الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 403الرجوع إلى "الثقافة"

من إميل زولا، إلى رئيس الجمهورية الفرنسية، يطلب إليه أن يرد على الناس إيمانهم، بالعدالة الإنسانية

Share

يصف أناتول فرانس إميل زولا بأنه أكبر قوة دافعة في ضمير الإنسانية . وسنري في هذه الرسالة التي كانت نقطة الانقلاب في قضية دريفوس كيف استحق هذا الوصف :

في عام ١٨٩٤ اتهم الكبتن ألفرددريفوس وهو ضابط نابه فى المدفعية الفرنسية كريم الخلق وابن صائغ يهودي - اتهم بأنه باع إلى الأعداء وثائق هامة ذات قيمة حربية خطيرة وأبدت التهمة بخطاب قيل إنه بعث به إلى موظف ألماني وصودر قبل ان يصل إلى المرسل إليه وحوكم الضابط الشاب وأيدت التهمة بأدلة مزورة وحكم بادانته وجرد من رتبته وشرفه العسكري وحكم عليه بالسجن في جزيرة الشيطان بالقرب من جيانا الفرنسية ، وجرد دريفوس من رتبه في احتفال عام ونزعت شاراته العسكرية وأزراره وكسر سيفه وبينما كان الجمهور الصاخب المهتاج يطالب بقتل الخائن ، وقف دريفوس رابط الجأش وخاطب الضباط والجمهور قائلا : " إني برئ وستعرفون الحقائق يوما ما ، لتحى فرنسا "

وقاسي دريفوس الأمرين في جزيرة الشيطان الموحشة المنعزلة ، وكلف ستة من الحراس بمراقبته ليلا ونهارا ، وعذب عذابا اليما في الجسم والعقل . ولما ثبت بعد ثلاث سنين من هذا الحكم ان الخطاب المزعوم مزور وان كاتبه رجل من اسافل الناس يدعي استر هازي وقفت القيادة العليا الفرنسية في طريق العدالة وأبت أن تنقض الحكم لئلا تفقد سمعتها أمام الأمة . وفي ذلك الوقت أخذ الأحرار في جميع انحاء فرنسا بوجه خاص واوربا كلها بوجه عام

يعنون بهذه القضية ، وانقسمت الامة الفرنسية بين مؤيد لإعادة النظر وممانع فيها ؛ واثارت القضية من أول الامر اهتمام إميل زولا وكان وقتئذ في عنفوان مجده الأدبي ذائع الصيت في جميع أنحاء العالم لما كتبه من الروايات الخالدة امثال نانا وجرمنال ، يحترمه الناس ويخشون قلمه ، ويجلونه أعظم إجلال لما اشتهر به من عداء شديد للظلم والرياء وفي شهر يناير من عام ١٨٩٨ تطوع الدفاع بقلمه عن قضية الحق والعدالة . وثارت ثأئرته وغضب غضبة مضرية حين حكم ببراءة إستر هازي بعد محاكمة صورية .

وقدم الأحرار الفرنسيون لزولا ما جمعوه من الحقائق المتصلة بالقضية ، فاعتمد عليها ووجه الخطاب المفتوح التالي إلي فليكس فور رئيس الجمهورية الفرنسية في جريدة لورور ( الفجر ) إحدي جرائد الأحرار . وتعد هذه الرسالة من أشد الرسائل التي كتبت في التاريخ كله . وقد قضى يوما كاملا في كتابتها وكان وهو يكتبها " يلهث من الغضب ومن خوفه ألا يكون أول من يكتب مثل هذه الرسالة . وقد كان لها أعظم الأثر في البلاد ، وكتب جورج كلمنصو وكان وقتئذ شابا صحفيا متطرفا - عنوانها الشهير :

إني أتهم يناير سنة ١٨٩٨ ياجناب الرئيس أرجو أن تسمح لي نظير ما اسديت إلي قبل من جميل أن أصرح لك بشدة قلقي على ما نلت بحق من مجد وسؤدد ، وان أخبرك ان سجل اعمالك الذي ظل حتى الآن ناصعا موفقا يهدده في هذه الأيام عار ينكس من الأبصار ولا يمحي أبد الدهر .

لقد نجوت من أشنع التهم فلم تصب منها بسوء ، ولقد اسرت جميع القلوب ، وها انت ذا تدنمم الان بمجد الاحتفالات الوطنية . وتستعد لرياسة المعرض العام الذي ستختتم به جهود مائة عام من الأعمال الصناعية ومن

الجهاد في سبيل الحق والحرية . ولكن اي وصمة سيوصم بها أسمك - ولقد كدت أقول عهدك - من جراء هذه القضية اللعينة قضية دريفوس . لقد جرؤت محكمة عسكرية من زمن قريب على ان تبرئ بناء على أمر تلقته رجلا يدعي استر هازي ، وكان عملها هذا في واقع الامر لطمة للعدالة ما أشدها . ولكن قضى الأمر وتسربلت فرنسا بهذا العار ، وسيقول التاريخ إن هذه الجريمة الاجتماعية قد ارتكبت في أيام إدارتك .

لقد جرءوا علي ارتكاب هذا الإثم ومن أجل هذا سأجرؤ أنا ايضا . سأقول الحق لأني عاهدت نفسي على قوله إذا كان القضاء قد أبى أن يقوله وكان من حقه أن يفعل ، وسأقوله كاملا لا أجامل فيه ولا أخفف من وقعه ذلك ان الواجب يقضي علي ان أتكلم ولست أريد أن اكون شريكا في الجريمة ، وإذا لم افعل سينغص على احلامي شبح ذلك الإنسان البريء وهو يكفر بأشد أنواع العذاب عن جريمة لم يرتكبها قط .

وسأصارحك أنت ياجناب الرئيس بهذا الحق بكل ما لدي من قوة تبعثها في الرجل الشريف ثورته على الظلم ، على أن هذه الجريمة لم تمس شرفك لأني واثق من أنك تجهل حقيقة أمرها ؛ ولكن منذا الذي أشكو إليه أولئك السفلة الأراذل المجرمين بحق إذا لم اشكهم إليك وأنت أكبر المصرفين لشئون البلاد ؟ .

إني أتهم الكولونل دوياتي ده شام بأنه هو الأداء الشيطانية التي أدت إلى ارتكاب الغلطة القضائية ، وسأحمل نفسي علي الاعتقاد بأن ذلك كان على غير علم منه وبأنه كان خلال الثلاث السنين الماضية بيدافع عن عمله المشئوم بأسخف الوسائل وأبعثها للاشمئزاز

وانهم القائد مرسبيه بأنه اشترك في ارتكاب اشنع الجرائم في التاريخ كله ، وأكبر الظن أنه فعل هذا لخيال في عقله

وأتهم بيلو بأنه كانت تحت بدء الأدلة القاطعة على براءة دريفوس ، ولكنه اخفي هذه الأدلة وارتكب جريمة الخيانة العظمي ضد العدالة والإنسانية لاسباب سياسية وليستر بذلك جريمة هيئة أركان الحرب العامة

واتهم بوادفر وجنز باشتراكهما في هذه الجريمة نفسها ، وقد ارتكبها أولهما لاحقاد دينية بلا شك ، اما ثانيهما فقد فعل ما فعل انتصارا لزملائه

واتهم ده بلييه والميجر رفري بالتزوير في التحقيق ، أي ان تحقيقهما كان ابعد ما يكون عن النزاهة ، وإن التقرير الذي يتضمن هذا التحقيق لهو الوقاحة المجسمة في أبشع مظاهرها

وأتهم خبراء الخطوط الثلاثة - بلوم ، وفارينار ، وجوار بأنهم قد وضعوا تقارير كاذبة مزورة إلا إذا اثبت الفحص الطبي انهم تعوزهم قوة الإبصار والقدرة على التمييز

واتهم وزارة الحربية بأنها دبرت حملة دنييئة في الصحف وبخاصة في جريدتي لكير " الضياء " والإكو ( الصدا ) لتضليل الرأي العام وستر جرائمها

وأخيرا أتهم المحكمة العسكرية الأولى بأنها اعتدت على جميع الحقوق البشرية بحكمها على سجين بناء على ادلة لم يطلع عليها ، واتهم المحكمة العسكرية الثانية بأنها أمرت بإخفاء هذه المخالفة القانونية وارتكبت جريمة قضائية ، إذ برأت رجلا مذنبا رغم علمها الكامل بجريمته .

ولست أجهل اني حين اتهم هؤلاء كلهم بما اتهمهم به اعرض نفسي للعقاب بمقتضي المادتين ٣١،٣٠ من قوانين جرائم القذف الصادرة في ٢٩ يوليه سنة ١٨٨١ ، وهما اللتان تنصان على عقاب من يطعن في حق الناس ولكني أعرض نفسي باختياري لهذا العقاب .

أما الذين اتهمهم فلا أعرفهم ولم ارهم قط ، ولست أشعر نحوهم بشيء من الكراهية أو الحقد ، وليسوا جميعا بالنسبة لي إلا مجرد كائنات ورموز للأجرام الاجتماعي . وليس

العمل الذي أضطلع به هنا إلا خطوة ثورية يقصد بها التعجيل بانفجار بركان الحق والعدالة

وكل الذي أعمل له هو أن أكشف الستار عن هذه الأساة باسم الإنسانية التي أوذيت وطال صبرها والتي نري ان السعادة من حقها ، وإن احتجاجي الحار لهو صرخة صادرة من اعماق قلبي ، فليكن لديهم من الشجاعة ما يمكنهم من ارسالي إلي محكمة الاستئناف لتحقق معي في ضوء النهار الساطع

وإني لمنتظر وأرجو ياجناب الرئيس أن تقبل عظيم إجلالي . إميل زولا

وسيق زولا علي أثر نشر هذا الخطاب إلي المحكمة بتهمة القذف الجنائي ، وكانت البلاد يومئذ تغلي كالمرجل ، وقامت المظاهرات والاضطربات في كل مكان ، وتعرض زولا وزملاؤه المدافعون عنه - وكانوا كلهم من الأحرار النابهين - لأشد أنواع الخطر من اعتداء الرعاع عليهم .

وحرم على زولا والمحامين عنه أن يقدموا إلى المحكمة في أثناء الإجراءات الهزلية الحمقاء أية حقائق تتصل بقضية دريفوس نفسها . وادين زولا بطبيعة الحال وحكم عليه بالسجن سنة وبغرامة قدرها ثلاثة آلاف فرنك ، ولكنه استطاع بمساعدة اصدقائه الأحرار ان يفر من سجنه وان يهرب إلي إنجلترا .

وحدث في أثناء إقامة زولا في منفاه أن اعترف اللفتننت كولونل هنري أحد كبار المتآمرين بأنه زور الوثائق التي قضت بإدانة دريفوس ، ثم انتحر بعد هذا الاعتراف ، واقر إسترهازي نفسه بما كان له من نصيب في هذه المؤامرة

وفي عام ١٨٩٩ أعبد دريفوس وهو معتل الصحة من جزيرة الشيطان بعد ست سنين من الحكم عليه ، وصدر عنه عفو عن جريمة الخيانة ، ولكنه بقى من غير ان يصدر عنه عفو شامل إلا في ٢١ يوليه سنة ١٩٠٦ حين اعيد إلي

الخدمة في الجيش وبرئ من جميع التهم ، وأعيدت إليه شاراته العسكرية في نفس المكان الذي جرد فيه منها قبل ذلك بإثني عشرة سنة

وعاد زولا بعدئذ ظافرا إلي فرنسا . وتطوع دريفوس للخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى ، وعين ضابطا في المدفعية وأظهر شجاعة فائقة في حصار باريس أولا وفي الجبهة الغربية ثانيا ، ثم صار اخيرا ضابطا في فرقة الشرف وتوفي في يوليه سنة ١٩٣٥ في الخامسة والسبعين من عمره

ويقول ولتر لتفيلد أحد الثقات في هذا الموضوع إن دريفوس " ظل إلي آخر أيامه يعتقد أنه لم يكن إلا ضحية خطأ قضائي شنيع من غير شك ، ولكنه مما يمكن إدراكه وأن معظم الشهود الذين جيء بهم ليشهدوا عليه وجميع القضاة الذين أدانوه قد أخطأوا ولكنهم كانوا أشرافا لكن الحقيقة أنهم لم يكونوا أشرافا ولا مخطئين ، فقد كانوا على بكرة أبيهم يعلمون ان دريفوس بريء او انهم كان في وسعهم على الأقل أن يصلوا إلي الحقيقة . لقد كان دريفوس هو الوسيلة التي اختاروها لينفذوا فيها جريمة دنيئة يقصد بها القضاء علي الجمهورية الفرنسية . . ومما هو جدير بالذكر ان دريفوس منع لابوري أحد محاميه من إلقاء خطبة تكشف الستار عن المتآمرين وعن جرمهم الشنيع ؛ ولم يكن الدافع له إلي ذلك العمل هو خوفه من اغضاب القضاة وإثارتهم عليه ، بل دفعه إليه حرصه على ألا تضيع ثقتهم بقيادة الجيش الفرنسي وعلي ألا يعرض على أنظار الألمان ما كانت عليه القيادة الفرنسية وقتئذ من انحلال وضعف معنوي ومادي . والحق أن هذا الرجل كان ذا شخصية عجيبة غامضة لا يستطاع سبر أغوارها . . "

أما زولا نفسه فإنه لم يقابل ولم ير في حياته الرجل الذي دافع عن حريته دفاع الأبطال والذي ضحي من أجله بكل شئ . ومات كاتب " إني أتهم " في عام ١٩٠٢ في الثانية

والستين من عمره .

اشترك في نشرتنا البريدية