الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 301 الرجوع إلى "الثقافة"

من أسرار الحياة

Share

بالأمس شاهدت فيلما سينمائيا يدور محور قصته حول حياة كلب يدعي " لاس " عاش عيشة هانئة هادئة وسط اصحابه من الناس ، يحبهم ويحبونه ، وكأنه فرد منهم ، إلي ان جاء ذلك اليوم الذي اضطر فيه رب البيت مرغما إلي بيعه ؛ فكانت صاعقة أفراد العائلة ، وهزت من كيانهم ، تزلزل بها نظام معيشتهم واضطرب . وإذا ما تتبعنا الكلب في حياته الجديدة وجدناه هو الآخر حزينا مهموما ، ينفر من اسياده الجدد ، ويمني نفسه لو استطاع الهرب ، فيحيا حياته الاولي بين قوم تفاني في خدمتهم فأحبوه وأطعموه .

إلي هنا تكاد تكون القصة عادية تمثل الواقع . ونشاهدها في كل مرفق من مرافق الحياة : حب متبادل بين الحيوان والإنسان ، وتضحية من طرف في سبيل إسعاد الطرف الآخر . أما الغريب في موضوع القصة ففيما يلى

يترك السيد الجديد بلدته - لا نكشاير - في إنجلترا ومعه كلابه ، ومن بينهم " لاس " إلى بلد آخر في اسكتلنده تبعد عن الأولى بضع عشرات من الاميال . فيحزن لاسي لذلك كل الحزن ، ويفكر جديا فيما بينه وبين نفسه في الهرب . فإذا ما اتيحت له الفرصة ونامت عنه عين حارسه ، نجده قد حل سلاسله وأطلق لنفسه العنان ، مخترقا هضابا وغابات ، سابحا في بحار كادت مياهها تتجمد ، وإذا ما حل به التعب استراح ليستأنف رحلته إلي مسقط رأسه ، إلى أهله وعشيرته في لانكشاير .

واخيرا يصل بيته الحبيب ، ولكن بعد ان يكون التعب قد اخذ منه مأخذه ، والجوع والعطش قد اضنياه وسلخا من جسمه قطعا . ولكنه لا يبالي ، بل نجد علامات

السرور والرضا مرتسمة على محياه .

تلك هي قصة لاسي او قصة الكلب الامين

والواقع أن القصة تحوي في طياتها مشكلة علمية من ادق المشكلات واصعبها ، حار في حلها العلماء وافترضوا لها شتي الفروض : كلب يقطع عشرات الأميال في بقاع لم يسبق له معرفتها ، تقوده قوة خفية تفوق في قوتها قوة المغناطيس . لعمري إني اكاد أجزم أن إنسانا مهما اوتي من درجات الذكاء ليضل في تلك البقاع إن لم يسترشد بدليل أو تخطيط يعد كل فرسخ من سيره . فهل هي قوة إلهام ام قوة ذكاء ؟ أم هي تموجات لاسلكية لا تراها العين ولم تهتد إليها بعد ؟ أم تري انها حاسة سادسة قوية كل القوة عند بعض الحيوانات ، ضعيفة كل الضعف عند الإنسان ؟ ثم ما هو التعريف العلمي لهذا الإلهام ؟ وما هي الغريزة ؟

أسئلة لا زال على العلم حلها ، وإقامة الدليل التجريبي إذا اوجدوا لها حلا . إن تلك القوة التي انارت للكلب طريقه إلي موطنه هي نفس القوة التي تدفع النحل إلي يعسوبه ، والطيور إلي أوكارها

فانظر مثلا إلي تلك الجموع من الطيور ، تعد بالعشرات بل بالمئات ، تهجر اوطانها في فصل من فصول السنة لتعود إليها في فصل آخر طالبة الدفء ، حينما حل . انظر إليها وهي تسير في سرعات متباينة ، يقودها قائد لم يسبق له معرفة الطريق ، لا يستعين بشيء الهم إلا " قوة إلهامه أو " قوة حاسته المجهولة " أو قوة غريزته !

سبحان ربي ! إن الذي يراها طائرة يكاد يجزم أنها متفقة على خطة واحدة ، واضعة ثقتها في قائدها وكأنها تشاركه في قوة إبصاره ، أو كأنها " تري " معه وطنها الجديد

قال بعضهم : إن هذا القائد هو الذي عرف الطريق ودرسه في رحلة أو رحلات ماضية حتى تعود عليه ، وقد كان أحد اعضاء مجموعة سافرت سنوات متوالية . . ومما لا شك فيه ان لهذا الرأي قيمته ، وقد أخذ به في وقت من الأوقات ؛ وعملت لذلك تجارب عدة ، فعلمت الطيور بعلامات خاصة : للأعضاء لون ، وللقائد لون مخالف فكانت النتيجة عكس ما كان متوقعا . وهذا ما كان معلوما لذوي الانظار البعيدة ؛ إذ كيف يتسنى لطير يطير على ارتفاع شاهق ، فوق بحار لا أول لها ولا آخر ، ليلا او نهارا ، في جو صاف او في غيوم مستمرة ، ان يعرف موقعه أو اتجاهه ؟ ! إن قوة غريزته هي التي تدفعه ، وتلك القوة لا تعترف ببحار او سحاب ، ولولاها ما وصل الطير سالما أو ما رحل

وقال البعض : إن لتلك الطيور حاسة تسمى " حاسة الاتجاه " تمتلكها ايضا بعض الحيوانات بصورة ظاهرة ، وخصت بها الطبيعة بعض المحظوظين من بني الإنسان ، ففي استطاعة بعض الناس ان يسيروا من محطة سكة الحديد في قلب بلد لم يطرقوها من قبل ، ولم يزوروها في يوم من الأيام ، ثم يتجولون في طرقاتها ويطوفون بأجوائها ، فإذا ما انتهت زيارتهم رجعوا من حيث أتوا دون استشارة أو سؤال . لقد وجد فيهم نوع من " قوة ذاكرة الحركات " يضعون فيها ثقتهم العمياء ، وقليلا ما تخيب ظنهم . وتلك القوة تختلف اختلافا تاما عن قوة الذاكرة أو قوة الملاحظة التي يعتمد فيها على رسم صور لبعض المنازل أو أسماء الشوارع الخ . .

إن تلك القوة هي التي ترشد الطيور إلي أوطانها ، وهي التي دفعت " لاسي " إلي اصحابه من اسكتلنده إلي لانكشاير

واخيرا ظهر على العالم رأي جديد ونظرية بديعة

تستهوي الاذهان ، قدمها عالم روسي تجنس بالجنسية الفرنسية ويدعي لاخوفيسكي . قال :

إن كل جسم حي وكل خلية حية تشع في الفضاء أمواجا لاسلكية يختلف ترددها او عدد ذبذباتها باختلاف طبيعة الجسم أو تكوين الخلية .

وما الكائن الحي إلا مصدر أمواج تشع منه في كل اتجاه ، وكأنه محطة ارسال او عدد من المحطات في جسم واحد . وما يزيد الامر عجبا ان بعض الأجسام لها قابلية خاصة لاستقبال تلك الأمواج من الأجسام الآخرى ؛ وهي نامية عند بعض الحيوانات والطيور أكثر منها عند الإنسان . وما " توارد الأفكار " إلا امواج تصدر من خلايا الدماغ ، فتصدم خلايا دماغ اخر  قابلة لتلك الامواج ، فتحرك فيه فكرا يشبه الفكر الذي سببه واصدره الدماغ الأول .

نظرية لها طرافتها ، لا يستطيع احدنا ان يخفي ابتسامة إذا ما طرقت أفقه لأول مرة . أما لاخوفيسكي فقد دعم كلامه بالبرهان ، وتحدي في ذلك معارضيه . قال :

ما الحياة إلا إشعاع كهربائي مغناطيسي يصدر من الخلايا الحية في الأحياء ، من أدق الميكروبات حتى أنمي المخلوقات وهو الإنسان ، وإن جميع الأفعال الحيوية التي تصدر منها إنما تصدر من أمواج هذا الإشعاع . فإذا أخذت بعض إناث الفراش ووضعتها في قفص ، ثم انتقلت بها إلي مكان بعيد عن موطنها - حيث ينعدم هذا النوع في المنطقة الجديدة - لراعك وجود جمع غفير من الذكور في يوم من الأيام يرفرف بأجنحته حول القفص ، وقد جاء إليه منجذبا بقوة خفية . فما التعريف العلمي لتلك القوة التي يسميها البعض بالغريزة أو بالإلهام ؟ إنها موجات تشابه امواج الراديو في طبيعتها ، ولكنها اقصر منها طولا وأكثر منها ذبذبة ، تصدرها الإناث فتصدم نوعا

خاصا من خلايا الذكور في قرونها أو نتوءاتها تكفي لتنبيهها وتوجيهها إلى حيث وجدت الإناث  .

تلك هي النظرية الحديثة التي وضعها لاخوفيسكي وبينها في كتابه " سر الحياة " الذي ترجمه إلى الإنجليزية مارك كليمنت سنة ١٩٣٩ ، والتي تفسر مجهولات كان العلم يتخبط قبلها في بحر من الفروض والاحتمالات

وبتلك النظرية كان يفسر بعض المعضلات في علوم البيولوجيا والباثولوجيا والبكتيربولوجيا والسيكولوجيا .

وقد بني جهاز دقيقا يشع أمواجا ذات ذبذبات مختلفة أفاد العلم فائدة لا تقدر ، وعالج بها بعض الامراض المستعصية ، ولنا فيها كلمة آتية إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية