مالك بن الريب :
مالك بن الريب المازني يرثى نفسه وقد حضره الموت بخراسان ، وهو شاعر من شعراء الإسلام في أول زمن بني أمية ، نشأ بادية بني تميم بالبصرة ، وكان لصاً فاتكاً ؛ وكان من خبره أن معاوية بن أبي سفيان وجه سعيد بن عثمان بن عفان عاملاً له على خراسان، فخرج بجنده إليها ، فلما كان بطريق فارس لقيه مالك بن الريب - وكان من أجمل الناس وجها وأحسنهم ثياباً ؛ فلما رآه سعيد أعجبه ، وقال له : ويحك تفسد نفسك بقطع الطريق ؟ وما يدعوك إلى ما يبلغى عنك من العبث والفساد وفيك هذا الفضل ؟ قال : يدعونى إليه العجز عن المعالى ومساواة ذوى المروءات ومكافأة الاخوان . وفي رواية : ( كلب الزمان وجفوة السلطان والعجز عن مكافأة الاخوان». قال سعيد : فان أنا أغنيتك واستصحبتك أتكف عما كنت تفعل ؟ قال : أى والله أيها الأمير . فاستصحبه وأجرى له خمسمائة درهم في كل شهر، فلما قفل سعيد من خراسان مرض مالك في الطريق ، فتخلف عن الجند ، فلما أشرف على الموت قال تلك المقطوعة الباكية التي ينتظم أبياتها روح التفجع على الحياة المودعة ، وحنين من لا رجاء له في العودة ، وشكوى غريب أيقن ألاً آخر لغربته. وإنك لتلمس دقة العاطفة ودقة الحس فى هذا الشاعر حين تراه في قصيدته تلك ، لم تذهله غشية الموت عن التفجع والرثاء لفرسه الذي
حال الموت بينه وبينه ، ولم يترك له ساقياً وهذا منتهى ما تصل إليه الانسانية من السمو النفسي في رعاية الصلة والوفاء بين الانسان وبين من يعاشره أيا كان نوعه. وفي اعتقادي أن هذه الإحساسات النبيلة إما تخلقها وتنميها فى قلب الانسان الصراحة ، وصفاء الطبيعة في عيش البادية. كما تمينها أو تضعفها قيود التكليف والرياء في عيش الحاضرة .
ولذلك قال بعض المتقدمين من العلماء بالشعر - وأحسبه الأصمعي - :
" إذا جاءك بيت لص فاحتفظ به "
وقد علل ذلك بما يفيد أن لصوص العرب أبعد عن الحواضر وأكثر توغلاً في البوادي ، فهم أصفى لغة وأسلم عبارة ، وأبعد من الدخيل في ألفاظهم
وأقول في تعليل ذلك أيضاً : « إن بعدهم عن الحواضر جعلهم أصفى طبيعة وأسلم فطرة وأدق حتما ، إذ ليس فى عيش البداوة من قيود التكلف ما يحد الاحساس أو يصرف الطبيعة عن وجهها ، والطبيعة والاحساس ينبوع الشعر ومصدره .
وقد عرض الشاعر في هذه المقطوعة عدة معان في الحنين والتفجع ، متوخياً في ذلك اللفظ الغريب والبيان السهل. وهكذا الشأن فى شعر المواطف فانها بقدر ما تكون واضحة الأثر فى القلب تكون واضحة في تصويرها والتعبير عنها .
وقد زاد الرواة في هذه القصيدة من عندهم أضعاف أبياتها ، فانتقيت منها ما هو يشعر العرب أشبه ، وإلى كلام ابن الريب وأمثاله من شعراء معاصريه أقرب ونفيت ما هو مدسوس عليه فيها ؛ قال :
ألَا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ أَبِينَنَّ لَيْلَةٌ
بِجَنبِ الْقَضَى أَزْجِي القلاص النوجيا (١)
فَلَيْتَ الغضَى لَمْ يُقْطَعَ الرَّكْبُ عَرْضَه
وليت الغضى مالى الركاب لياليا
أجبتُ الْهَوَى لَمَّا دَعَانِي بعبرة
تقنعت منها - أَنْ أَلام - رِدَائِيا (٢)
الم ترني بعت الضَّلالة بالهدى
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
فلله دري حين أترك طائعا
بنى بأعلى الرقمتين ومالها (٣)
ودر الظباء السانِحَاتِ عَشِيَّةٌ
يُخبرنَ أني هالك من أماميا(٤)
تقول ابنتي لَمَّا رَأت وشك رحلتي
سفارك هذا تاركي لا أبا ليا
فيا صاحبى رَحْلِي دَنَا المَوْتُ فَانْزلَا برابية إني مقيم لياليا
وخُطًا بأطراف الأسنة مضجعي
وردا عَلَى عَيْنى فَضْلَ رِدَائيا
ولا تحسداني - بارك الله فيكما -
من الْأَرْضِ ذَاتِ الْمَرْضِ أَنْ تُوسعا ليا
خذانى فَجُرَانِي بِبُردِى إِليكما
فقد كُنتُ قَبْلَ الْيَوْم صَفيا قياديا
تفقدت من يبكي على فلم أجد
سوى السيف والرمح الرديني باكيا(١)
وَأَدهم غريبٍ تجرُ لِجامه
إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا
وبالرمل - لو يَعْلَنَ عِلْي - نسْوَةٌ
عزيز عليهن الغشية ما بيا
لعمري لئن غَالَتْ خُراسانُ هَامَتي
لقد كُنتُ عَنْ بابَى خُراسان نائيا
تحمل أَصْحَابى عِشاء وغادروا
أخا ثقة في عرضة الدار ثاويا
يقولون : لَا تَبعَد وَهُمْ يَدفنونني
وأين مكان البعدِ إلا مكانيا

