قد يكون من المفيد - بعد ما تبين لأولي الأمر منا أي ضرورة ملجئة، وأي مصلحة عامة تجعل حتما سن مثل هذا القانون - أن نذكر الحكومة الإسلامية منذ ثلاثة عشر قرناً، فطنت إلى هذا القانون، فنادى به محمد صلى الله عليه وسلم زعيم الإصلاح، ومعلم الإنسانية الأول، وآمن به من بعده إيماناً لا يتسرب إليه شك. والتاريخ يحدثنا عن غير واحد من علية القوم ووجهائهم ممن حوكموا بمقتضى هذا القانون، فهذا خالد بن الوليد الذي اقتعد غارب المجد، وتسنم ذروة الشرف، وأبلى في الدفاع عن الإسلام أحسن البلاء، لم يغن عنه كل أولئك أمام الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحين أحس أنه أثرى فجأة - وكان عاملاً له - عزله من الولاية ثم استجوبه وحقق معه، ورد إلى بيت المال بعض أمواله.
روى الطبري أن خالد بن الوليد إثر عودته من (قنسرين) ، بعد أن أظفره الله عليها، وأفاء خيراً كثيرا عليه، وفدت عليه الوفود، وكان ممن وفد عليه الأشعث بن قيس، فأجازه خالد بعشرة آلاف. وسرعان ما أنهى إلى الخليفة العادل الساهر هذا النائل الغمر، فأبرد إلى عبيدة (أن يقيم خالداً، ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته، حتى يعلمهم من أين إجازة أبن الأشعث؟ أمن إصابة أصابها؟ أم من ماله؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، وأعزله على كل حال، وأضمم إليك عمله) فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس، فقام البريد. فقال: يا خالد! أمن مالك جزيت بعشرة آلاف؟ أم من إصابة؟ فلم يجبه، حتى أكثر عليه - وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا - فقام بلال إليه فقال: إن أمير المؤمنين أمر بكذا وكذا فيك، ثم تناول قلنسوته، فعقله بعمامته وقال: ما تقول؟ أمن مالك؟ أم من إصابة؟ فقال: لا! بل من مالي، فأطلقه، وأعاد إليه قلنسوته، وعممه بيده، ثم
قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا. وعندما قدم خالد على عمر المدينة، بعد عزله، شكاه إلى المسلمين وقال له: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك غير مجمل في أمري يا عمر. .
فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال خالد: من الأنفال والسهمان، وما زاد على الستين ألف فلك. فقوم عمر عروضه، فخرجت إليه عشرون ألفاً، فأدخلها في بيت المال، ثم قال: يا خالد! والله إنك علي لكريم، وإنك ألي لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
وكذلك وقف عمر بن الخطاب موقفا مشابها من والي مصر عمرو بن العاص، فقد كتب إليه: (أما بعد، فقد بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وبقر وعبيد، وعهدي بك ولا مال لك، فأكتب إلي من أين أصل هذا المال؟ ولا تكتمه)
فأجاب عمرو: (. . وإني أعلم أمير المؤمنين أنني ببلد السعر فيه رخيص، وإني أعالج من الحرفة والزراعة ما يعالج أهله، وفي رزق أمير المؤمنين سعة، وواله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك، فأقصر أيها الرجل، فإن لنا أحساباً هي خير من العمل لك، إن رجعتنا إليها عشنا بها) .
على أن عمر لم يجد في هذا مقنعاً، فأرسل إلى عمرو محمد بن سلمة ليشاطره ماله. وعندما قدم رسول عمر إلى عمرو قدم إليه أصنافاً كثيرة من الأطعمة، فرفض أن ينال منها شيئاً، فقال له عمرو: أتحرمون طعامنا؟ فقال: لو قدمت إلي طعام الضيف لأكلته، ولكنك قدمت إلي طعاماً هو تقدمة للشر. نح عني (أكلك) طعامك، وأحضر إلي مالك، وأكتب إلي كل شيء، هو لك، ولا تكتمه. فشاطره ماله أجمعه، حتى بقيت نعلاه، فأخذ إحداهما وترك له الأخرى. هذا وغيره كثير وفي هذا بلاغ.
وصنيع عمر هذا يعد من قبيل الاحتياط والتورع، ولم يكن عن خيانة من خالد أو عمرو، فإنهما أعز وأكرم التماس الغني والثراء مما لا يحل، يدل لهذا كتاب عمر إلى عمرو بن العاص (والله يا عمرو لقد ابتليت بولاية هذه الأمة، وآنست من نفسي ضعفاً، وانتشرت رعيتي، ورقي عظمي، فاسأل الله أن يقبضني إليه غير مفرط، والله إني لأخشى لو مات جمل ناقص
عملك ضياعاً أن أسال عنه) .
وورد في كتاب من عمرو لعمر (معاذ الله من تلك الطعم، ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم، فأقبض عملك، فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنيئة، والرغبة فيها) . أما موقف سيدنا خالد فيشهد لما أشرت إليه ما جاء على لسان أمير المؤمنين نفسه؛ على ما مر بك، والله ولي التوفيق.

