الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 657الرجوع إلى "الثقافة"

من أدب سمرست موم، صديق الشدة

Share

سمرست موم من كبار الكتاب الروائيين ذوي الشهرة العالمية في الوقت الحاضر ، وهو بعد موت الكاتبين الكبيرين ويلز وبرنارد شو يعد شيخ الكتاب البريطانيين المعاصرين وأبعدهم شهرة ، وقد نال هذه المكانة المرموقة برواياته الكثيرة الممتعة وقصصه وأقصوصاته المحكمة السبك البليغة الأداء . ومسرحياته الشائقة . وسمرست روائي مطبوع له ملكة مطواع ، وعنده معين لا ينضب من الابتكار والتنويع ، وقد زاده بسطة في معرفة النفس الإنسانية وخبرة بالطباع كثرة تجاربة ومشاهداته وأسفاره ورحلاته ؛ ورواياته ومسرحياته حافلة الشخصيات المختلفة وطرز الأخلاق المتباينة ، وهو يحاول أن يصف الطبيعة البشرية كما هي بغير طلاء ولا تتميق ؛ وهذه الواقعية الصارمة قد تميل بنا في بعض الأحيان إلى أن نعزو إليه شيئا من القسوة والكلية في تصوير الطباع وكشف خفايا النفوس ؛ ولكن حينما نطيل النظر في فن الرجل وطريقته نجد أنه فنان مخلص لا يلقن أشخاصه حكما أخلاقية متكلفة ، ولا يجرهم إلى مواقف مفتعلة غير طبيعية ، وإنما يترك لهم حرية الانطلاق مع منطق طبائعهم ومقتضيات نشأتهم وتكوينهم ، والكثيرون ممن تلقاهم في رواياته لا يرفعون من شأن الإنسان في نظرنا ، ولكن موم لا يريد أن يكذبنا في القول ويزيف لنا الفن ؛ وماذنب الرجل إذا كان النقص أقرب إلى طباعنا من الكمال ، وإذا كان وراء النواحي اللامعة المتألفة في حياة الناس بعض الجوانب الأخرى الشوهاء البغيضة للمنفرة ؟ والقصة التي أقدمها للقراء من أقصوصاته التي تبين طريقته واتجاهه، وقد جري فيها على أسلوبه للمعهود ، فبدأها بملاحظة تبين لنا منزع القصة وهدفها ، وموم على ما يبدو لي يحب أن يسخر من سذاجة الناس وانخداعهم بالظواهر وادعائهم العريض بأنهم يفهمون النفوس ويستبطنون خفاياها ، ولنا كثيرا ما يحدثنا عن أحد أبطال رواياته ويعدد لنا صفاته وملامحه ، فنتسرع

في الحكم عليه ونحسبه من أحسن الناس أخلاقا وأخلصهم نية وأطيبهم قلبا ، فإذا به من السفلة الأوغاد والأشرار المجرمين ؛ وقد تبدأ بسوء الظن بالبطل واستثقال ظله والتبرم بأحاديثه، فإذا بالمؤلف يكشف لنا عن نواح باهرة في أخلاقه جديرة بالإعجاب والتقدير ، وكان الرجل مغري بالضحك من فراستنا والعبث بظنوننا وتقديراتنا ؟ وهو يرمي من وراء ذلك إلى شئ جدى ، وهو أن يرينا ويقنعنا بأن الحكم على أخلاق الناس ليس بالبساطة أو السهولة التي يظنها الكثيرون ، وان نفوس الناس صناديق مقفلة حافلة بالخفايا والأسرار والمتناقضات ، وهو شئ يحزن نفوسنا ، لأنه يكاد يرينا استحالة المعرفة ، ويمس كرامة الغرور الحبيب إلى النفوس ، ولكنه من ناحية اخري يعودنا الحذر والأناة في إصدار الأحكام والأخذ بظواهر الأمور : -

لقد قضيت حتى اليوم ثلاثين عاما وانا عاكف على دراسة زملائي البشر ، ومع ذلك لا أعرف عنهم سوي النزر الميسير ، وإني لأنردد في اختيار خادم بمجرد ما يبدو على حياء ، ومع ذلك فإن أكبر ظني هو أننا نحكم على أكثر من نلقي من الناس بما يبدو على وجوههم ، ونحن نستخرج النتائج عن أخلاقهم مما نراه من شكل أشداقهم ونظرات عيونهم وهيئة أفواههم ، وإني لأعجب إذا كنا نصيب في ذلك أكثر مما نخطئ ؛ وأغلب الروايات والمسرحيات غير أمينة في تصوير الحياة ، لأن مؤلفيها يصورون الإنسان موحد الطبيعة ، في حين أن معظم الناس لا يخلون من التناقض ، ونحن البشر مجموعة من المتناقضات ، وأنا أهز كتفي حينها يذكر لي الناس أن تأثراتهم الأولى عن أحد الأشخاص دائما صادقة ؛ وأظن أن أمثال هؤلاء الناس إما أنهم لم يرزقوا سوى القليل من نفاذ البصيرة وإما أنهم مغرورون . ومن ناحيتى اري أنني كلما أمعنت في معرفة الناس ازددت حيرة وارتباكا ، وأقدم أصدقائي هم الذين استطيع أن أقول عنهم إنني لا أعرف عنهم سوي بعض الأوليات .

ولقد دارت في نفسى هذه الخواطر حينما قرأت اليوم نعي إدوارد هايد برتون بمدينة كوب ، وقد كان بيرنون تاجرا ، وقد قضى سنوات عدة في بلاد اليابان ، وكانت معرفتى به قليلة ، ولكنى عنيت بأمره لأنه سبب لي دهشة عظيمة ، ولو لم أكن قد سمعت القصة منه لما اعتقدت أنه كان أهلا لمثل هذا العمل ، وكان يزيد في دهشتي أن هيئته وسلوكه كانا يوحيان إلي طرازا معينا ، فقد كان يبدو لي أنه موحد الأخلاق منسجم الطبيعة ، وكان صغير الجرم لا يتجاوز طوله خمس أقدام وأربعة قراريط ، شديد النحافة أبيض الشعر ، وكان وجهه أحمر اللون كثير التجاعيد ، وعيناء زرقاوين ، وكان يرتدي ثيابا نظيفة ملائمة لسنه ومكانته ، وأظنه كان يشارف الستين حينما عرفته ، وكان مكتبه في كوب ، ولكنه كان يختلف إلى بوكوهاما ، وحدث أنني كنت أقضي بها أياما قلائل انتظر قدوم سفينة، وقدمت له في النادي الانجليزي ولعبنا معا لعبة البردج ، وكان يحسن هذه اللعبة ويسخو فيها ، وكان قليل الكلام ، ولكن حديثه كان يدل على رجاحة العقل وحسن الإدراك ، وكانت له فكاهة هادئة جافة ، وكان يبدو أنه معروف في النادى ، وكانوا يصفونه بعد انصرافه بأنه من أحسن الناس ،

واتفق أننا كنا نحن الاثنان نازلين في الفندق الكبير ، وفي اليوم التالي دعاني لتناول الغداء معه ، ولقيت زوجته وكانت بدينة متقدمة في السن ظاهرة البشاشة ، وكريمته . وكان يبدو لي أنهما أسرة متضامنة متحابة ، والشئ الذي استرعي نظري في بيرتون هو أنه كان رقيق الحاشية ، دمت الأخلاق ، في عينيه الزرقاوين شئ يوحي الظمأنينة ، وبهيج الخاطر ، وكان صوته رخيما ، لا يخطر ببالك أنه يستطيع أن يعلو ويرتفع إذا تملك بيرتون الغضب ، وكانت بسمعته رقيقة شفاقة ؟ وموجز القول أن هذا الرجل كان يجتذبك لأنه كان يشعرك بأنه يحب إخوانه البشر حبا صادقا خالصا ، كان ساحرا فنانا ، ولكن ليس فيه ما ينفر أو يسوء ، وكان مولاعا بلعب الورق وشرب الكوكتيل ، وله أسلوب بارع في رواية الطرف والنوادر ، وكان في صباه رياضيا ، وكان غنيا ميسورا ، وقد جمع ثروته بكده واجتهاده ، وكان فيه شئ يحببه إليك ويقربه من نفسك ، وهو أنه كان خفيف الجسم هزيلا نحيلا ، يثير في نفسك الرغبة في حمايته ورد الأذي عنه ، ويشعرك بأنه لا يقوى على إيذاء ذبابة .

وفي عصر أحد الأيام كنت جالسا على أحد الكراسي المريحة في الفندق الكبير . وكان ذلك قبل الزازال، وكنت تشرف من النوافذ على منظر الثغر الأفيح المزدحم بالحركة  والنشاط ، كان هناك سفن كثيرة في طريقها من فانكوفر إلى سان فرانسيسكو أو إلى أوربا من طريق شنغهاى وهنج كنج وسنغافورة ، وكان هناك سفن مختلفة الجنسيات قد نالت منها الأسفار وأثر فيها خوض البحار ، وسفن صينية بأشرعتها الملونة ومؤخراتها العالية ، وكان المنظر الحافل بالحركة والنشاط يبعث في النفس - لأمر ما - الارتياح والسكينة ، كانت هناك قصة خيالية ، وكان يبدو أنه ما عليك إلا أن تبسط يدك لتلمسها .

وجاء برتون ولمحنى فأقبل علي وجلس على المقعد التالي لمقعدى ، وقال لى "ماذا تقول في قليل من الشراب ؟ " وصفق بيديه واستدعي الغلام وأمره باستحضار كأسين من الجن ، وحينما أحضرهما الغلام مر بالشارع الخارجى رجل ولوح بيديه عندما رآني ، فقال لي برتون بعد أن حييت الرجل : أتعرف نبرتر ؟

فأجبته : لقد لقيته في النادي . وقد علمت أن له دخلا يأتيه من وطنه الأصلي

فقال برتون : أظنه صادقا في ذلك ، وعندنا كثيرون من أمثاله .

فقلت له : إنه يحسن لعبة البردج .

فقال : هم في الغالب يحسنون هذه اللعبة ، ولقد كان هنا في العام الماضي إنسان يحمل اسما مثل اسمى ، وكان احسن لاعب بروج عرفته ، وأظنك لم تره في لندن ، كان يسمى نفسه (لي يرتون) وأظن أنه كان منتسبا إلى بعض الأندية الراقبة .

فأجبته : إنني لا أذكر أني لقيت صاحب هذا الاسم ، فاسترسل يقول : لقد كان لاعبا ممتازا ، وقد لاعبته كثيرا ، وقد قضى في كوب حينا من الزمن .

ثم احتسي كأسه ومضى يقول : إنها قصة مسلية ، لقد كان شابا لا بأس به ، وقد كنت أوده ، ولقد كان أنيق البزة ألمعيا أحوذيا وسيما جعد الشعر منورد الخدين يشغل بال النساء، ولم يكن فيه ما يسوء ويضر ، وغاية ما في الأمر أنه لم يكن له ضابط ولا عنان ، وكان يفرط في الشراب ، وأمثاله يفعلون ذلك ، وكانت ترد إليه من وطنه نقود كل ثلاثة أشهر، وكان

يجمع كذلك نقودا من اللعب بالورق ، وقد كسب مني كثيرا .

وضحك برتون ضحكة خفيفة رقيقة ، وقد كنت أعلم من تجربتي انه كان يحتمل الخسارة في البردج بنفس طيبة هادئة .

واسترسل يقول : وأظن أن هذا هو السبب الذي جعله يسعي إلي حينما أصبح خاوي الوفاض ، وربما كان من أسباب ذلك أنه كان سمى . فقد حضر إلي في مكتبي ذات يوم وسألتي أن أجد له عملا ، وقد ادهشني ذلك وأخبرني أنه لم يرد إليه نقود من الخارج وانه يريد أن يعمل ، فسألته عن سنه فقال إنه في الخامسة والثلاثين . فقلت له : وماذا كنت تعمل حتى اليوم ؟ فأجابني : كنت لا أعمل شيئا.

فلم أتمالك من الضحك وقلت له : أخشى أنني لا استطيع أن أعمل لك شيئا ، فعد إلي بعد خمسة وثلاثين عاما أخرى ، ولعلي حينذاك أري ما استطيع عمله .

فجمد في مكانه واصفار وجهه . وتردد لحظة ثم قال لي إن الحظ خانه في لعب الورق ، فإنه لم يشأ أن يقتصر على لعب البردج ، وأخذ يلعب البوكر فخسر نقوده وأصبح معدما معسرا عاجزا عن دفع نفقات الفندق الذي ينزل به ، وقد رفضت إدارة الفندق أن تعطيه أكثر مما أخذ ، وصار رجلا لا عمل له ولا مال عنده . وقال إنه إذا لم يجد عملا فليس أمامه سوي الانتحار .

فنظرت إليه قليلا . ورأيت أنه مقاول العزم مهيض الجناح ، وقد شرب اكثر من المعتاد ، وبدا أنه في الخمسين من عمره . ولو أن الغواني رأيته وهو في هذه الحالة لأعرضن عنه .

فسألته : ألا تستطيع عمل شئ سوى اللعب بالورق ؟ فقال : استطيع السباحة.

فلم أكد اصدق أذني ، وبدا لي رده سخيفا ، وقال : لقد كنت أعوم لأجل جامعتي .

وقد أدركت بعض ما رمى إليه ، وقد عرفت الكثيرين ممن كانوا يحوزون الإعجاب في جامعتهم بغير وجه حق، ولذا لم يؤثر في قوله .

وقلت : لقد كنت أنا نفسى سباحا قديرا حينما كنت شابا . وخطرت ببالي فكرة .

وتوقف بيرتون عن الكلام ثم التفت إلي وسألني :

هل تعرف مدينة كوب . فقلت : لا ، لقد مررت بها ولكنى لم اقض فيها سوى ليلة واحدة .

- إذا أنت لا تعرف نادي شيوا ، وحينما كنت شابا كنت أسبح من هناك حتى المنارة ، ومنها إلى خليج تارومي ، وهي مسافة ثلاثة أمبال ، والسباحة فيها صعبة ، وذلك لوجود تيارات حول المنارة ، وقلت للشاب سمى عنها ، وأخبرته أنه إذا قطع هذه المسافة سابحا فإنني سادير له عملا

ولمحت أنه قد اعترته دهشة وتردد . فقلت : إنك تزعم أنك سباح . فأجاب : إنني لست في حالة طيبة . فلم أقل شيئا ، وهززت كتفي .

فنظر إلي لحظة ثم طأطأ رأسه وقال : حسن ، متى تريد أن أقوم بذلك ؟

فنظرت إلى ساعتي . وكانت قد جاوزت العاشرة صباحا . - إن قطع هذه المسافة بالسباحة لا يستغرق أكثر من ساعة وربع ساعة ، وسأذهب إلى الخليج في منتصف الساعة الواحدة وألقاك هناك ، وسأحملك معي إلى النادى لترتدي ملابسك وتتناول الغداء معا .

فقال : لقد اتفقنا على ذلك .

وتصافحنا ورجوت له التوفيق ، وتركني ، وكانت عندي أعمال كثيرة في ذلك الصباح ، وقد استطعت بصعوبة أن أذهب إلى الخليج في منتصف الساعة الواحدة ، ولم يكن هناك موجب للأسراع فإنه لم يظهر بالخليج .

فسألته : أنراء خاف وأحجم في اللحظة الأخيرة ؟ . فأجاب برتون : لا، لم يخف، فقد بدأ السباحة ، ولكنه كان قد أضعف بنيته بالإفراط في الشراب والانغماس في الشهوات ، وكانت التيارات حول المنارة أقوى من أن يستطيع مغاليتها ، ولم تستخرج جثته إلا بعد ثلاثة أيام .

فلم أقل شيئا مدة دقيقة أو دقيقتين فقد هزتني قليلا هذه القصة ، ثم وجهت إلى برتون هذا السؤال :

- أكنت تعرف حينما وعدته بهذا العمل أنه سيغرق ؟ فضحك ضحكة رقيقة رقيقة ، ونظر إلي بعينيه العاطفتين الصريحتين الزرقاوين ، وحك ذقنه بيده وقال : حسن ، لم يكن في مكتبي مكان خال في تلك اللحظة .

اشترك في نشرتنا البريدية