الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 269الرجوع إلى "الثقافة"

من أماريت العبط :، العبيط فى الحياة الاجتماعية

Share

في مقال سابق رأينا الأمير موتشكين - عبيط ديستوفسكي - يصاحب الأطفال ويفضلهم على الكبار ولم تستطع إلا أن تقره على سلوكه . فقد تضافر مع أصدقائه في رحمة فتاة بائسة . نعم إن الفتاة كانت قد سقطت سقطة اخلاقية لم يكن يد للهيئة الاجتماعية من أن تثور لها . ونحن ندع جانبا منبع تلك الثورة . هبها غريزة تناهض ما في ملكة التفكير من تدمير لحياة الفرد وتفويض لحياة الجماعة إذا اطلقنا لتلك الملكة الخبيثة عنان التبرير المضلل . ثم انظر ألم تكفر الفتاة عن إثمها آلم التكفير ؟ الم تقبل كل ما أنزل بها من تشكيل بنفس صاغرة باخمة ؟ وعندما ينزل القضاء أو ما تري رحمة الله لابد مرسلة هديها إلي من تختار من أرواح تحمل إلي البائسين نسمة من تلك الرحمة ؟ ومن يدرينا لعل الأطفال والعبطاء ، هم تلك الأرواح المختارة

نستطيع إذن أن نتردد في الحكم على موتشكين بالعبيط لمصادقته الاطفال أو مسحه لدموع ماري ؛ بل قد تجرؤ فترى أن الهيئة الاجتماعية التي تصف الأمير بهذه الصفة هي على الأقل العبيطة إن لم تكن الغليظة الحمقاء وما الهيئة الاجتماعية إلا نحن - العاديون من الناس - الذين تتحكم فيهم المواضعات فتجعل منهم أحيانا وحوشا لا تعى ما تفعل

وها نحن اليوم نواجه العبيط في الحياة الاجتماعية ها نحن نغادر أدب النفس إلي أدب الجماعة نغادر وحي الضمير إلى عادات المجتمع . ولا تحسبن أننا ننتقل بذلك من مجال صارم إلى مجال هين . فنحن في الحق اكثر استعبادا للعرف منا للخلق . وذلك لأمر بين هو أننا

جميعا - إلا من عصم ربي - أشد حرصا علي حركاتنا الظاهرة منا علي حقائق نفوسنا - وإذا تعارض ظاهر لنا بباطن كم ممن تري حولك يستجيبون لنداء الضمير ؟

عاد الأمير موتشكين من سويسرا حيث كان يستعطب من التشنج العصبى إلي بترسبورج ؛ ولما كان يعلم أن أسرته  العريقة قد انقرضت ولم يبق منها غير سيدة واحدة زوجة لجنرال كبير بالحبش ، فقد رأي ان يذهب إلى تلك السيدة ليتعرف إليها ويستشيرها فيما يفعل وهو الوحيد المنقطع

" كانت الساعة غير بعيدة من الحادية عشرة صباحا عند ما دق الأمير الجرس ببيت الجنرال وهو في الدور الثاني . مسكن في حدود البساطة التي تسمح بها مكانة صاحبه الاجتماعية . وفتح الباب خادم في بذلة الحشم . وكانت مناقشات طويلة بين الأمير وذلك الرجل الذي نظر إليه هو وحقيبة ملابسه الصغيرة نظرة ملؤها الريبة . وفي النهاية ، وبعد أن أعلن إليه عدة مرات أنه حقيقة الأمير موتشكين وأنه في حاجة ماسة إلى رؤية الجنرال لأمر هام ، ادخله الخادم إلي غرفة صغيرة مجاورة لغرفة الانتظار ثم انسحب تاركا الضيف بين يدي خادم آخر . رجل في الأربعين من عمر ، يرتدي بذلة رسمية وعمله إخبار صاحب السعادة بأسماء الزائرين . وكان في ملامحه المهمومة ما يدل على مبلغ شعوره بأهمية وظيفته

قال للضيف : تفضل أدخل الصالون برهة ودع حقيبتك هنا . قال هذا وهو يجلس في مقعد ضخم برزانة مصطنعة ونظرته المدهوشة القاسية تفحص الأمير الذي لم يتخل عن متاعه المتواضع وأخذ كرسياً وجلس إلى جواره قائلا : سأنتظر هنا - إذا سمحت - في صحبتك . ماذا أفعل هنالك وحيدا ؟

- ولكنك ، ما دمت قد أتيت لزيارة ، لا تستطيع أن تبقى في هذه الغرفة . إنك تريد أن تحادث الجنرال نفسه . أليس كذلك ؟ وفي الواقع إن الخادم لم يكن

يخطر بباله أن يدخل زائرا كهذا على الجنرال ؛ ولذلك كرر سؤاله الأخير . فأجاب الأمير : نعم إن لدي مسألة .. - أنا لا أسألك عن شئ . فعملي هو أن أعلن قدومك فقط ولكنني كما أخبرتك مضطر إلي أن أري السكرتير أولا .

لقد أخذ الخادم يزداد ريبة فالأمير كان شديد الاختلاف عن الزائرين العادبين . والجنرال لا ريب - لم تكن مقابلاته قاصرة على الوجهاء ، بل كان بأنيه أيضا أفراد من كافة الطبقات لمصالح مختلفة ، وكان الخادم يعرف ذلك جيداً ولديه أوامر بأن لا يتشدد مع الزائرين ، ومع ذلك فإنه في هذه الحالة بالذات لم يجرؤ أن يتحمل المسئولية ورأي أن خير حل هو أن يستعين بالسكرتبر

وأخيرا سأل الأمير وكأنه يوجه سؤاله مكرها :  أحقاً أنك . . أتيت من الخارج ؟ ولقد أعوزته الشجاعة فلم يستطع أن يوجه السؤال الحقيقي ، وهو : أحقا أنك الأسير موتشكين ؟ وأجاب الأمير : نعم إنني قادم من المحطة مباشرة . ولقد أردت فيما أعتقد أن تسألني هل أنا حقيقة الأمير مونشكين ، ولكن اللياقة منعتك من توجيه هذا السؤال . " هه : " هكذا تمتم الخادم مدهوشا .

- أو كذلك أننى لا أكذبك ، وانك لن تتحمل بسببي آية مسئولية . وإذا كنت تراني في هذا الزي حاملا هذه الحقيبة الصغيرة فليس في ذلك ما يدعو إلي الدهشة . فحالتي الآن ليست على ما يرام .

- هه ! . في الحقيقة ليس هذا ما يخيفني . إنني هنا لكي أعلن الزائرين . وبعد هنيهة سيخرج السكرتير . وإذا كنت . . هل لي أن أعرف أنك لم تأت إلي الجنرال كرجل محتاج التطلب المساعدة ؟ - آه ! لا . من هذه الناحية كن مطمئنا كل الاطمئنان . إنني لم آت من أجل هذا . - معذرة . لقد خطرت لي هذه الفكرة وأنا أتأمل ملابسك انتظر السكرتير فالجنرال مشغول الآن مع

أحد الضباط ، ولكنك سترى السكرتير قادما .... سكرتير الشركة

- إذا كنت سأنتظر زمنا طويلا ، فإني أسألك أن تسمح لي بالتدخين في جهة ما ، فلدي البينة والدخان فصاح الخادم في استنكار وهو لا يكاد بصدق اذنيه : بالتدخين ؟ . بالتدخين ؟ ! . أبدا ، إنك لا تستطيع ان تدخن هنا ، بل وما كان يجوز ان يخطر هذا ببالك . آه ! هذا شيء عجيب!

أوه ! إنني لم أقصد التدخين في هذه الغرفة . فأنا أعلم جيدا أنه غير مسموح به ، وإنما أردت أن أرجوك لتدلني  على مكان استطيع أن أشمل فيه ببيتي . وذلك لأنني معتاد التدخين ، وها قد مضت على ثلاث ساعات دون أن أدخن . ومع ذلك فليكن ما تريد . وانت تعلم أن هناك مثلا يقول : في الدير الأجنبي . .

وغمغم الخادم مكرها : ولكن كيف أعلن قدومك وأنت في هذه الحالة ؟ مكانك كزائر ليس هنا ، بل في الصالون . وببقائك في هذه الغرفة ستتعرضي للتفريع . ثم أضاف ، وهو يلقي بنظرة جانبية إلي الحقيبة الصغيرة التي كانت لا تزال بيد الأمير ، وقد شغلت الخادم طول الوقت . . ولكنك تنوي أن تقيم عندنا أليس كذلك ؟

- لا . هذا لم يخطر بيالي وحتي لو اقترحوا علي ذلك لن أقبل البقاء . وغايتي الوحيدة من هذه الزيارة هي أن أتعرف إلي أصحاب المنزل . ولا شيء أكثر من ذلك ولأح هذا الجواب للخادم الظنين داعيا إلي الريبة فصاح مندهشنا : إنه ! أن تتعرف إليهم ؟ ! ولكنك ابتدأت بأن أخبرني أنك أنبت لمسألة ما

- ربما أكون قد بالغت عندما تحدثت عن "مسألة" ومع ذلك فليكن مجيئي إلي هنا ، إذا اردت ، لمسألة ، بمعنى أنني أريد أن آخذ نصيحة . وإن كنت أرد قبل كل شئ أن أتقدم إلي الجنرال أينشتين ، وذلك لأن

زوجته من أسرة موتشكين ، أسرتي . وهي وأنا آخر عضوين فيها

ولقد بالغت الكلمات الاخيرة من قلق الخادم فصاح  ذاهلا : وإذن فأنت من الأقرباء أيضا ؟!!

- تقريبا . لاشك ان هذه القرابة قائمة، ولكنها بعيدة إلى حد أن تستطيع اعتبارها منعدمة . وعندما كنت في الخارج كتبت مرة إلي زوجة الجنرال ،  ولكنها لم ترد . ومع ذلك فقد رأيت عند عودتي أن من الواجب تذكيرها بي . ولقد استطردت إلي كل هذه التفاصيل لكي أبدد شكوكك وذلك لأني أراك دائم القلق وأعلن قدوم الأمير موتشكين وبمجرد أن يسمعوا اسمي سيعرفون سبب زيارتي . وعندئذ سيستقبلوني أو يرفضون استقبالي . فإن فعلوا كان خيرا وإن رفضوا ربما كان أخير . وإن كنت أعتقد أنهم لا يستطيعون أن يرفضوا . فالسيدة لا شك تود ان تري الممثل الوحيد الباقي من أسرتها . وأنا أعلم أنها تعتز بأصلها اعتزازاً كبيراً .

وكان الأمير كلما ازداد تبسطاً في حديثه واسترسالا بريئاً ازداد إساءة إلي نفسه في نظر الخادم فهذا الحديث الذي لا غبار عليه إذا جري بين أناس من طبقة اجتماعية واحدة ، لم يكن الخادم ليستطيع أن يفهم إلا أنه ناب عن موضعه نبواً شديداً عندما يدور بين زائر وخادم . ولما كان الخدم أقل غباوة مما يظن أسيادهم عادة فإن خادمنا قد افترض أحد أمرين : إما أن يكون الأمير شحاذا أتى يستجدي الجنرال صدقة ، وإما أن يكون بكل بساطه رجلًا مخلولًا. وذلك لأن أميراً نبيها لا يمكن أن ينفي في هذه الغرفة الجانبية ولا أن يقص أموره على خادم . وفي كلتا الحالتين هل كان يستطيع أن يعلن قدوم شخص كهذا ؟ "

وأنا أعفي القارئ من بقية الحوار واطمئنه إلي أن الأمير موتشكين قد انتهى بالدخول والتعرف إلي الجنرال وزوجته وابنائهما ، بل كانت له حادثة غرام مع إحدي بنات

الجنرال . والسكرتير طبعاً هو الذي ادخله

والآن ماذا يري القارئ ؟ أهو عبيط حقا ؟ ولك ان تراجع كل أقواله فلن ترمى فيها غير الصدق . قد تقول ولكن الرجل عبيط عبيط ما في ذلك ريب . فهو لا يعرف بأن يضع نفسه ولا بقدر نفسية من يخاطبه ولا يقطن إلي ما في ردود الخادم من وقاحة متصاعدة . وهو أخيرا لا يعرف أن ما كل حق يقال ، وإذا قيل فما ينبغي أن يقال لكل إنسان ، وما إلي ذلك من حكمنا الثمينة . قد تقول هذا وخيرا من كل هذا وأما أنا فاعتقد أن عقولنا نحن هي الفاسدة وان حياتنا الاجتماعية قد خربت نفوسنا

لقد كانت من القسوة بحيث خلقت أرواح عبيد وأرواح سادة . وكانت من الالتواء بحيث جعلت من حياتنا كانها نفاقا متصلا واتخذت من هذه النفاق قانونيا صارما يصيبنا من عدم احترامه أكبر الأذي فاصبحنا جميعا نتساءل عن سر عبط هذا الأمير العجيب بدلاً من أن نتساءل عن سر فسادنا نحن خدماً وسادة

اشترك في نشرتنا البريدية