إن القارئ المنصف ليأخذه العجب حين يطالع تلك الفصول التي يكتبها النقاد المحدثون؛ فأكثرها يمليه الهوى، ولا يصدر من رأى خالص لوجه الحق، ولا سيما ما يكتب مقدمات لكتب المؤلفين، ودواوين الشعراء، ولكن العجب الذي لا يكاد ينتهي ما يلاحقك حين تقرأ لناقد واحد لكتاب واحد في أسبوع واحد كتابين متناقضين.
كتاب (نفحات من سيرة السيدة زينب) وضعه الأستاذ الشيخ أحمد الشرباصي ونقده الأستاذ كامل السيد شاهين في مجلة (الرسالة) بتاريخ ١٢ من ذي القعدة سنة ١٣٦٥، وفي مجلة الإسلام بتاريخ ١٦ من الشهر نفسه فبين الكلمتين أربعة أيام فقط، ولكن هذه المدة القصيرة غيرت رأي الناقد. ولو كانت إحدى المجلتين تصدر في أمريكا أو في الصين، ولو كان بين النقدين زمن طويل لالتمسنا للناقد عذراً، ولا يمكن أن يحمل كلامه في الرسالة) إلا على أنه مجاملة لزميله وصديقه، ولكن كان يجب أن يفهم أن (الرسالة) ومثيلاتها من المجلات التي تكتب للخاصة ليست موضعاً للمجاملات.
ولنسق جملة من كلتا الكلمتين ليعرف القارئ إلى أي مدى تكون المجاملة. وفي مقال الرسالة ص١١٢٢(والكتاب بعد ذلك عرض تاريخي أنيق لحياة هذه السيدة الكريمة.
فللوعاظ والمرشدين والمؤرخين المعنيين بتحقيق الشخصيات الإسلامية البارزة لهؤلاء جميعاً وضع هذا الكتاب جامعاً بين دقة البحث وطلاوة الأدب. . الخ) . فالكتاب إذن للمؤرخين الذين يعنيهم التحقيق والتدقيق وصاحبه قد بذل فيه جهداً جباراً حتى جاء دقيق البحث، فما له يصبح في مجلة الإسلام عارياً عن التحقيق جامعاً بين الغث والثمين والطم والرم، حتى في أخص ما يجب فيه التحقيق وهو تأويل آيات الله الكريمة قال الناقد ص ١٨(نحا المؤلف في تأويل الآيات القرآنية منحى شيئاً، وذلك يذكرنا بشر ما يقع فيه إنسان أن يكون كتاب الله الكريم خاضعاً في تأويله لمجارى الأهواء، وقد انساق كثير من المفسرين في هذا التيار عن غفلة وثقة بمن يأخذون عنهم، وما كنا نحب من المؤلف أن يأخذ مما قاله الرواة والمفسرون بدون تحقيق ولا تمحيص) . وإذا كان في هذه الفقرات يعيب على صاحبه عدم التحقيق في تفسير الآيات القرآنية، فهو في
موضع آخر يعيب عليه عدم التحقيق في الروايات التاريخية وهي ما قام الكتاب عليها، فلا مندوحة لمن يقرأ كلماته أن يعتقد أن المؤلف لم يحقق ولم يدقق في أصول كتابه أو فروعه. قال الناقد في مجلة الإسلام ص١٨ أيضاً (وآخر ما أذكر به المؤلف أن يراجع ما كتب، ولا يأخذ من أفواه المؤرخين والمفسرين أخذاً لينظر فيما قيل ويعرضه على شك عقله، وحقيقة دينه، فأما أن يجمع بين الغث والسمين فذلك غير ما نأمل فيه) ، وقد تلفت القارئ هذه الكلمة من الناقد (وحقيقة دينه) ولا عجب فإن الناقد يرى المؤلف بعيداً عن روح الإسلام في بعض ماكتب، قال بع أن ذكر تأويل المؤلف لآيتين من كتاب الله، وذكر هو تفسيرهما: (هذه هي روح الإسلام الصحيح ولا ينبغي أن يبتعد عنها رجل يبتغي بعلمه وجه الله ورسوله، فإن كنت يا سيدي تؤمن بأن الله اصطفى طائفة من نور، وجعل طائفة من نجس فذلك عن روح الإسلام بمعزل) .
والناقد يشير بقوله: (ولا ينبغي أن يبتعد. . الخ) أن المؤلف قصد بما ساقه عن آل البيت تملق العامة وابتغاء ما عندهم ثم ترى أن الأستاذ شاهين يذكر لصاحبه في مجلة (الرسالة) أنه تناول التربية الشعبية (بروح جديدة هي روح عالم النفس الحاذق) ، ولكنه في مجلة الإسلام يقول: (ولا أنسى أن ألوم الحسين، فأن هذا الكتاب للعامة ولا يصح أن تساق هذه الأشياء وأمثالها فيتخذها العامة ذريعة لاستحلال ما حرم الله. والحرام حرام مهما كانت مكانة فاعله ومنزلته) .
(وبعد) فإن القارئ يتبين بما نقلته مدى التناقض بين كلامي الناقد، وإنه بصنيعه هذا في المجلتين، وما ساقه امتداحاً لصاحبه ثم ما عقب به من هذا النقد الذي يهدم كل ما بناه ليذكرنا بما قاله المرحوم شوقي بك على لسان أحد أبطال روايته مجنون ليلى يخاطب منازلاً غريم قيس في حب ليلى:
منازِ بابن العم ما هذا الخبر رفعت قيساً فجعلته القمر
والآن أغربت بقتله الزمر كفعل جزار اليهود بالبقر
برأها من العيوب وعقر
أما رأيي فخلاصته أن المؤلف - على ما نعهد فيه من علم وفضل - كان في هذا الكتاب خاطب ليل، وأنه استهدف لنقد عنيف محق وأمكن الرامي من صفاء الثغرة كما يقول العرب في أمثالهم.

