في سنة ١٩٢٧ عرفت رجلاً إنكليزياً، فنشأت بيني وبينه مودة، وكان رجلاً حريصاً على أن يعرف أشياء كثيرة، على وجهها الصحيح، وكان صادق اللسان فيما يبدو لي منه، وإن كنت قلق الشك في صدق اللسان الإنكليزي! وكان لطيف المعشر طلق المحيا، فيه دعابة رقيقة لا تبلغ العنف ولا يتجاوز بها حدها. وبقينا معاً سنة كاملة؛ فكان كأكمل الناس أدباً، وأركنهم عقلا وأبعدهم عن الملاحاة والمغاضبة وسوء العشرة. وكان إذا تقصى مني أمراً أخلصته القول، فقد ظننت أني جربته وعرفته ونفذت في طوايا ضميره. وكان هو يحدثني فلا اشك أبداً أنه كسائر أهل جلدته، بل كان خلقاً غير الخلق منهم، فهو يقول ويعني ما يقول، وليس كأمثالهم يتسلل من إهاب ليدخل في إهاب. ولم أزل أطمئن إليه وإلى حديثه وإلى بثه ما في نفسي ونفس بلادي من شعورٍ، فكان لا يتردد في إعطاء الحق لمن كان له الحق، ولا يرضى أن يكون ظالماً ولا متعنتاً ولا مدافعاً بالعصبية والكبرياء أو المماراة.
ال سن ۱۹٢۸ جاعت أمان من بلادها و معانی مرگت
فما لبثت أن رأيت هذا الرقيق الوديع المنصف ينقلب خشناً جريئاً على الباطل جائراً في الحكومة، متعنتاً فيما كان بالأمس يعطي النصفة فيه، وإذا هو شديد اللدد تياه الخصومة، وإذا هو ينسلخ من إهاب ليدخل في إهاب كفعل سائر قومه، فكان ذلك آخر عهدي به، وكان من عاقبته أني كرهت هذه الإنكليزية العجيبة التي يقال فيها ما قال الشاعر: (كالعُمرّ يكمُنُ حيناً ثم ينتشرُ) فإن مجيء امرأته أعداه كما يعدي الجرب، فثار ما كمن فيه ثم استشرى، فإذا هو وافد قومٍ هم ما هم.
وفي هذه السنة التي انتفض عليه فيها عر قومه، جلسنا يوما نتحدث فجرى الحديث إلى ذكر السودان، فقال لي إن قضية مصر في مسألة السودان ليست إلا دعوى لا خير فيها، فإن هذا النيل الذي تزعمون أنه يربط بين مصر والسودان رباطاً لا انفصام له لا ينفعكم لإقرار الحجة لدعواكم أن مصر والسودان أمة واحدة أو ينبغى أن تكون أمة واحدة . وقال: أرأيت إلى نهر الدانوب، كيف يجوز في العقول أن يدعي مدعٍ ممن يعيش على مده أنه يوجب توحيد الأمم التي عليه لتكون أمة واحدة؟ أو ليس إذا قام شعب من شعوب الدانوب فأدعى بمثل ما تدعون،فإن الواقع كله يبطل حجته، والعقل يوجب أن يشك المرء في صحة إدراك هذا الشعب؟ فهذه هذه، فليس ينفع قضية مصر أنه تدعي أن النيل بينكما هو الرباط الذي
يوجب أن تصير مصر والسودان أمة واحدة. والعجب العجاب عندي أن حديث السودان كان قد جرى بيننا قبل أن يمسه عر قومه، فلم يقتصر يومئذ على أن يسكت؛ بل كان قد وافقني على ما ذكرت له من حجة مصر في قضيه السودان، فإذا هو قد نسي كل هذا بعد أن ارتد إلى سنخه وطبيعته. . . . وهكذا الإنجليز.
ومضى الزمن، وإذا بنا نسمع إحدى الببغاوات التي سلبت العقل وكسيت الريش الجميل، تردد هذا القول المدخول الفاسد من جميع نواحيه. ولو كان قائله إنجليزياً لهان الأمر، وهو هين على كل حالٍ، ولكنه مع أشد الأسف سوداني بالمولد والإهاب، أما قلبه فقد بيع بالمزاد فوقع في قبضة الرجل الذي رفعته إنجلترا بين عشية وضحاها من وهدة البؤس والحرمان، وكان فيهما رجلاً فاضلاً، إلى ذروة الغنى والجاه، فأصبح بعدهما جانحاً إلى النقصان ساعة بعد ساعة.
زعمت الببغاء أن ليس في الدنيا شيء يقال له وحدة وأدي النيل، كما انه ليس في الدنيا شيء يقال له وحدة نهر الدانوب، وأن الذي يبطل هذه يبطل تلك في مقام الاحتجاج، ويخرج من هذا إلى إن السودان ينبغي أن يكون أمة وحده، وأن مصر أو أثرياء مصر! (ينصبون فخاخاً تخفي أغراضهم الحقيقية ببراعة بالغة خلف الثوب اللامع من الدين واللغة والتاريخ، وهو الثوب الذي اصطنعوه بأيديهم) . هكذا قالت الببغاء التي يزعمون أنها رئيس تحرير جريدة النيل وعضو في وفد حزب الأمة في لندن لهذا التاريخ!
فهذه الببغاء تجمع إلى نقيصة الترديد والتقليد نقائص كل واحدة منها شر من الأخرى هي الجهل بمعنى ما يقول، والكذب على أهل السودان، والجرأة في التهجم على الناس بما ليس يعلم، والتدليس في التاريخ، والعبث بمصير أمته المصرية السودانية، وشرهن جميعاً ما يلوح في خبئ كلامه من العداوة البغيضة التي يورثها هو والمستأجرون من أمثاله بين مصر والسودان.
وقصة هذا الدانوب الذي يحتج به ذلك الإنجليزي ثم احتجت به الببغاء الملقنة، قصة فاسدة المبنى والمعنى،
والإغماض في الاحتجاج بها دال على ضيق التصور وقلة العقل وجثوم الجهل في جمجمة قائلها. فهذا النهر ينحدر من منابعه في بادن مخترقاً المانيا ثم النمسا ثم هنغاريا ثم يوغسلافيا ثم بلغاريا ثم رومانيا حيث ينتهي إلى مصبه في البحر الأسود، فهو مشترك بين ست دول كل واحدة منها لها خصائصها، حتى يبلغ التباين بينها مبلغاً ليس بعده شيء في اللغة والعادات والآداب والتاريخ وأسباب الحياة كلها تقريباً. هذه واحدة.
أما الثانية فهذا النهر واقع في قلب أوربة، وهذه الدول كلها قائمة على حفافيه متاخمة لدول أخرى تحيط بها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فهو ليس نهراً في صحراء جرداء كما ترى في نهر النيل الذي يحده من الشرق صحراء، ومن الغرب صحراء، ومن الشمال بحر ينتهي إليه مصبه، وفيه دلتا مصر.
وأما الثالثة، فهو أنه ليس نهراً تقوم على جوانبه الزراعة في خطٍ ضيق في بلد واحد كالذي تراه في نيل مصر والسودان، بل لعل أكبر فوائده هي النقل لا الزراعة وحدها.
وأما الرابعة فهي أن هذا النهر يمر في دول ستٍ قوام حياتها الصناعة لا الزراعة وحدها. أما نهر النيل فالزراعة هي قوام حياة أهله وسبب أرزاقهم، والذي فيه من مادة الخصب يوجب أن يكون نهراً للزراعة واستصلاح الأرضين البور التي تحف به من شرق وغرب.
وأما الخامسة فهي أن إقامة السدود على نهر الدانوب لا يمكن أن يراد بها إلحاق ضررٍ بالأرضين التي تقع على منحدره، فإذا أراد ذلك مريد وعزم على أن يضر بلداً بمنع ماء الدانوب عنه فقد وقعت الواقعة بين ست دول كلها متأهب للحرب في سبيل رد هذا البغي. فهو كما ترى أمر مستحيل بطبيعته.
وهناك قول كثير ولكن حسبنا هذا لمن يريد أن يفهم فهما ، لا أن يردد الأقوال ترديد الببغاوات التي تباع وتشترى للأغراض الخبيثة التي تريدها إنجلترا بهذه البلاد المسكينة. فهذه المقابلة السخيفة بين مسألة الدانوب ومسألة النيل لا تدل على شيء إلا على جهل الناطق المردد لها، ولا
تقوم حجة إلا على خبث النيات التي أخذت تدنس لتفرق أوصال هذا الوادي وتزايل بين روابطه التي لن تفصم، بإذن الله.
ونحن نحمد الله على أن الأحرار أهل السودان ليس لهم برأي أن يقطعوا أرحامهم، ويخربوا بيوتهم بأيديهم، ويمزقوا هذه الوشائج الممتدة من أقصى عهود التاريخ إلى يومنا هذا. فنحن نسوق الحديث إلى هذه الببغاوات التي تنتسب إلى الشعب الأبي الحر لعلها تفئ إلى الحق، وإلى الذين يهادنون في الحق الأبلج مخافة أن يقال إن مصر تريد أن تبسط سلطانها على السودان في زمن تنادي فيه الأمم بالحق الأبلج أيضاً في تقرير المصير. ولولا أن هذا كله تدليس خفي يراد أن تروع به القلوب، ثم يتغلغل خفية إلى معان بعيدة يراد بها قتل السودان ومصر جميعاً، لكان الرد عليه هو إهماله وازدراؤه.
إن هذا النيل الجاري بين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية من أقصى الجنوب إلى أدنى الشمال يوجب أن يكون أمة واحدة، فليس مثله كمثل الدانوب. فإنه إذا قدر للسودان أن يكون وحده مستقلاً، وهذا بعد البعيد، أو تحت سلطان إنجلترا، وهو الشيء الحادث والذي يراد الإيغال في إقراره بفصله فصلاً تاماً عن مصر، فإن الخطر الداهم والداهية المصبوبة تكون على مصر جاثمة حاضرة في كل أوانٍ، فإن أسهل السهل أن تضارنا إنجلترا في ماء النيل، وأن تمنع عنا رفده متى شاءت وتتخذه سلاحاً مخوفاً مفزعاً وحشياً للتهديد والإرهاب بقطع مادة الحياة في مصر بل في الشرق الأوسط كله، فإن قحط مصر هو قحط الشق الأوسط، بل قحط جزء عظيم من حوض البحر الأبيض المتوسط. فإذا كان ذلك فبمن نستنجد؟ ومن أين نؤمل النصرة؟ برمال الصحراء الشرقية وسواقي الصحراء الغربية!! إنه إذا كان مثل ذلك في أي مكان من الدانوب لهبت أمم بأسرها - أمم صناعية - تدفع البغي دفعاً رادعاً راداً للحق مانعاً لاستمرار هذا البغي. أما مصر، ماذا تصنع أيها المأجورون للدسيسة الإنجليزية! أتدافع برجالٍ
هدهم الجوع والظمأ والوباء؟ تعست الحماقة!
ولو كانت إنجلترا هي الأمة التي تسكن هذا الجزء من وادي النيل المسمى باسم مصر، لما ترددت ساعة واحدة من أجل هذا وحده أن تفتح السودان فتحاً وتنتهبه انتهاباً، وتحتج لفعلاتها فيه بكل حجة، لأن النيل حياة إذا جاء بمده، وموت إذا أمسك سيبه. وهذه إنجلترا نفسها ليس لها حجة في البقاء الذي تريده في الشرق الأوسط وفي قناة السويس وفي نواح أخرى كثيرة، إلا أنها إذا خليت جلبت على الإمبراطورية كل شرٍ، وقطعت شريان الحياة الذي يمدها بالطعام والمال والقوة والسلطان. أفيجوز في العقل أن تحتج إنجلترا بذلك في سبيل أن تبقى عند قناة السويس وفي فلسطين، ولا نحتج نحن بأضرارٍ محققة إذا كان في السودان إنسان واحد في يده قدرة على الإضرار بمصر إضراراً يصيب أبدان أهلها وأرواحهم، ثم أبدان ملايين أخر من أهل الأمم التي تجاورنا ونستعين بها وتستعين بنا.
ونحن لا نقول هذا ولا نسوق الحجة على هذا الوجه لندعي - كما يراد لنا اليوم أن ندعي - أن لمصر حقاً في استعمار السودان أو احتلاله أو الوصاية عليه أو غير ذلك من الأباطيل المضللة، بل لنقول إن هذا وحده يوجب عقلاً أن يكون وادي النيل كله دولة واحدة، لها حكومة واحدة، وتشريع واحد، ونظام نيابي واحد، شأن السودان فيها كشأن أسوان، وقنا وجرجا ومديريات مصر كلها، فإن موقع أية مديرية من هذه المديريات كلها هو من الناحية الجغرافية كموقع السودان؛ فلو جاز أن يفصل السودان اليوم عن مصر بحجة، فهذه الحجة تنطبق كل الانطباق على أسوان ثم قنا ثم جرجا إلى أن تبتلع النيل كله. وأيضاً فإن مكان السودان كمكانها من الناحية التاريخية والأدبية والأخلاقية والدينية. وإذن فالنيل يحدث بلسانٍ لا يكذب بأنه لا يمكن أن يتجزأ إلا إذا جاز التجزؤ على هذه المديريات حتى تصبح كل واحدة دولة قائمة برأسها. والشعب الذي يسكن اسفل الوادي (المعروف باسم مصر) ، والشعب الآخر الذي يسكن أعلاه (المعروف باسم السودان) ،
شعب واحد ناطق بلسان عربي مبين لا يعرف نفاق اللسان الإنجليزي ولا تكاذبه وخداعه، بأنه أيضاً لا يستطيع أن يتجزأ، ولا هو قابل للتجزؤ.
ولقد استزل الشيطان بعض ساستنا؛ فأخذوا يقولون إن مصر لا تريد أن تستعمر السودان، بل تريد أن تمنحه الاستقلال الذاتي! فحلا حلا أيها الرجال، فإن هذا ما يريده الإنجليز، إنهم يريدون أن تقروا بألسنتكم ما الحق شاهد على بطلانه، وهو أن الشعب المصري شيء، والشعب السوداني شيء آخر؛ ويريدون أن تقولوا إن النيل ممكن أن يتجزأ، ولو بعض التجزؤ، فإن هذا حسبهم منكم اعترافاً وتقريراً. فتوبوا أيها الساسة من هذا الإثم، ولا يرهبكم حق تقرير المصير، ولا مجلس الأمن، ولا هيئة الأمم المتحدة، فإن هذه الرهبة باطل كلها. توبوا أيها الساسة، ولا تخافوا من أكذوبة الدانوب، فهو النهر الوحيد الذي تتعدد الدول على حفافيه، وهو نهر ليس له قيمة زراعية. واعلموا أنه لا يكاد يوجد في الدنيا كلها نهر زراعي واقع مجراه في أكثر من أمةٍ واحدةٍ، وهذه الأمة الواحدة يكون لها كل السلطان عليه من منبعه إلى مصبه. لا تخافوا أيها الساسة
وتوبوا وتبرءوا مما قلتم، وخير لكم أن تدرسوا طبيعة النيل والأضرار المخوفة من تمزيقه، وأن تعرفوا ماذا تريد إنجلترا بفصل السودان عن مصر وضمه إلى الجزء المفضي إلى جنوب إفريقية والجنرال سمطس، فهناك البلاء الأعظم.
أيها المصريون السودانيون: إن النيل هو إفريقية كلها، فاحذروا أن تضيعوا أوطانكم، وتلووا بأمجادكم، وتضعوا أعناقكم في نير العبودية السرمدية إذا احتوشتكم العناصر الغريبة عن إفريقية النائمة التي بدأت تستيقظ من غفوة طالت عليها الآباد. احذروا كذب البغاة الطغاة المفسدين في الأرض، واحذروا ببغاواتهم وصنعاءهم فإنهم الحارقة الآكلة إذا استمكنوا منكم وأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ويسمونكم ذلا مستوراً ببهرج الاستقلال وتقرير المصير. لا تخافوا مجلس الأمن ولا هيئة الأمم إذا قدمتم إليهم قضية فيها كل دليل لا يبطله شيء من تاريخ ولا عقل ولا مصلحة.
وأنتم يا إخواننا أهلنا وعشيرتنا في السودان إحذروا الدولة التي تريد أستقلالكم، وتريد أن ترعاه لكم، كما رعت غيره من قبل!! فإن (من إسترعى الذئب ظلم) !

