ت .س .إليت T.S.Eliot كاتب انجليزي معاصر ، له مذهب خاص في كتابة القصة ، وله آراء طريفة في النقد الأدبي ، ننقل بعضها هنا للقارئ العربي .
- ١ -
معنى الثقافة
إن العقيدة لا تحتاج إلى التعريف إلا بعد أن تظهر فيها البدع والضلالات ، وكذلك كلمة " الثقافة " أصبحت بحاجة إلى التعريف والتحديد بعد ما أسئ استعمالها حتى في أرقى الأوساط العفية ؛ فإني أشك في أن منشئي ) مؤسسة التربية والثقافة والعلوم لهيئة الأمم المتحدة ( أنفسهم قد استخدموا لفظة " الثقافة " دون أن يفقهوا لها معنى .
تشمل الثقافة كل نواحي النشاط والاهتمام التي تميز شعبا من شعب : فسباق الكلاب ، ويوم دربي ، وكأس التفوق ، والألعاب المنزلية ، والكرنب المسلوق ، والبنجر المخلل ، وكنائس القرن التاسع عشر القوطية ، وموسيقى الجاز . وآداب المعاشرة ، والعلم والأدب ، والفلسفة والفن ، وغير ذلك . . يكون ثقافة الجماعة . ولا يمكن أن تظهر الثقافة أو تتطور إلا مع دين من الأديان
وهكذا نرى أننا لا نستطيع أن نقول : هذا رجل مثقف ، ولكنا نستطيع أن نقول إن مقومات الثقافة عند هذه الجماعة أو تلك هى هذا أو ذاك .
- ٢ -
تأثير الأدب
إن كل ما يتناول المرء من طعام يكون له عليه أثر آخر غير مجرد الاستمتاع بمذاقه ، إنه يؤثر في تكوينه الجثماني خلال هضمه وتمثيله .
ولكل ما نقرأ مثل هذا الأثر في نفوسنا وعقولنا . ان تأثير القراءة لا يقف عند حد الاستمتاع بالجمال والتذوق الأدبى ولكنه يترك في الذهن اثرا بالغا لا يمحى . فالاديب
حينما يكتب محاول أن يؤثر بآرائه في قارئيه ، قصد إلى ذلك أو لم يقصد ، والقارئ حينما يطالع كتابا من الكتب يتأثر بما يحوي الكتاب بقصد أو بغير قصد . وكل منا يذكر كيف كان كاتب من الكتاب أو شاعري من الشعراء يستولى على ليه في فترة من فترات حياته ، ثم يتلوه كاتب آخر أو شاعر آخر ، وهكذا ، وبعدئذ تتفاعل في الذهن هذه الآراء ، ويبدأ العقل في الموازنة بين رأي ورأي ، ويدرك أن لكل كاتب صفة لا تتوفر في الآخرين . وأسلوبا يميزه عن غيره ، فيصبح القارئ ناقدا من حيث لا يدري . وتنمو لديه قوة النقد تدريجيا حتى تحميه من طغيان شخصية أدبية واحدة علي تفكيره وارائه . فليس الناقد إذا هو الرجل الذي محترف التعليق على الكتب في الصحف والمجلات ، وإنما هو القارئ الذي يضم إلى الإحساس الرقيق اطلاعا واسعا في خير ما انتج الكتاب والأدباء من كتب . وليست قيمة الإطلاع الواسع في اكتناز الآراء ، أو تكديس المعرفة ، أو حشو الذهن بمختلف الآراء ، وإنما قيمته تنحصر في تمكين القارئ من التخلص من الخضوع لكاتب بعينه أو لعدد محدود من الكتاب . ينبغي أن تتفاعل الآراء المتباينة في أذهاننا ، وأن يكون لكل منها مكانته في نفوسنا ثم تفرض عليها شخصيتنا ، ولا تفرض نفسها علينا فرضا
ولست أعتقد أن الشخصيات القصصية التي يرسمها الكاتب بقلمه ، ويجعلها تقوم بما يتخيله من أعمال ، ويجري على ألسنتها ما يدور برأسه من أفكار وما يجيش في صدره من عواطف ، تزيدنا مباشرة بالحياة علما وبشئونها خبرة ومعرفة . إننا لا نعرف الحياة معرفة مباشرة إلابما يتصل بنفوسنا اتصالا مباشرا ، كالأحياء من الأشخاص الذين تقابلهم وتقتضينا ظروف الحياة أن نتعامل معهم . ولا يفيد القارئ من القصص إلا أن يعرف آراء كاتبها . وليست الشخصات القصصية كالشخصات الحية بأية حال من الأحوال . والقاريء المبتدئ يأخذ من القصة الخطأ أكثر مما يأخذ
منها الصواب . فإذا ماتم نضجه العقلي لا ينظر إلي آراء الكاتب إلا باعتبارها وجهة نظره الخاصة ، التي قد تتفق ووجهته وقد لا تتفق . ولا يفيد القارئ مما يطالعة إلا بعد أن يبلغ هذه المرحلة ، حينئذ تدرك أن في الحياة وجهات نظر متنوعة متعددة فتسامح غير متعصبين او متحيزين .
ومن ثم فإنى أعتقد أنا لا نفيد من شكسبير ودانتي وجيته ومن إليهم أكثر مما تفيد مما تحسبه لمجرد التسلية وقتل الفراغ ، بل إني لأميل إلى الاعتقاد بأن ما نقرا لمجرد المتعة والتسلية أنفع لنا مما نقرأ مع بذل الجهد وتقديس الكاتبين ، لأننا في الحالة الأولى نقف موقف الناقد البصير ، وفي الحالة الأخرى ترفع الرأي إلي مكانة من التقديس قد لا يستحقها ، وتخضع له خضوع الأدلاء المسترقين .
- ٣ -
من حديث له مع مراسل صحيفة أدبية :
ما السبب في غموض الشعر الحديث ، وهل لا بد من غموضه ٢.
للغموض طرق متعددة : فمنه ما يتكلفه الشاعر تكلفا لكي يتظاهر بعمق التفكير ، وهو حينئذ لا يخدع إلا نفسه ؛ ومنه ما ينشأ عن صعوبة التعبير عن عاطفة قوية يحسها الشاعر من غير نفاق أو رياء وهى صفة يتميز بها الشباب من الشعراء خاصة ، وكما حذق الشاعر فنه ازداد وضوحا وقل غموضا . ومن الأفكار ما هو غامض بطبعه . ولا يمكن أن يعرضه الشاعر في جلاء ووضوح ، ومن الشعر ما نراء غامضا لأن الشاعر يعرضه في صيغة لم يألفها القراء ، شأنه في ذلك شأن الفن الحديث . ومن ألف التعبير بطريقة ما يشق عليه أن يدركه بطريقة مبتكرة .
ثم انك عندما تقرأ كتابا من الكتب الأدبية الخالدة لن تشعر - مهما حاولت - أنك قد استوعبت كل ما يحويه . ومن ذا الذي يزعم أنه أدرك كل مايرعى إليه أي كتاب من الكتب المقدسة ؟
- ألست تظن أن خير صفات الشعر الجرس ووضوح الفكرة - أي سهولة انتقالها من ذهن الشاعر إلي ذهن القارئ ؟ .
الجرس ميزة لاشك فيها ولا مراء ، أما وضوح الفكرة
فقد لا يكون مما يهدف إليه الشاعر ، لأن المهم في الشعر هو انتقال الحالة الروحية من نفس الشاعر إلى نفس القارئ .
- قرأت كتابك الأخير عن " التقاليد " بشيء كثير من المتعة والاهتمام . ولست أشك في قيمة ما تعرضه فيه من آراء ، غير أني ألفت أجزاء منه في غموض لم أدرك له سببا . فهل لي أن أسألك : لماذا لجأت في هذه الأجزاء إلى التعقيد اللفظي ؟ .
إنما لجأت إلى ذلك لكى أتحاشى شدة التبسيط وشدة الوضوح . ولا تسألني عن غموض أفكاري ، فمن العسير على أن أدرك إن كنت قد هضمت فكرتي تماما أو لم أهضمها . وقد تتسم أفكاري بالتعقيد ، ولكني أفعل ذلك مهملا أو عامدا .
- لماذا ترى أن الدين جزء لا يتجزأ من التفكير ؟
- أفتسألني لماذا خلق الله للفيل أربع أرجل ؟ إن الدين أهم عنصر من عناصر الحياة ، وفي ضوء الدين يفسر المرء أية مشكلة من المشاكل .
- إذا فأنت ترى أن للهند فضلا كبيرا على التفكير الإنساني .
- لقد هدانا الهنود إلى فكرة لا تعدلها أية فكرة اخرى .
وما تلك
- إن الإنسان بغير المعرفة الروحية كان ناقص
- هل تري أن الشعر سوف يكون شعبيا في يوم من الأيام ؟ وإن كان كذلك ، فكيف السبيل ؟
- يتوقف الأمر على المستمعين - أى على الجماعة التي ينشد فيها الشاعر شعره . وليس من شان الشاعر أن يشغل نفسه بطبقة القراء ، وينبغي ألا يعبا بهم ، سواء لديه إن كانوا صفوة مختارة ، أو جمهورا من السوقة ، إنما يجب عليه أن يعبر عما يشعر بضرورة التعبير عنه ، وألا يفكر في شيء آخر بعد ذلك .
هذه شذرات من آراء ت س إليت ، الأديب الإنجليزي المعاصر ، أقدمها للقارئ العربي لتشحذ فيه قوة الفكر وأسالة النقد .
