الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 212الرجوع إلى "الثقافة"

من أعيان بيت المقدس، في القرن الثاني عشر (١)، الشيخ محمد التافلاتى ( ٢ ) المالكي الحنفي، ( ٢١١٣٥ ه - ١١٩٢ ه )

Share

هو الشيخ محمد بن محمد بن أبي الطب الشهير بالتافلاني ولد في المغرب الأقصى ، وحفظ القرآن وهو ابن ثمان سنين على طريقة الإمام ابن الداني ( ٢) . ترجمه المزادي في كتابه سلك الدرر في اعيان القرن الثاني عشر (4) وأفرد له خمس صفحات ونعته " بمعني القدس الشريف ، علامة العصر الفائق على إقرانه من كبير وصغير ، وله الفضل الباهر . وكان في الأدب الفرد الكامل ، له الشعر الحسن مع البداهه في ذلك وسرعة نظمه ، وذكاؤه يشق دياجير المشكلات وذكره أيضا السيد حسن الحسيني في مخطوطته أعيان القدس في القرن الثاني عشر ( ٥) . كما توجه السيد محمد

الخالدي سبط الخيرمي الرملي القاروقى " بسيدنا ومولانا علامة الزمان وحيد العصر والأوان الشيخ محمد الطاهر بن الشيخ محمد الطيب الشهير بالافلاتي مفتي القدس

كان والده متوسطا في العلم ، فلم يكتف الفتي بما حصل على شيوخه في الغرب ، وكان قد قرأ عليهم الاجرومية وحفظ السنوسية ، فعزم على الرحيل من بلاده متجشما الاخطار ، قاطعا البر والبحار ، وهو لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره . وسلك طريق البر الشاق فوصل طرابلس المغرب ، ومنها ركب البحر إلي مصر ، فالتحق بالجامع الازهر وطلب العلم سنتين وثمانية أشهر ، واشتاق بعد ذلك لوالدته وحن لرؤيتها ، فركب البحر ثانية ، وما كادت السفينة تشق . عباب البحر حتي طلع عليها قرصان الإفرنج فأسروها وأسروا الشيخ معها ، وقادوه إلي مالطة فمكث في الأسر سنتين ، ولم يكن على روايته قد بلغ التاسعة عشرة من السنين عند مبارحته مالطه .

ولقد كانت مالطة إحدي مراكز فرسان الاسبنارين الذين نزحوا إليها سنة ١٥٣٠ م بعد أن طردهم الترك من جزيرة رودس ، وتحصنوا فيها وكانوا يشنون الغارة مها على مراكب المسلمين طيلة القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر المسيحي . ولم يكن الشيخ بالشخصية المهملة فلفت إليه نظر الرهبان ، وكان أحدهم يتقن العربية والمنطق فناظر الشيخ في المسائل اللاهوتية فعجب من ذكائه ، ورتب له مناظرة دامت ثمانية أيام ، تناولت أبحاثا دينية جدلية لا مجال لذكرها هنا . ويقول الشيخ ) إنه افحمهم وقهرهم ، " ولما رآنى في أي الراهب صغير السن ، وكان سني إذا ذاك نحو  تسع عشرة سنة ، قال لي : تصلح ان تكون ولد ولدي ، في ابن جاءتك هذه المعرفة التامة ؟ فقلت له : جميع

ما سألتني هو من علوم البداية ، ولو خضت معي في مقام النهاية لاسمعتك ما يصم اذنيك ، وفي هذا القدر كفاية . فترك المناظرة ورجع القهقري ( كذا في المرادى) .

ويقول الشيخ إن صيته بعد ذلك شاع في مالطة بين الرهبان والكبراء ، فصار إذا مر في السوق احترمه الناس وقاموا له . وتخلص بعد ذلك من الاسر وركب البحر إلى الإسكندرية ومنها للقاهرة ؛ ثم أخذ يتنقل في العالم الإسلامي ، فسافر إلي الحجاز مرارا ( ١) ، ودخل اليمن وعمان البحرين . ويقول الحسيني إنه قدم بيت المقدس وتزوج فيها سنة ١١٧٢ ه ، وعاش فيها عشرين عاما يدرس في المسجد الأقصى ويفتي ، فشاع صيته بين الخاص والعام ، وتولى إفتاء الحنفية مرارا ، وتوفي سنة ١١٩٢ ه ودفن في مقبرة مأمن الله ( ٢ )

وصفه الحسيني في مخطوطته بقوله : إنه " لما جاء للقدس لبس ثوب الأبرار الصالحين ، فأكرمه أهلها وبجلوه وعظموه ، فصار يدرس الحديث والتفسير فأحبه الناس وخدموه لتقشفه وتقواه ، حتى إن الوزير المعظم حاكم الشام المرحوم عبد الله باشا الجندجي ( ٣ ) لما جاء للقدس أراد

الاجتماع به وجد في ذلك ، ورجاه اعيان البلد فلم يقبل وامتنع وأخيرا ذهب الوزير إلي الحرم الشريف داخل الصخرة وكان الشيخ يقرا درسه المعتاد ، والقي فروة عظيمة بين كتفيه وصرة تحت يديه ، فلم يلتفت الشيخ إليه ولم يتحرك من مكانه . وكان يفر من الحكام وهم يرجون تقبيل اقدامه ، ويقفون على بابه فلا يجتمع بهم ولا يلتفت إليهم ، فراد مقامه بين الناس وصار الجميع يكرمونه ويهابونه ، بل أصبحوا ينظرون إليه كولي كبير . وظل كذلك مدة سنتين إلي أن جاء الوزير محمد باشا الشليك ( ١ ) فكان الشيخ اول من استقبله ورجاه في مسألة جزئية من حطام الدنيا ، واخذ يقابل القضاة والحكام ، واصبح حنفيا بعد ان كان مالكيا ، وطلب مناصب الدنيا فتفر منه الناس وتباعد عنه محبوه ، وسقطت منزلته العالية "

ويضيف الحسيني أن الشيخ ذهب بعد ذلك للآستانة مطالبا بإفتاء الحنفية فتوجهت عليه وعزل مرارا منها ( ٢)

ويقول الخالدي في مخطوطته إنه لما وصل الشيخ للروم ورد عليه من بعض مشاهيره بيت مهمل من النقط ذكره الحميدي في مقاماته ، وان هذا البيت يقرأ بالعربية والفارسية ففهم معناه باللغة الثانية ، ولم يدرك معناه في اللغة العربية وان البيت من البحر الوافر ، فألف الشيخ رسالة في حل مبناه حماها ( النفحة الناموسية في بيت مهمل يقرأ بالعربية

والفارسية ( ، ثم اختصر الرسالة قطار صيت الرسالتين في مدينة فروق حتى بلغت شيخ الإسلام . وكانتا سببا لأخذه الفتوي ( ١ ) بلا توقف . فرجع للقدس متوجا بتاج الفتوي الحنفية ، وانه عزل مرارا ، ولكن الدولة العلية نصرية ويقول الخالدي إن أهل القدس كتبوا بحقه مرة فمرة فلم تصغ إليهم الدولة .

ثم بعدد تأليفه ويقول إنه ألف نظام محتصر السنوسي في ليلة وسنه إذ ذاك سبع عشرة سنة ، وإن الشيخ سعيد السمان الدمشقي ( ٢ ) ترجمه من جملة  أدباء العصر لما وقف على أبياته في معارضة قصيدة عنترة ( ولقد ذكرتك) .

ثم يصفه بأنه له لطف محاضرة وحافظة حسنة ، وقد لبس حلل الأخلاق المستحسنة ، يقابل السيئة بالحسنة وان اهل بلده فوقوا له السهام مرارا فعاملهم بقوله تعالى : " ادفع والتي هي احسن  سرا وجهارا ، واسهم عكفوا عليه بعد ذلك عكوف الطير وهو فيهم كالأب الرحيم دأبه التفاؤل ، وما منهم إلا من ورد منهله او صدر ، وصفا أورده  من الكدر

وللشيخ أكثر من ثمانين تأليف(٢) بين منظوم ومنثور ، وكتب ورسائل . وله نظم تقتطف منه ما يأتي :

قفا يربوع العامرية إنني         كلفتها بها من حين عهد التجمل

ولوذابها ثم إنشقا طيب عرفها      وقصا حديثا للأسيف المعلل

وله أيضا

إن لاح برق الغور أو هب الصبا

                           أو صاح ورق بالآرائك تصدح

أو رتم الحادي الركاب مهيما

                          لدموع جفنى كالسحائب تسفح

ما لي وللواشي العذول وفي الحشا

                         يوم النوي نار الصبابة تسرح

وله في مسألة فقهية :

وفي حب عليه القلب وقف                   ليسكنه وينهج المزار

فقلت له أعزه لنا زمانا                        فقال الوقف عندي لا يعار

وله تخميس لقصيدة كعب بن زهير

ومن مؤلفاته ما هو محفوظ الآن في الخزانة الخالدية بالقدس منها :

( ١ ) رسالة شجرة النعمان في منهج النعمان .

( ٢ ) هداية الاصول في نظم مختصر المنار في الأصول بخط المؤلف

( ٣ ) حسن الاستفصال لما صح وثبت في المسجد الأقصي

( ٤ ) النحو المعنوي في المولد النبوي ألفها سنة ١١٧٢ الخ

(5)تحفة المجدين بنصرة خير الدين .

(6)الإسعاد شرح تخميس بانت سعاد

(٧)غاية الإرشاد في أحاديث البلاد

(٨)تعذيب المقامة في ما ورد في القصد والحجامة

( ٩ ) بلوغ  مقامات الصفا بمعراج النبي المصطفي

( ١٠ ) حبور المهيمن بالكلام علي اسم المهيمن .

( ١١ ) الأفلام المجملةلا في هواتف أسرار البسملة

( ١٢ ) حسن التبيان في مدلول القرآن .

( ١٣ ) الصلح بين المجتهدين فى كلام رب العالمين

(١٤) تحذير اعلام البشر من احاديث عكا وعيبها المسماة بعين البقر

( ١٥ ) قطع اللسان لمن حرم القهوة والدخان

( ١٦ ) القول المقدس في شان صخرة بيت المقدس

(١٧) إسعاف ذي الوفا مولد النبي المصطفى

ومع تضارب الرأي فيه بين الحسيني والخالدي فإن الشيخ النافلاني من الشخصيات التي لعبت دورا هاما في القرن الثاني عشر في بيت المقدس ، وكانت خصبة الإنتاج بالنسبة إلى ذلك العصر الذي انحط فيه مستوي الأدب والكتابة

( بيت المقدس )

اشترك في نشرتنا البريدية