الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

من أعلام المصورين في الاسلام :, يحيى بن محمود الواسطى، مصور مقامات الحريري, يحيى بن محمود الواسطى

Share

في ميدان الفن كما في سيدان العلم ، كان مسيحيو الكنيسة الشرقية من النساطرة والسريان واليعاقبة أساتذة للعرب . والحق أنه لم يكن ليقدر للعرب أن ينهلوا مما خلف اليونان من علم ، والبيزنطيون من فن ، بغير وساطة هؤلاء .

وهذه الوساطة على غاية من الأهمية والقيمة ، فقد رصد هؤلاء المسيحون جهودهم لتحصيل الثروة العلمية اليونانية ، والمساومة عليها بأي ثمن . وكان هؤلاء دعاة علم وفي ، بقدر ما كان العرب الفاتحون دعاة دين ، فراحوا في اثر كنوز الفكر يجمعونها جمع الهواة ، ويؤلفون من أشتاتها المكاتب الخاصة ، وينقلون منها إلي لغة السريان ولغة العرب ، ذلك النقل الذي أدي بدوره إلي تعريف العنصر العربي الفاتح بهذه الثروة العلمية .

وأفاد العرب من هؤلاء فنا كما أصابوا علما ، ونبغ منهم في ميدان الفنون فريق حذق التصوير وأجاد فيه بقدر ما سمحت ظروف العرب .

وإلي هذا الفريق تدين بعض كتب الأدب والكيمياء ، والحيل والطب بالتوضيح الذي أكسها جمالا فوق جمالها وزادها وضوحا علي وضوح . غير أنه مما يؤسف له أن تعصف أحداث الزمن بهذه المخطوطات القيمة في الطب والكيمياء والحيل والأدب وغيرها ، وبما رقم هؤلاء

المصورون فيها من الصور ، فتباعد بين أجزاء المخطوط الواحد ، وتجعل من كل ورقة من أوراقه ، أو صورة من صوره أو مجموعة من هذه أو تلك ، تحفة نائبة يشق هزارها على كثيرين من هواة الفن ، فلا يخفف من حنينهم إليها إلا شعورهم بتكريمها وإعزازها حيث وجدت .

ومصورنا الذي ستتناوله بالكلام في هذا المقال ، هو يحيى بن محمود بن يحيي بن الحسن الواسطي مصور مقامات الحريري . وقد تناول هذه المقامات غيره بالتصوير ، ولكن أروع ما وصلنا من تصويرها النسخة المؤرخة ٦٣٤ ه - ١٢٣٧ م . وهي النسخة التي كان يملكها العلامة (شفير) ثم أهداها إلي المكتبة الأهلية بباريس .

نشأ يحيي بن محمود هذا في (واسط) بين البصرة والكوفة ، في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وفيها تعلم التصور وحذقه على قدر ما يحذق العرب هذا الفن . واشتهرت واسط من بين مراكز التصوير في العراق بطريقة معينة ، جعلت من مصوريها مدرسة خاصة اشتهرت بالرسم (بالقلم)، بالمداد الأسود ونبغت فيه نبوغا خاصا تشهد صور الواسطي . وطريقتهم في الحصول علي هذا المداد الأسود أن تحرق ألياف الكافور ثم تخلط بنوع من الزيت النباتي (زيت الخردل ) ، وبهذا النوع من اللون كانت ترقم صور مدرسة واسط ، وكانت

التحسينات الأخيرة فى الصورة ذات الألوان فى حاجة إلى هذا النوع من المداد لتوضيح التفاصيل التى يكون اللون قد طغى عليها ، أو التى يحتاج الوجه إليها لبيان تجاعيده ، أو تتطلبها الملابس لتمثيل طياتها وزخارفها . وهكذا استعملت مدرسة واسط ( القلم ) فيما كان ( الفرجون ) يستعمل فيه . وعرفت بهذا من بين المدارس التصويرية العراقية .

وكان فراغ الواسطى من رقم صور مقامات الحريرى فى رمضان سنة ٦٣٤ ه . وعلى الرغم مما اعترى صور الواسطى من عوامل التلف ، وما لحق بها بسبب محاولة إصلاح ما عطب منها ، من التشويه والمسخ ، فهى لا تزال وثيقة ذات بال من وثائق الفن العربى التصويرى المبكر ، لولاها لما استطعنا أن

نعرف شيئا عن عصر بعيد كالعصر الذى عاش فيه الواسطى .

وتشبه صور مقامات الحريرى الذى خطها قلم الواسطى من حيث القيمة التاريخية ، قطعة نسيج " بايو (١) " التى أماطت اللثام ، بما عليها من صور ، عن نواح طريفة من الحياة الاجتماعية الانجليزية فى العصور الوسطى .

وصور الواسطى المحفوظة بالمكتبة الأهلية بباريس - وتربو على مائة صورة - تسجيل لنواح من الحياة الاجتماعية العربية فى العصور الوسطى فى الشرق الأدنى ، فهى تصوير للحياة العربية - فى مدنها وريفها ، سلمها وحربها ، وهى فى مجموعها تمثل نوادر بطل المقامات " أبى زيد السروجى " وتوضح نوادره ، وفيها يظهر أبو زيد متميزاً عن أشخاص الصورة بموقفه الذى يسترعى الانتباه ، فهو إما متخف فى زى امرأة عجوز ، أو خطيب يعظ الناس فى أمر من أمورهم ، أو غير ذلك من المواقف الفريدة التى تتضح فيها شخصيته كبطل للمقامة ؛ وتشترك مدرسة

واسط مع غيرها من مدارس التصوير العربية في العراق ، في إظهار الملامح السامية في سحن الأشخاص ، من سماحة الوجه واستطالته وسواد الشعر واستقامة الأعين وطول الأنف واعتداله ، إلى غير ذلك من الميزات التي يختص بها الذوق العربي ، من إطلاق اللحى ، إلي كبر العمامة واتساع الملابس وزخرفتها بالفروع النباتية ، والأشرطة الزخرفية على الأكمام الواسعة.

ووقعت هذه المدرسة مثل مثيلاتها تحت تأثير البيزنطين ، فأخذت عن التصوير البيزنطي " الهالة " التى تحيط برءوس الأشخاص ذوي الأهمية الخاصة في الصورة ، كالأمير أو الخطيب أو الواعظ ، وهي في الفن المسيحي علامة على التقديس ، كما هو معروف في صور السيد المسيح والسيدة مريم وصور القديسين .

ويرجح أن يكون العرب قد نقلوا صورا بذاتها عن البيزنطيين أول الأمر بطريق " التخريم " فجاءت صورهم في بعض الأحيان في تكوينها ، وترتيب أشخاصها محاكاة تامة لبعض الصور الدينية المسيحية ، إلا أنهم قد كسبوها مسحة عربية ، فأضافوا إليها العمائم واللحي والثياب

الفضفاضة ، فلم يخف ذلك من جوهرها المسيحي ، ولا غبار علي المبتدي إن هو حالي أول الأمر ثم استفاد فنه بالدربة والميزان ؛ هكذا كانت الحال مع العرب أول اشتغالهم بالتصوير ، لا سيما وأساتذتهم فيه كانوا من المسيحيين الذين يصعب أن يتخلوا عن تقاليدهم ؛ وبسبب هذا التأثر بالفن التصويري المسيحي ، نسب بعض مؤرخي الفنون صور " الواسطي " إلي مصور بيزنطي ، لما فيها من الدقة

(البقية على صفحة ٢٣ )

( بقية المنشور علي صفحة ١٩ )

من ناحية ، بصدق تمثيلها للطبيعة والحياة الواقعة ، ولأن تكوينها كثير الشبه بتكوين الصور المسيحية ، ولكن الدقة البادية فيها ، وأسلوبها العربي جملان من المسير نسيتها إلي فنان بيزنعلي . وقد قطع مؤرخو الفن عامة بأن صور المكتبة الأهلية بباريس التي تحلي محطوط مقامات الحريري إنما هي من صنع ابن الحسن الواسطي المصور ، وأن ما فيها من دقة في التخطيط ، وجمال في اللون يرتفع باسم الواسطي عاليا بين رجال التصوير في نواكير العصور الوسطى ، ويجعل منه زعيما لمدرسة واسط .

وهذه الصور بالغة الدلالة على مقدرة الجنس العربي على تصوير الحيوان كأجمل والحصان ، وتمثيل الجميع تمثيلا ينطبق على الحياة . ويتجلي في صور الواسطي ميل ظاهر إلي حشد الصورة بالرؤوس ، ولكنه حشد متزن معقول ، لا يسع الناظر إليه إلا أن يعجب بما يكاد ينبعث من الصورة من العجيج والضجيح نتيجة لهذا الحشد والازدحام ، وهو عين المعنى الذي قصد إليه المصور بلاشك .

وتمتاز هذه المدرسة التي يمثلها الواسطي بمقدرة خاصة على تصوير الحوانيت ومحتوياتها ، وبتحقيق الشخصية الفردية ، فكل وجه من الوجوه الآدمية ، التي تظهر في صورها يمثل شخصا معينا ، يضاف إلي ذلك أنها بدأت يدخل رسوم المسالي على ما كان مألوفا من مجرد تصوير الأشخاص ، وتلك محاولة فنية قدر لها أن تبلغ غاية اتقانها في فارس على يد بهزاد وقاسم علي .

وكما استعارت هذه المدرسة من البيزنطيين ((موضوعاتها)) ، كذلك أخذت عنهم طريقتها في التلوين ولكنها احتفظت لنفسها بأسلوب خاص في الرسم عرفت به وتميزت عن سواها.

اشترك في نشرتنا البريدية