظا ، فمنظر خادمتها الصغيرة كان مثار تذمر واستياء وباعث تطلعات جنونية وأوهام بعيدة ؛ وكانت تصور لنفسها الحجرات الصامتة المفروشة بالطنافس الغالية والسجاجيد الشرقية والتى تضيئها الثريات البرنزية الكبيرة وقد أثرت حرارة الموقد فى خادمين طويلى القامة قد ارتديا السراويل التى تصل إلى الركبة فغطا فى النوم وهما جالسان على مقعدين من المقاعد الضخمة ، وكانت تحلم بقاعات الرسم والتصوير الفسيحة وبها ستائر من الحرير القديم العهد ومناضد جميلة مثقلة بالتحف الغالية ، وتحلم بالمخادع الأنيقة الرشيقة التى تتضوع منها الروائح العطرة والتى تصلح لأحاديث النساء التى تدور بين الأصدقاء الأعزاء من الرجال الممتازين البارزين الذين تطمع كل امرأة فى جذب التفاتهم لها .

وكانت تجلس لتناول الغداء على المائدة المستديرة ، وقد جلس زوجها أمامها ورفع الغطاء عن سلطانية الحساء وعبر عن إعجابه بالحساء واستحسانه له ، ولكن أفكارها كانت تداعب فكرة الأطعمة الفاخرة والفضة الامعة فى الغرف المحلاة الحيطان بالتصاوير العجيبة والطيور الغريبة الشكل فى غابات الجان ، وتحلم بالصحاف المستطابة وبالهمسات الناعمة

التى لا تحمل معنى والتى تثير ابتسامات غامضة .

ولم يكن فى حوزتها ملابس جميلة ولا جواهر ولا شئ من أسباب الزينة ، وبالرغم من ذلك فإنها لم تكن تفكر فى غير تلك الأشياء ، لأنها كانت تشعر بأنها ولدت لتلبس وتتجمل ، وتفتن الأنظار ، وتخلب العقول ، وتغار منها النساء ويخطب ودها الرجال ، وكان لها صديقة ميسورة الحال كانت زميلتها فى المدرسة ، وكانت تملك الكثير من الحلى والجواهر وقد امتنعت عن زيارة هذه الصديقة بعد حين من الزمن لأنها كانت تتألم كلما وازنت بين حالتها وحالة صديقتها ، وتعود إلى منزلها حزينة كسيرة القلب ، وتقضى أيامها كلها محزونة باكية آسفة يائسة بائسة .

وفى ذات مساء عاد زوجها فرحا مسرورا ، وفى يده ظرف وصاح بها قائلا لقد أحضرت لك شيئا .

فأسرعت إلى فض الغلاف ووجدت فيه بطاقة مطبوعة قد كتب عليها " وزير المعارف ومدام جورج راميتو يتشرفان بدعوة المسيو لوازيل وحرمه إلى حفلة خاصة فى ديوان الوزارة يوم الاثنين الثامن عشر من شهر يناير " ولكن بدلا من أن تسرها هذه الدعوة فإنها ألقت البطاقة بغضب على المنضدة وهى تقول : " ما انتفاعى بهذه الدعوة ؟ " فأجابها زوجها : " لم ذلك يا عزيزتى ؛ لقد ظننت أن هذا يسرك ، فإنك لا تغادرين المنزل . وهذه فرصة بديعة لك ، ولقد بذلت جهدا فى الحصول على هذه البطاقة لأن الدعوة مقصورة على قليل من الموظفين البارزين " .

فنظرت إليه غاضبة مغيظة وقالت فى حدة : " و ماذا تنتظر منى أن ألبسه فى مثل هذا الحفل ؟ "

ولم يكن قد فكر فى هذا الموضوع . ولكنه قال فى تردد : " يبدو لى أن الثوب الذى تعودت لبسه عند ذهابك إلى المسرح مناسب . . "

وأمسك عن الكلام فقد ساءه وأزعجه أن رأى زوجته باكية مكروبة ، وكانت دمعتان كبيرتان تنحدران على وجنتيها فى بطء

وبصعوبة قال لها : " ما بك ؟ ماذا أصابك ؟ "

فتمالكت جأشها بعد جهد ومسحت وجنتيها المخضتين ، وقالت فى صوت هادىء : " لا شئ . ليس عندى ثوب

للسهرة . ولذا لا أستطيع الذهاب إلى الحفل ، فأعط بطاقة الدعوة لأحد زملائك فى الوزارة من الذين زوجاتهم أحسن منى ملبسا " .

فاستولى عليه الانقباض ولاعه الألم وقال لنبحث الموضوع يا متيلدا ، كم يساوي ثوب السهرة المناسب الذى يمكن استعماله فى هذه المناسبة وفى مناسبات أخرى شبيهات بها ؟ "

فأجالت الأمر فى بالها دقائق ، وفكرت فى مدى المبلغ الكبير الذى لا يزعزع غريزة الاقتصاد فى كاتب صغير ويحمله على الرفض ، وقالت أخيرا وهى متشككة " إنى لا أكاد أعرفه على وجه الدقة ، وربما تكفى أربعمائة فرنك " .

فاصفر وجهه قليلا . فقد اقتصد ما يعادل هذا المبلغ ليشترى به بندقية صيد ، ليشترك فى الصيد مع بعض الأصدقاء فى الصيف القادم ، ولكنه أجاب " حسن ، سأعطيك هذا المبلغ ، واجتهدى أن تستحضرى ثوبا جميلا "

واقترب اليوم المحدد للدعوة ، وبالرغم من أن الثوب كان قد تم تفصيله فإن مدام لوازيل ظلت مغمومة مهمومة ، فسألها زوجها ذات مساء " إنك لست كعادتك فى الأيام الثلاثة الأخيرة

فأجابته يضايقنى أننى ليس عندى حلى لألبسها ، حتى ولا دبوس صدر ، مما يشعرنى بأنى فقيرة ، إنى أفضل التخلف عن الحضور ،

فأجابها زوجها " تستطيعين أن تتزينى ببعض نواضر الأزهار ، إنها الطراز الجديد فى هذا العام ، ويمكنك الحصول على زهرتين أو ثلاث زهرات باهرات لقاء عشرة فرنكات " .

فلم تقتنع ، وقالت لاشئ أكثر إذلالا للنفس من أن يظهر الإنسان بمظهر الفقر فى حشد من النساء الثريات " .

فأجابها زوجها " ما أسخفك ! لم لا تطلبين من صديقتك مدام فورستييه أن تعيرك بعض حليها ، وأنت تعرفينها معرفة صميمة ؟

فاطلقت منها صيحة فرح وقالت نعم ، إن هذا لم يخطر ببالى

وفى اليوم التالى زارت صديقتها ووصفت لها ورطتها وأزمتها ، فصحبتها مدام فورستييه إلى صوانها وأخرجت

منه صندوق الحلى والجواهر ، وقالت لها " خذى منه ما تشائين " .

وبعد البحث وقع اختيارها على عقد ماسى فاخر أعجبها واستطار صوابها ، وأخذ قلبها ينبض بالرغبة الجنونية . وبيدين مرتجفتين أخذته ووضعته على ثوبها ووقفت تنظر إلى نفسها وهى فى نشوة من الطرب والارتياح ، ثم قالت لصديقتها وقد خالجها شك أليم " أتعيريننى هذا ؟ "

فقلت لها صديقتها نعم بكل تأكيد "

فطوقت بذراعها صديقتها وأوسعتها تقبيلا ، وانطلقت حاملة هذا الكنز الثمين .

وجاءت ليلة الحفل ، وانتصرت مدام لوازيل انتصارا باهرا ، وكانت أجمل سيدة فى الحجرة . وقد استخفها السرور ، وتوجهت إليها أنظار الرجال ، وسألوا عن اسمها والتمسوا أن يقدموا لها وقد استرعت نظر الوزير نفسه ، واستطار لبها ذلك السرور الذى غمرها وهى مستمتعة بنجاحها مفاخرة بجمالها ، فاشتركت فى الرقص وكانت كأنها تسبح فى حلم جميل قد اختلط فيه ما أثارته من الإعجاب وما قدم لها من آيات الولاء وما حركته من رغبات ، وذلك الانتصار التام الحبيب إلى قلوب النساء.

ولم تستطع أن تنتزع نفسها من هذا الحفل قبل الساعة الرابعة ، وكان زوجها منذ منتصف الليل وهو يغالب النعاس فى إحدى غرف الجلوس المهجورة مع ثلاثة آخرين من الرجال كانت زوجاتهم غارقات فى الاستمتاع بالحفل .

وألقى زوجها على كتفيها ثوب الخروج العادى ، وكان من ملابسها اليومية العادية التى تبدو حقيرة إلى جانب ثوب السهرة الفاخر ، وشعرت بالتناقض ، وحرصت على الإسراع فى الخروج حتى تفلت من ملاحظة النساء الآخريات اللواتى كن يلبسن الفراء الثمين . وحاول لوازيل أن يكبحها ويهدىء من سرعتها فقال لها انتظرى حتى أحضر لك عربة ، فإنى أخشى عليك البرد إذا خرجت إلى الطريق " ولكنها لم تصغ لكلامه وبادرت إلى النزول من سلام الديوان ، ولم يجدا عربات ، وظلا يبحثان عبثا ، واتجها إلى ناحية نهر السين ، وأخيرا وجدا على رصيف الشاطئ إحدى العربات القديمة التى لا تظهر فى باريس إلا بعد منتصف الليل كأنها

تستحى من قذارتها وحقارتها فلا تظهر فى ضوء النهار ، وحملتهما العربة إلى باب منزلها فى شارع الشهداء ، وصعدا سلالم المنزل الكئية حيث يسكنان ، وانتهى كل شئ بالقياس إليها ، أما زوجها فكان يفكر فى أن عليه فى اليوم التالى أن يكون فى عمله حوالى الساعة العاشرة .

وألقت الثوب الخارجى أمام المرآة لكى تنظر إلى نفسها وهى فى حقل زينتها نظرة أخيرة ، ولكنها أرسلت فجاءة صرخة ، فإن العقد الماسى لم يكن حول جيدها .

فقال لها زوجها . وكان قد خلع جانبا من ملابسه ؛ ماذا حدث ؟

فالفتت إليه وهى مضطرية متفزعة وقالت وهى لا تكاد تبين : لقد فقدت عقد مدام فورستييه .

فقال زوجها : ماذا ؟ فقدت العقد ؟ هذا غير تمكن وبحثا عنه فى ثنايا الثياب وفتشا جيوبهما ولكن عبثا.

- أكنت واثقة من أنك كنت تلبسينه حينما غادرنا المرقص ؟ .

نعم أذكر أنى تحسسته وأنا فى ردهة الوزارة . ولكن لو كنت فقدته فى الشارع لكنا سمعنا

صوت سقوطه . فلا بد من أن يكون قد سقط فى العربة . نعم . إنى أظن ذلك فهل معك رقم العربة ؟ لا

ونظر كل منهما إلى الآخر وقد استولى عليهما الرعب . وفى النهاية أعاد لوازيل ارتداء ملابسه .

سأسير من الطريق الذى قطعناه معا وأحاول أن أجده . وغادر المنزل ، أما هى فإنها لم تجد فى نفسها من القوة ما يعينها على الذهاب إلى الفراش . ولم تكن تستطيع التفكير فارتمت على أحد المقاعد وظلت به فى ثوب السهرة .

وعاد زوجها فى الساعة السابعة صباحا دون أن يجد العقد ، وقد أبلغ الشرطة ، وأعلن فى الجرائد عن جائزة ، واستفسر فى كل العربات . وزارا كل مكان كانا فيه . وظلت زوجته تنتظره وهى تفكر طوال النهار فى الكارثة المنتظرة .

وعاد زوجها فى المساء وقد ذهبت جهوده أدراج الرياح وقال لها اكتبى إلى صديقتك وقولى لها إن مقبض العقد

قد كسر ، وإنك تصلحينه . وهذا يعطينا وقتا للتفكير فى أشياء أخرى " .

فكتبت إليها رسالة تبلغها ذلك

وانقضى أسبوع ، ويئسا من وجود العقد ، وقال لوازيل الذى بدا أكبر من سنه خمس سنوات " علينا أن نتخذ الإجراءات لاستحضار عقد بدلا منه .

وفى اليوم التالى حمل العلبة الفارغة التى كان بها العقد وقصد أحد الجوهريين ، وكان اسمه مكتوبا فوق العلبة . فرجع الرجل إلى دفاتره وقال " إن العقد لم يصنع عندى وإنما صنعت عندى العلبة وحدها ،

وظلا يتنقلان من جوهرى إلى آخر محاولين أن يجدا عقدا مثل العقد المفقود ، وكانا كلاهما فى حزن وهم .

وأخيرا وجدا فى أحد الحوانيت عقدا ماسيا يماثل تماما العقد الضائع ، وكان ثمنه أربعين ألف فرنك ، وقبل الجوهرى أن يبيعه لهما بمبلغ ستة وثلاثين ألف فرنك . فطلبا إليه أن لا يتصرف بالعقد مدة ثلاثة أيام ، ووافقا على شرط أن يكون له الحق فى أن يبيعه بمبلغ أربعة وثلاثين ألف فرنك إذا وجد العقد الأصلى قبل نهاية شهر فبراير .

وكان لوازيل قد ورث مبلغ ثمانية عشر ألف فرنك ، واضطر إلى أن يقترض من جهات مختلفة ما يعادل هذا المبلغ ، وقبل شروطا شديدة وعامل المرابين وذهب ليشترى العقد ، وهو يعلم ماسيستهدف له من الحرمان والشقاء وما سيلقاه من العنت ويتجرعه من الغصص والآلام .

ولما أعادت مدام لوازيل العقد قالت لها مدام فورستييه عاتبة عليك لائمة لها " كان يجب أن ترديه أسرع من ذلك ، فربما كنت قد احتجت إليه " .

ومما فرج كرب مدام لوازيل أن مدام فورستييه لم تفتح العلبة ، لأنها لو لاحظت التغيير ماذا كانت تظن ؛ وماذا كانت تقول ؟ ربما كانت تظنها لصة .

عرفت مدام لوازيل بعد ذلك فظاعات الفقر المدقع والحاجة الملحة ، وقد وطنت نفسها فى احتمالها ، وقامت بدورها فى بطولة ، فهذا الدين الضخم لابد من وفائه . وصممت هى على هذا الوفاء ، ففصلت الخادمة ، وانتقلا من الشقة التى كانا يقيمان بها إلى غرفة على سطح أحد المنازل .

وتولت هى القيام بكل أعمال المنزل وواجبات المطبخ البغيضة ، فكانت تغسل الأوانى والأطباق . وتغسل الملابس وتنشرها ، وتكنس وتستحضر الماء وتلبس ملابس العاملات وتحمل سلتها إلى البدال والخضرى والقصاب ، وتحاسب وتساوم وتناقش وتجادل حريصة على كل مبلغ مهما صغر ، وكان زوجها يقضى أمسياته فى عمل الحسابات عند أحد أصحاب المتاجر . وينسخ فى الليل بعض الأوراق لقاء مبلغ زهيد من المال .

وقد استمرت هذه الحال عشر سنوات ، وفى آخر المدة كان الدين قد سدد ودفعت أرباحه المتجمعة .

وكانت مدام لوازيل تبدو حينذاك امرأة عجوزا ، وأصبحت أنموذجا لزوجة الرجل الفقير الفظة الغليظة ، وأهملت شعرها ، وتركت العناية بملابسها ، وفقد صوتها رقته ورخامته . وفى أثناء غياب زوجها فى عمله بالوزارة كانت تجلس أحيانا إلى جانب النافذة فتشرد أفكارها وتتجه إلى هذا المساء البعيد ، ذلك المساء الذى سطح فيه جمالها وكمل فيه انتصارها ، فماذا كانت تكون الخاتمة لو لم تفقد العقد ؛ من يستطيع أن يعرف ؟ ومن يستطيع أن يدرى ؟ فما أغرب مصادفات الحياة وما أكثر تنوعها ، وما أضأل الأشياء التى قد تنقذ حياة الإنسان وقد تفسدها !

واتفق فى أحد أيام الأحد أن خرجت فى نزهة إلى الحدائق لترفه عن نفسها من عناء الأسبوع ، فأبصرت سيدة معها طفل ، وعرفت أن هذه السيدة هى مدام فورستييه ، وكانت تبدو صغيرة السن غضة الشباب ناضرة العود ، وما تزال فاتنة جذابة ، فجاشت عواطف مدام لوازيل فهل تخاطبها ؛ ولم لا ! لقد وفت الدين ! لماذا لا تخبرها القصة بحذافيرها ؟ وتقدمت منها وقالت لها سعد صباحك يا جان "

فلم تعرفها صديقتها وأدهشها أن تقدم مثل هذه المرأة العادية على تحيتها !

أخشى أننى لا أعرفك يا سيدتى - ربما تكونين قد أخطأت .

- لا - أنا ماتيلدا لوازيل . فأطلقت مدام فورستييه صيحة وقالت : آه يا متيلدا البائسة لشد ما تغيرت

- نعم لقد لقيت أياما شديدة ، واحتملت الكثير منذ آخر مرة رأيتك فيها ، ولم يكن هناك نهاية لما أكابده من العناء ، وقد كنت أنت سبب هذا كله .

- أنا سبب هذا كله ؟ وماذا تعنين بذلك ؛ - تذكرين العقد الناس الذى أعرتنى إياه لألبسه فى الحفل الذى كنت قد دعيت إليه فى وزارة المعارف ؟

- نعم أذكر ذلك جيدا - إننى فقدته

- إننى لم أفهم ما تقولين . لقد أعدته إلى - كان عقدا آخر الذى اعدته إليك يشبهه تمام الشبه . وظلنا ندفع ثمنه طوال السنوات العشر الأخيرة . وتعرفين

أن ذلك لم يكن من السهل على قوم مثلنا لا يملكون شيئا ، ومهما يكن من الأمر فقد انتهى كل شئ .

فوقفت مدام فورستييه جامدة بغير حراك .

- تريدين أن تقولى إنك اشتريت عقدا ماسيا بدلا من عقدى الذى فقد

- نعم ، وأنت لم تلحظى ذلك لقد كانا متشابهين الشبه كله .

وضحكت مدام لوازيل فى كبرياء واقتناع !

فأمسكت مدام فورستييه بكلتا يديها وهى تعانى شدة وألما - آه يا متلدا البائسة لقد كان عقدى زائفا ! ولم يكن

يساوى أكثر من خمسمائة فرنك .

اشترك في نشرتنا البريدية