عزيزي الأستاذ الأديب طاهر الطناحي .
لقد أهديت إلي كتابك "علي فراش الموت" فهل تدري ماذا فعلت ؟ إنك اهديت إلي في الواقع غذاء للروح معدوم النظير ، وهززت نفسي إلي اعماقها هزات ، فيها لوعة وفيها أسي ، ودفعتني إلى لون من التفكير يلازمه شجي ، ورأيتني بين عبرة في عيني، وحيرة في قلبي ، هذه هي هديتك وما فعلت بي . وكيف لا يكون الحال كذلك وقد استطعت ياصديقي ان تخرج من الأحداث أعزائي
وأحبابي ، ومن كانوا بالأمس موضوع درسي وموضع إعجابي ، أخرجتهم يمشون بيننا بعد رقود ، ويعيشون ثانية في اخريات أيامهم بعد جهاد وجهود ، ويتحدثون إلينا عن الحياة بعد نشاط وتجربة وهمود ، حديث العارف الخبير الذي ذاق حلوها ومرها ، وعرف خيرها وشرها ، سرورها وهناءها ، شقاءها وبلاءها . وكان لك الفضل الاكبر
في جمع شتات تلك الاحاديث والآراء ، مستشهدا بمختارات ممتازة من أشعار شعرائهم ، ونثر كتابهم ، ومن أفواه القادة المصلحين فيهم ، والزعماء الوطنيين منهم ، سجلت ذلك كله تسجيلا بارعا ، وصورت اولئك النجوم المتألقة تصويرا حيا رائعا ، وعرضتهم أمامنا واحدا واحدا في جمال وجلال : سعد زغلول الزعيم الوطني الموهوب ، ومحمد
عبده العالم العامل المجدد الموهوب ، ومصطفي كامل شعلة الوطنية وضرامها ، وفريد قديس الوطنية وإمامها ، واسماعيل صبري الشاعر الحكيم البعيد الاغوار ، وحافظ إبراهيم الشاعر الفحل الذي لا يشق له غبار ، وباحثة البادية ، النابغة الهادية ، زعيمة النهضة النسوية المصرية ، وحفني ناصف الشاعر الثائر الأديب المطبوع ، والوالد المتهدم المصدوع ، وعلى يوسف شيخ الصحافة وفارس الميدان ، وشوقي ينبوع الشعر عبقري البيان ، وزيدان العالم المحقق ، والمؤرخ المدقق ، العامل الشهيد ، والبكري جامع الحكمة والموسيقي في أسلوبه الفريد ، ومن إلي هؤلاء من أفذاذ الأعلام ، والجهابذة العظام .
أولئك شموس مصر ، سطعوا في سمائها زمانا ، وكان سهم لابناء مصر بل لابناء الشرق كله النور والدفء ، والهداية والرعاية ، والقوة والحياة .
وإنك لحقيق بكل ثناء وكل تهنئة ، إذا استطعت بفضل براعتك وفرط براعتك ، وصفاء نفسك ، وجمال أسلوبك ، أن تسجل في كتابك ما سجلت ، وان ترسم لكل منهم وهو يودع عالم الفناء إلي عالم البقاء صورة قلمية حية هي ادق وأكمل من الصورة الشمسية ، وان تجمع في كتاب واحد فلسفة الحياة ، من أعقل الأحياء ، قبيل مغادرة الحياة . ذلك توفيق من الله ادركته ، وحق لك أن تغتبط بما أدركت ، ونهنأ بما فعلت ، فقد خلدت ذكرك بين العاملين ، حين سجلت كلمات الخالدين .
وبعد فلعلك تظن أنك أهديت إلي بكتابك هذا هدية واحدة . كلا ، فلقد أهديت إلي هديتين اثنتين : هدية العبرة بالكتاب ، وهدية الجمال في الاهداء . فقد جاء أسلوبك في الإهداء آية في جمال الود وحسن الرأي والتقدير ، وجاء تحفة أدبية من اديب مطبوع ، فلك الشكر المكرر ، والسلام المعطر

