جان دارك
تأمر الانجليز أن يستسلموا قبل موقعة أورليان
فتاة أمية في السابعة عشرة من عمرها تسير إلي شينون في فرنسا وتثير بسيرها هذا مجرى تاريخ هذه البلاد . اشتهرت جان دارك في بلدتها دومريمى من أعمال اللورين ببراعتها في حلب البقر وحرث الأرض وخياطة الملابس ، كما اشتهرت بالرؤي التي كانت تنظرها " والأصوات " ، التى كانت تسمعها من سنت كثرين وميكائيل ومرجريت بل ومن جبريل نفسه . وجاءت جان إلي شارل ولي عهد فرنسا إطاعة لهذه الأصوات تعرض عليه خطتها التي رسمتها لطرد الإنجليز من الأقاليم الواسعة التي كانوا يحتلونها وقتئذ في فرنسا ، ولإخضاع البرغنديين أحلاف الإنجليز .
ترى أية فتاة كانت جان دارك ؟ ذلك ما اختلف فيه الكتاب . فأما فلتبر فيراها بطلة وإن كانت لا تسلم من بعض العيوب الخلقية ، وأما شيلر فقد وصفها بأنها فتاة جميلة عنيفة ثائرة غربية الأطوار ، وأما أناتول فرانس فيصورها في صورة آداة طيعة في يد كنيسة العصور الوسطى وقواد جيش شارل . وتخيلها مارك توين عذراء طاهرة جميلة عفيفة شريفة . وجاء برنرد شو بعد هؤلاء ، كلهم فجعلها أول امرأة عصرية(١) . ولعل أقرب وصف لأخلاقها أنها جمعت القليل من هذا كله ، فكانت فتاة قوية الشكيمة ، مجازفة ، واسعة الحيلة في القتال ، مستمسكة بأهداب الدين . فأما أنها كانت جميلة غريبة الأطوار فذلك
من نسج الخيال ، وأما أنها طاهرة عفيفة فلم يشك في هذا أحد من معاصريها حتي قضاتها أنفسهم .
وإذا تصورنا ما كانت عليه فرنسا في أيام شارل السابع الخامل الضعيف الإرادة لم نعجب من استجابة الفرنسيين لنداء هذه الفتاة الريفية القوية الشكيمة . . وسارت جان يصحبها مشهورو الفرسان أمثال دونوا وجيل ده ربه لترفع الحصار عن أورليان ، وكان رفعه عنها هدفها الأول . ولعلها لم تكن تعلم وقتئذ أنها بعملها هذا ثبت في فرنسا روحا قومية ونزعة وطنية لن نقفا عند حد طرد الإنجليز من البلاد بل ستدفعان فرنسا إلي بسط سيادتها على أقاليم واسعة تمتد إلي جبال الألب .
واستفاضت الأخبار عن الجيش الصغير تقوده فتاة غريبة في ملابس بيضاء ، تمتطى صهوة جواد أسود ، تمسك في يدها فأسا ، ولكنها تهزم الأبطال بدعائها وصلاتها ، فاستسلمت لها القري دون قتال . وقبل أن ترفع الحصار عن أورليان أملت الرسالة التالية تطلب فيها إلي الإنجليز الذين كانوا يحاصرون المدينة أن يستسلموا لها ، وكانت هذه الرسالة من الأدلة التى قدمت لقضاتها لإثبات زيغها وكفرها .
" لقد بعث بي إلى هنا الله ملك السموات ... "
المسيح مريم
ياملك الإنجليز وأنت يادوق بدفورد ! يامن تسمى نفسك نائب الملك في فرنسا ! وأنت يا وليم ده لابول ويالول سفلك وباجون تابلت ، وأنتما يا تومس ويا لورد اسكيلز ، يامن يسمون أنفسهم نوابا عن بدفورد هذا -
اخضعوا لملك السماء ، وقدموا إلي الفتاة التي أرسلها الله مفاتيح المدن العامرة التي استوليتم عليها وانتهكتم حرمتها في بلاد فرنسا لقد جاءت بأمر الله لتعيد الدم الملكي إلي البلاد ، وهي على استعداد للصلح إذا خضعتم
واستسلمتم ، على شريطة أن تغادروا فرنسا وتؤدوا ثمن ما اغتصبتم منها . وأنتم أيها الرماة والأسياد والجند علي اختلاف درجاتكم ، يا من تحاصرون أورليان ، أستحلفكم بالله أن ترحلوا إلي بلادكم ، فإذا أتيتم فعما قليل ترون الفتاة التي سيحل بكم على يديها الدمار .
أما أنت ياملك انجلترا فإذا لم تجب طلبى فاعلم أنني زعيمة عسكرية وأن رجالك أينما واجهتهم في أرض فرنسا سيفرون من أمامي أرادوا ذلك أو لم يريدوه فإن عصوا أمري فآمر بقتلهم . لقد أرسلني الله ملك السموات إلي هذا المكان لألقاهم وجها لوجهه ، وأخرجهم من أرض فرنسا . فاذا استسلموا فسأعفو عنهم . فلا يخالجك في هذا شك . ولن يهبك الله ملك السموات ملك فرنسا ، بل سيكون هذا الملك لشارل وارثه الشرعى ، لأن الله يريد هذا ، وقد أوصى له به على لسان الفتاة ، وسيدخل باريس في موكب عظيم .
فاذا لم تؤمن بهذه الأنباء التي أرسلها إليك الله والفتاة فسنقضي عليكم أينما وجدناكم ، وإذا لم تستسلموا فستجعلكم عبرة لم تر فرنسا مثلها من ألف سنة ، واعلم أن الله سيهب الفتاة قوة تعجزون معها عن ملاقاتها هي وجنودها الأبطال .
وأما أنت يادوق بدفورد فإن الفتاه ترجو منك وتطلب إليك ألا تسعى إلي حتفك بظلمك ، فإذا لبيت نداءها استطعت أن تنضم إلى رجالها ، حيث تري الفرنسيين يعملون المسيحية أعمالا لم تشهد مثلها من قبل أجب من فورك هل تقبل الصلح في مدينة أورليان أو لا تقبله . فإن كانت الثانية فستذكر هذا وأنت تعض بنان الندم .
وسخر الأنجليز من جان واتهموها بأنها ساحرة ، ولكن سخربتهم لم تفدهم شيئا ، فقد هزمتهم بجيشها الصغير وبددت شملهم . وعلل دوق بدفورد هذه الهزيمة المنكرة بقوله :
" لقد كان سببها دون شك أن ولية الشيطان التي يسمونها الفتاة قد استعانت علينا بفنون السحر " .
وبعد ثلاثة شهور من ذلك الوقت ، أي في السابع عشر من شهر يوليه سنة ١٤٢٩ ، توجت جان شارل ولي العهد ملكا على فرنسا في ريمز . ولكن حفلات التتويج أمكنت الأنجليز من أن يلموا شمتهم ، ويحصنوا باريس ، ويستقدموا المدد من بلادهم ويعززوا موافقهم . فلما سارت جان إليهم بعد ذلك كانت كأنما تسير إلى الهزيمة . وفي شهر مايو من عام ١٤٣٠ قبض عليها البرغنديون أحلاف الإنجليز في كيني . وقدر بها شارل السابع بعد أن توجته ملكا على فرنسا ولم يعد له حاجة بها ، فلم يعمل شيئا لخلاصها . وباعها البرغنديون للانجليز بعشرة آلاف قطعة من الذهب ، وأسلمها هؤلاء إلي أسقف بوفيه ، واتهموها بأنها كافرة وساحرة .
وجيء بها أمام جماعة من القضاة ورجال الدين ، يتراوح عددهم بين خمسين وستين ، واتهمت بسبعين تهمة منها سماع الأصوات ، ورؤية الأشباح ، والتزيي بزي الرجال ، ووضع اسم المسيح ومريم على رسائلها ، والطعن في دين الله . وحاكموها وثبتت عليها اثنتا عشرة تهمة ، انكرتها جميعا ، غير أنها وجدت بعد بضعة أيام تلبس ملابس الرجال فحكم عليها بالإعدام .
ووضع على رأسها صليب كبير من الورق كتبت عليه هذه العبارة : " الكافرة التي عادت إلى المعصية ، المرتدة عابدة الأوثان " وأحرقت حية في ٣٠ مايو سنة ١٤٣١ ، وأخرجت جثتها المحترقة من اللهب بعد أن احترقت ملابسها وعرضت على الناس ليتبينوا أنها امرأة حقا . ولما تم حرقها أخذ رمادها وبعثر في نهر السين حتى لا تعود روحها فتنفذ مرة أخري إلي أرض فرنسا ، ولكنهم قدروا فأخطأوا التقدير .
