الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الثقافة"

من احسن ما يروى، دراسة واختيار

Share

تمهيد : كان يقال في حكمة الأوائل : " اكتبوا أحسن ما تسمعون ، واحفظوا احسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون " .

ويحسن بي - قبل أن أتحدث بأحسن ما حفظت - أن أنبه إلى أمور خمسة :

( ١ ) اري أن الذوق الأدبى وملكة النقد الفني إنما يخلقان ، وينموان في نفوس المتأدبين بكثرة ما يحفظون ويقرءون من جيد الكلام نظما ونثرا ، ويتذوقون وجوه الكمال والارتفاع فيما حفظوا ، ونواحي النقص والانحطاط فيما تركوا ، ثم يدابون على تطبيق ما لم يسمعوا على ما سمعوا ، وقياس ما لم يعلموا على ما علموا ؛ وهكذا حتى تصبح ملكاتهم قادرة على ابتكار ضروب في النقد لم يسبقوا إليها ، وطرق جديدة في تمييز الكلام لم يدلهم عليها احد .

( ٢ ) اري ان الفساد والضعف في الشعر الحديث يرجعان إلى عدة اسباب ، اقواها ان ناشئة الشعراء في هذا العصر لم يرجعوا في تعلم الشعر إلى مصادره التى منها بعث وفيها شب وأكتهل ، فلم يقرءوا من شعر الفحول المتقدمين إلا قليلا ، ولو فعلوا لاكسهم ذلك الشعر تقويما لآلسنتهم ، وتحسينا واضحا في أساليهم ، وحياة قوية في عباراتهم وتعلموا من ذلك الشعر كيف يبرزون احساساتهم وعواطفهم واخيلتهم في صور واضحة الدلالة بينة المعالم

لا غموض فيها ولا التواء ، لكنهم رجعوا في تعلم الشعر إلي ما ينشر في الصحف كل حين من شعر الضعفاء ، وطبعى ان الفرع اضعف من الأصل ، والتابع في الدرجة الثانية من متبوعه

( ٣ ) لا أريد في هذه المختارات أن أكلف نفسي فوق مقدرتها ، باختيار ما يوافق جميع الأذواق ولا اكثرها ، فإن الناس تختلف اذواقهم في تقدير مقطوعات الشعر وغيره من الفنون اختلافا بينا ، وذلك لتنوع الرغبات باختلاف الثقافات ، وتباين البيئات والظروف المحيطة بكل منهم ، وحسبي ان اختار ما اراه حسنا مفيدا موافقا لاصحاب الذوق الأدبى الرفيع الذي كونه الإطلاع الواسع والأحاطة التامة بالآدب العربي في جميع عصوره ، فإن رأي سوي هؤلاء غير ما أرى فله رأيه.

( ٤ ) ربما لا يبلغ رتبة الحسن الكامل في رأيي غير بيتين أو ثلاثة ، فاضطر إلي إثبات ابيات قبلها لم تبلغ رتبتها في الحسن ، وإنما اثبتها ليكمل المعنى ويتصل السياق ، وتكون هذه الأبيات التي اضطر إلى إثباتها بمثابة قاعدة لهذا التمثال البديع في فنه .

( ٥ ) رأيت أن أضبط الفاظ تلك المقطوعات ضبطا كاملا ، وافسر ما يحتاج إلى التفسير من عربيتها ، وأشرح ما اراه محتاجا إلى الشرح من غوامض عباراتها وابياتها ، تيسيرا للانتفاع بها على جميع طبقات المثقفين ، متوخيا إبراز ما في كل مقطوعة من وجوه الحسن والكمال الداعية إلي اختيارها ، مع الإيجاز في ذلك قدر المستطاع

ابن الرومي يصف ( وجد ) المغنيه ويشبب بها :

لم اقصد في اختيار هذه المقطوعة إلي عبارات ضخمة فخمة ، او اسلوب ذهب به صاحبه مذهب العرب الأولين في قوة النسج ومتانته ، أو فن لفظي بديع الصنع ،

فالمقطوعة خالية من ذلك كله ، وهي اشبه بلغة الكتاب وطريقتهم في تأدية المعاني ، منها بلغة الشعراء وطريقتهم في ذلك ، لما تراه فيها من بسط للمعنى وسهولة في الألفاظ لا يكادان يتفقان إلا في النثر . ألا تري إلي إجمال المعنى ثم تفصيله في البيتين الرابع والخامس ؟ وإنما قصدت في اختيارها إلي ما احسه فيها من قوة التفكير ودقة التصوير والإحاطة بالمعنى من جميع نواحيه او اكثرها ، والاتجاهات المبتكرة غير المبتذلة المطروقة في التشبيب بالقيان وصفة غنائهن ، وإبراز الصور البديعة في ثوب من البيان السهل المشرق البعيد من الصناعة ، وتكلف فنون من التحسين اللفظي

تلك نبذة مجملة عما آراه من وجوه الحسن في هذه المقطوعة وهي تغني عن التفصيل ، قال ؟

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَتْني وَحيدُ

فَفُؤادي بها مُعَنَّىً عَمِيدُ١

غادةٌ زانها من الغُصْن قَدٌّ

ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

وزهاها من فَرْعِها ومن الخد

ديْنِ ذاك السَّوادُ والتَّوْريدُ٢

وغَريرٍ بحسنها قال صِفْها

قلت أمْران هَيِّنٌ وشديدُ٣

يسهل القول إنها أحسن الأشْ

ياءِ طُرّاً ويعْسرُ التحديدُ

تتجلي للناظرين إليها

فشقي بحسنها وسعيد

ظبية تسكن القلوب وترعا

ها وقمرية لها تغريد (١)

تتغنى كانها لا تغني

من سكون الأوصال وهي تجيد (٢)

لا تراها هناك نجحط عين

لك منها ولا يدر وريد (٣)

من هدو وليس فيه انقطاع

وسجو وما به تبليد(٤)

مد في شأو صوتها نفس كا

ف كانفاس عاشقيها مديد(٥)

وأرق الدلال والغنج منه

ويراه الشجا فكاد يبيد(٦)

مستلذ بسيطة والنشيد

فيه وشي وفيه حلي من النغ

م مصوغ يحتال فيه القصيد

طاب فوها وما ترجع فيه

كل شئ لها بذاك شهيد

نغم ينقع الصدا وغناه

عنده يوحد الشروز الفقيد(١)

قلها الدهر لاثم مستزيد

ولها الدهر سامع مستعيد

ما تعاطي القلوب إلا أصابت

بهواها منهن حيث تريد

عينيها انها اذا غنت الاح

وار ظلوا وهم لدنيا عبيد

واستزادت قلوبهم من هواها

برقاها وما لديهم مزيد (٢)

ليت شعري إذا أدام اليها

كرة الطرف مبدي ومعيد

أهي شيء لا تسام العين منه

أم لها كل ساعة تجديد

بل هي العيش لا يزال متي أست

رض يعلى غرائنا ويفيد

منظر ، مشتع ، معان من الله

وعتاد لمن يحب عنيد (١ )

ما تزالين ، نظرة منك موت

لي مميت ، ونظرة تخليد

تتلاقي فلحظة منك وعد

وصال ولحظة تهديد

اشترك في نشرتنا البريدية