الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 30 الرجوع إلى "الثقافة"

من احسن ما يروى، دراسه واختيار

Share

أبو العلاء أيضا أعود إلي الحديث عن هذا الشاعر العالم الفيلسوف ، فأضيف إلي ما ذكرته مما يتميز به انك تحس قوة العاطفة وحرارتها ووضوحها في نواح قليلة من نواحي شعره دون بقيتها . فإذا حن في غربته إلي الوطن المهجور ، او تذكر في كربته عصور اللذة الماضية ، او بكي في مشيبه على الشباب الزائل او تشوق في وحدته ووحشته إلى الصديق النائي ؛ سمعت وراء الفاظه أنين الفاجعة . وأحسست بين أبياته مض الألم

أما ما عدا ذلك من أغراض شعره فانك لا تحس فيه أثرا لتلك العاطفة ، ولكنه يعوضك عنها من فكره الدقيق النافذ ، وخياله الواسع الخصب ، وعلمه المتدفق الغزير اضعاف ما فقدته في هذا الشعر من العاطفة ، حتى لا تحس بفقد شئ فيه ، بل تحس انه زاد على حاجتك وأربي علي ما تريد . فإذا مدح أو فخر أو رثي أو وصف وأردت أن تتعرف إحساسه ووجدانه ، أو تتلمس نفسه فيما يقول ، لم تجد لذلك اثرا ؛ فلا يبعث مدحه ولا رثاؤه في نفسك اعجابا بالممدوح ولا حزنا على المفقود ، كما نري ذلك في شعر مهيار والشريف وأمثالهما ؛ ولا يعطيك وصفه صورة واضحة مما يصف كما تري ذلك في شعر ابن الرومي ، بل نجد عوض ذلك فنا لفظيا عاليا اوحت إليه به كثرة ما يحفظ من متن

اللغة والشعر القديم ؛ وقد يغلو في هذا الفن اللفظي احيانا إلي أن يصير ، نوعا من العبث الذي كان يجدر مثله ان ينزه شعره عنه كما نجد في هذا الشعر أيضا سعة خيال ودقة تفكير وقوة على ابتكار المعاني لا تجدها في اكثر شعراء العربية تقرأ شعره في تلك الأغراض فتخرج منه بثروة من العلم والتفكير قد حباك إياها ، لا باحساسات قلبية أو عواطف نفسية قد بعثها وأحياها .

حتى الغزل وهو ينبوع العاطفة - تقرؤه في شعره ، فتجد غزلا صناعيا ، لا تحس فيه اثرا من عاطفة ، ولا تشعر ان صاحبه قد خفق فؤاده بالحب مرة واحدة ، ولا وقف الهوي بباب قلبه وقتا يسيرا من الدهر . وهذا امر طبعي من رجل كأبي العلاء ؛ فمن اين يجد الحب منفذا إلي قلب امرئ يحيا حياته ، ويقطع العمر يمثل ما قطعه ؟

ولكنه يتصنع الحب ويدعيه استكمالا لفن الشعر بالغزل الذي هو من اهم اغراضه ؛ فيصف اعتدال القدود وتورد الخدود ، وحور العيون وسحر الجفون ؛ ويذكر زورة الخيال وليالي الوصال ، وطول السها دون تقرح الاكباد ، وما إلي ذلك من معاني الغزل التي يرددها الشعراء ، فلا تحس انه أغرم بشيء مما يصف من جمال ، ولا ذاق مما يذكر حلاوة ولا مرارة ؛ ولكنه يغرب في المعاني والآلفاظ ، ويحلق في جو من الخيال يبعده كل البعد عن الجادة ؛ فغزله اشبه بغزل أبي الطيب ، كلا الشاعرين يقول الغزل تصنعا ، والحب لديه مدعي ، ويسمعك غزلا فكريا ، لا تشبيبا قلبيا .

ومن العجيب انك تحس في غزلهما إغراء شديدا بقراءته وحفظه وكثرة ترديده والتغني به احيانا ، رغم جفاف ينبوعه من قبض العاطفة ، وان كلا الشاعرين يخاطب القلوب والمشاعر في غزله يغير لغتها التى تعودت

ان تتفاهم بها ، ما ذاك إلا لأن في علو تفكيرهما وقوة ابتكارهما تغذية لعقل القارئ تعوضه عما فاته من تغذية عاطفته

ذلك بعض ما أراه في شعر هذا الشاعر المفتن ، قد اجملته في هذه الكلمة اليسيرة والتي قبلها ، وذلك من ناحية شاعريته وحدها دون بقية نواحيه الكثيرة ، كما قدمت في المقال السابق . وسأعود إلي الحديث عنه كلما اخترت شيئا من شعره ، فأفصل اتجاهه في كل غرض من أغراضه ، وأبين المآخذ التي أراه مؤاخذا بها . وقد سبق ان اخترت مقطوعتين من شعره يتشوق فيهما إلي وطنه وهو ببغداد ، وتحدثت عما في كل مقطوعة من الجمال والسحر

وهاتان مقطوعتان يودع في أولاهما بغداد حين أزمع السفر عنها إلي وطنه ، ويتحسر في الثانية علي الشباب الذاهب ، ويذكر ضجره من الدنيا وسآمته من الحياة ، وكلتا المقطوعتين من شعره الذي تجلت فيه عاطفته قوية واضحة ؛ واستطاع بما اوتي من عبقرية ان يصور تلك العاطفة تصويرا دقيقا رائعا ، فليست هاتان المقطوعتان من عيون الشعر العاطفي وحده ، بل من عيون الشعر التصويري أيضا ، مع خلوهما من العيوب التى يعاب بها بعض شعر أبي العلاء ، كتكلف الصناعة اللفظية والغلو فيها إلي حد الخروج عن المعنى المراد . قال يودع بغداد :

-١-

نبي من الغربان ليس على شرع

يخبرنا أن الشعوب إلي الصدع

أصدقه في مرية (١) وقد اعترت

صحابة موسي بعد آياته التسع

اودعكم يا اهل بغداد والحش

على زفرات ما بنين من اللذع

فبئس البديل الشأم منكم وأهله

على أنهم قومي وبينهم زيغي

ألا زودوني شربة ولو نني

قدرت إذا أفنيت دجلة بالجزع

وما الفصحاء الصيد والبدو دارها

بأفصح قولا من أمائكم الوكع (١)

أظن الليالي وهي خون غوادر

بردى إلي بغداد ضيقة الذرع

وكان أختياري أن أموت لديكم

حميدا فما ألفيت ذلك في الوسع

فليت حمافي حم لي في بلادكم

وجالت رمامى في رياحكم المسع(٢)

-٢-

يتحسر على الشباب الذاهب ويذكر سأمته وعجزه

من الحياة:

منك العدود ومني بالصدود رضا

من ذا علي بهذا في هواك قضي ؟

بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلقت

من الكآبة أو بالبرق ما ومضا

إذا الفتى ذم عينا في شبيبته

فما يقول إذا عصر الشباب مضي ؟

وقد تعوضت من كل بمشبهه

فما وجدت لأيام الصبا عوضا

وقد غرضت من الدنيا فهل زمني

مغط حياتي لغز بعد ما غرضا (١)

جربت دهري وأهليه فما تركت

لي التجارب في ود أمري غرضا

اشترك في نشرتنا البريدية