الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 298الرجوع إلى "الثقافة"

من احاديث الصيام، في الريف

Share

ركبت سيارة عمومية اقصد إحدي عواصم مديريات الوجه البحري ، وإذا بجماعة في الدرجة الأولى كلهم يقصد نفس المدينة . وانطلقت السيارة بسرعة عظيمة ، ولكن المسافة التي عليها ان تقطعها كانت طويلة تستغرق ما يقرب من الساعتين ؛ فأخذ الركاب يتجاذبون أطراف الحديث ، وقد كانوا خليطا من اوساط مختلفة وثقافات متباينة : فيهم المهندس والمعلم والفلاح والمزارع والتاجر والعمدة الخ وكان الحديث الذي دار حديثا ممتعا لا يخلو من فائدة ومغزي ، فآثرت ان انقله بنصه لقراء " الثقافة " الغراء ليتسلوا به في رمضان كما تسليت :

دفع أحد الفلاحين إلي الأفندي الذي بجانبه ورقة ليقراها ، فجاهد حتى فك طلاسمها واخبر الفلاح بمحتوياتها ، ولكنه لم يقنع ، ولم يبد عليه ما يدل على انه قدر الخدمة لصاحبها ، واكتفى بأن عقب بقوله :

غدا سنستفيد من مشروع مكافحة الأمية ونتعلم القراءة والكتابة ، ونفهم الدنيا ، ولا نحتاج لأن نقصد أي إنسان ليقرأ لنا ما معنا من أوراق .

فرد عليه أحد الحاضرين قائلا

وهل تظن أن ذلك الأمر سيتم حقا ، واننا نحن أبناء هذا الجيل سنستفيد من هذا المشروع ، ونخلص من الأمية ، ونتعلم ما ينير عقولنا ويفهمنا ما حولنا كما ترجو ؟ فأجابه الفلاح : ولم لا ؟

عندئذ تحرك المهندس ) وهو الذي عند ما بدأ الحديث عرفنا بوظيفته وبمقر عمله ( وابتسم ، وبدا عليه ما يدل على عزمه ان يشترك في الحديث . فتطلع الجميع إليه متلهفين . فقال :

أما عن شخصي فقد كنت مثل أخينا الفلاح كبير

الأمل في هذا المشروع ، وفعلا حدثتني نفسى أن أساهم فيه كما تملى على وطنيتي وإنسانيتي ، فأعددت حجرة وسبورة في محطة الكهرباء التي اعمل فيها ، وجمعت عمال المحطة وأعلنتهم بأنني سألقي عليهم دروسا متوالية بنظام ، تنفيذا لمشروع مكافحة الأمية قبل أن تنفذه الحكومة رسميا ، فبدأ عليهم السرور والتحمس ، وكانوا جميعا امامي في الموعد المحدد للدرس الأول ، وظل معظمهم مواظبا على الدروس . ولكني بعد قليل منها تعبت ، وعلى الرغم من ذلك ظللت أجاهد حتى يئست ، وأدركت أن الأمر مستعص وان تنفيذه مستحيل ، واوقفت الدروس وسرحت العمال .

بهت الحاضرون ونظروا إليه باستغراب وتساؤل ، وسرعان ما قال أحدهم :

الا تحدثنا عن سبب التعب والفشل واليأس ؟

فأجاب الأستاذ المهندس :

ما التعب فمصدره أمران : الأول : أني كنت أجد تحضير دروس بسيطة في القراءة والكتابة امرا ليس بالهين . والثاني أنني كنت ألاقي مشقة في تفهيم الدرس للعمال الذين كانوا على نوعين : الأول لا يكاد يفقه شيئا ، وظهر لى ان تعليمه ضرب من المحال ، وانه قد صدق الذي قال بأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر ؟ فمحاولة تعليم الكبار عبث ، وهي حقا مجهود ضائع . اما النوع الثاني منهم فقد كان يضايقني فيه ما يبدو عليه من إعياء وملل ظاهر قبل أن يمضي نصف الزمن المخصص للدرس

وأما سبب الفشل واليأس ، فهو اني علي الرغم من تعبي كنت عاجزا عن تنفيذ إرادتي وحمل اولئك العمال على الإصغاء والمثابرة والاجتهاد ، فالاطفال الصغار يستطيع الإنسان أن يحملهم على ذلك بالضرب تارة ، وبالشتم تارة أخري ، أما الرجل الكبير  صاحب العيال فالإنسان لا يملك ضربه ولا شتمه فتصوروا مقدار حيرتي وغيظي من هذا

الموقف المؤلم واعلموا انه من ثم حل بي اليأس وايقنت بالفشل .

عندئذ ابتسم المعلم ) وقد عرفنا وظيفته من سياق حديثه ( ، والتفت إلي صاحبنا المهندس واستأذنه في ان يبدي بعض ملاحظات على حديثه ، فأذن له فقال :

ألاحظ أولا أنك كنت تتعب نفسك أكثر مما ينبغي ، والعلم لا يقاس بحاجه بمقدار تعبه ، بل بمقدار تعب تلاميذه من العمل الذي يعملونه راغبين فيه مقبلين عليه . فكان يصح ان تستعين بأحد اصدقائك المعلمين ليوضح لك كيف تسير في دروسك لتحقق ذلك

والملاحظة الثانية أنك أفرغت كل جهدك ، وصرفت كل وقتك ، في تعليم هؤلاء العمال يوما بعد يوم القراءة والكتابة وحدها ، ولو انك عنيت بتعليمهم شيئا جديدا يتصل بأعمالهم الكهربائية في المحطة لوجدت منهم إقبالا واهتماما ونشاطا ، بل لعلك كنت تستطيع أن تعلم القراءة والكتابة خلال تلك الدروس الفنية .

عندئذ قطع عليه العمدة حديثه ليلفت نظره إلي الحكمة القديمة التي ذكرت من قبل ، والتي يظهر انه نسيها ، ألا وهي أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر ، وانه مهما كان موضوع الدرس فإن الكبار لهذا السبب لا يمكنهم متابعته وفهمه ، والمثابرة على الدراسة .

فأجاب المعلم : لو أنك انتظرت حتي أتم حديثي لسمعت ردى على تلك الحكمة الموهومة ، فهذا الرد كان موضوع ملاحظتي الثالثة . فليس كل قديم صحيحا وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما رأيكم ايها الأفاضل في أنني قرأت في بعض الكتب الإفرنجية الحديثة ان بعض العلماء من الأمريكان ، قد بين عدم صحة هذه الحكمة التي تتمسكون بها ، واتي بيراهين عملية لا يمكن نقضها تثبت أن الكبار يتعلمون بسهولة كالصغار تقريبا ، بشرط ان يكون ما يتعلمونه محببا إلي

نفوسهم ، بحيث يقبلون عليه ويفرحون بتلقيه ؟

عند ذاك وقفت السيارة ، ودخل راكب جديد ومعه طفل صغير ، ولم تكن هناك امكنة خالية ، فأخذ أحد الجالسين الطفل القادم إلي جانبه واجلسه ولاطفه وعندئذ تنبه المزارع من شبه غيبوبة ، واعتدل في كرسيه ، وقال للحاضرين :

انظروا إلي هذا الطفل اللطيف ، ودعوا الكبار وتعلمهم ، والمهندس وفشله ، والاستاذ المعلم وملاحظاته ، وخوضوا بنا في حديث الأطفال زهرة الحياة وزينة الدنيا ؟ فقد فارقت بيتي وتركت فيه أولادي منذ ثلاثة أيام فقط ، فاستطعت النوم في الليلة الأولى لتعبي الشديد ، وافسد على معظم نومي في الليلة الثانية تذكري أطفالي ، أما الليلة الثالثة وهي ليلة الأمس ، فلم ترفأ لي عين طولها لمشغوليتي الفظيعة بالعيال

وبالأمس أكلت ما لذ لي وطاب ، فأقسمت لأحملن لهم منه اليوم نصيبا موفورا ، واسرع عائدا إليهم حتي امتع نفسى بقربهم ، وانعم في ليلتي القادمة بالنوم الهني . بعد أن أطمئن عليهم ، وها أنا في طريقي إلي بلدتي .

فتمتم خبيث يقول : مبالغة زائدة على الحد ، وحنان يفوق المعقول ، ثم سأله : أليس لك بنات يا سيدي ؟

فأجابه : نعم ، لقد من الله تعالى على بالبنين وبالبنات ، فله الحمد والشكر .

فقال صاحبه : وماذا تفعل حين يكبرن ويتزوجن ، ويتركنك إلي بيوت بعولتهن ؟

فأجاب : عندئذ يتولاني الله بلطفه ورحمته

فلاحظ العمدة ان هذه المشاعر التي تثور في صدر صاحبنا ، إنما مردها في الواقع إلي انه كان بعيدا عن داره . والإنسان منا لا يستريح إلا في بيته في الأيام العادية ، فما بالك به في أيام رمضان فأكبر ظنى ان هذا السبب

النفسي الداخلي هو الذي دفع بصاحبنا إلى الإسراع بالعودة إلى داره . ولعل ضيق صدر اخينا المهندس لغربته وبعده عن أهله هو الذي افسد عليه دروسه ، وعجل بيأسه وفشله حتى يوقف الدروس ويتلمس الاعذار ليعود إلى داره ، وينعم بصحبة أهله وعياله وبالراحة في بيته .

وعندئذ التفت إلي أحد الأفندية وسأله : هل أنت موظف ؟ قال : نعم . فلا طفه قائلا :

كان الله في عونكم أيها الموظفون في هذه الأيام السود ، فاني كلما اشتد الغلاء ازددت رثاء لحالكم ، وإشفاقا عليكم ؟ فإنا تاجر ناجح في عملي وقد زادت الحرب في كسبي ، ولكن لي بنات متزوجات موظفين ، وقد عدت الآن من زيارتي لإحداهن ، وقلب يتفطر ؛ فقد سألتها عن الحال فقالت : بخير ! نحمده ! ولكن كل ما حولها كان ينم عن الشر والشدة ، ويفصح عن ضيق ذات اليد والجهاد في سبيل ستر الحال . فتألمت كثيرا ، ولم يفرج عني كربتي إلا كوني استطعت ان أودع كفها عند السلام ما يعينها على ما هي عليه من عسر

وهنا غربت الشمس ، وحل موعد الإفطار . فكم كان جميلا ان يصبح هذا الجمع من الركاب اسرة واحدة ، يشاطر كل منهم الآخر ما احتمله ليفطر به ، ولم ينس الذين اتوا بالطعام اولئك الذين لم يحضروا معهم منه شيئا مؤثرين الانتظار حتى يفطروا في بيوتهم ، فهؤلاء قد اجبرهم الآخرون على مشاركتهم الطعام ؛ ولم يبق بعيدا عن هذه المائدة المختلطة إلا واحد فقط من إخواننا الأقباط ، أقسم لو لم يكن قد أكل منذ ثلاث ساعات فقط ، وأكل أكلة أتخمته ، لشاركنا الإفطار

وقد تصادف ان كان هذا القبطى إلى جانبي ؛ فأخذ يسألني عن عملى ومقره ، وعني إخواني ونوعهم ، ثم اخذ يسرد اسماء بعض معارفه ممن يعملون مثل عملى ، حتى ساقت الصدفة واحدا منهم اعرفه ، فانتهز الفرصة واخذ

يتحدث عنه ؛ فكال له المدح ، واخذ يذكر انه من اسرة مجد عريقة اشتهرت بالكرم والنجدة ومساعدة كل الناس على السواء ، ثم قال : اتعدني أن تحمل إلي صديقك هذا رسالة مني ؟ فلما اجبته بأنني مستعد لان افعل هذا عن طيب خاطر وبكل سرور ، اطمأن واعتدل وتحمس ، وشرع يقول :

أناشدك الله أن تقنع صاحبنا هذا بأن المروءة وشرف أسرته وقدسية تقاليدنا في الصعيد تحتم عليه كلها أن يعيد فتح مضيفة والده من جديد ، ليعود للبيت مجده ويصير كما كان من قبل ملجأ للقاصدين ، وملاذا للمحتاجين .

قلت :  لكن يا سيدي ، يبدو لي أن ذلك ليس في الإمكان ؛ فصديقنا موظف كبير ، وعليه مسئوليات كثيرة خطيرة ، فكيف يتسني له وهو في القاهرة ان بعيد فتح مضيفة والده في بيت الأسرة بالصعيد

فأجابني بقوله : الأمر سهل هين ، فما عليه إلا أن يختار بين أحد امرين : إما ان يترك الوظيفة ) وهي الان كما قال صاحبنا التاجر غرم لا غنم ( ويعود إلي مسقط رأسه ويقيم فيه ، وكفاه ما جمعه من المال من وظيفته ، يضيفه إلي ما تدره ، عليه عزبته في بلدته ، فيعيش في بحبوبة ويسر وسعادة ؛ وإما أن يكلف واحدا من اقاربه بالإنقطاع لهذه المضيفة ، على أن يبعث إليه في كل شهر ما يسد نفقاتها .

فعجبت لهذه العقلية لا تزال قائمة في القرن العشرين ، ووجدت أن المناقشة في هذا الموضوع عديمة الفائدة ، ولن تكون اجدى من المناقشة السابقة حول مشروع مكافحة الأمية . واسعفني للتخلص منها وصولنا إلى العاصمة التى نقصدها . فتبادلنا التهنئة بسلامة الوصول . وانصرف كل منا إلى شأنه .

وبعد ، فإني أرجو أن يكون القارئ قد وجد في هذا الحديث من الغرابة المتعة ما وجدت ، وإلا فاني اعتذر إليه

اشترك في نشرتنا البريدية