.. البحرين بلد عربى يقع فى شرق شبه الحزيرة العربية وفى غرب الخليج العربى ( الفارسى سابقا ) ، وهو عبارة عن مجموعة من الجزر تنفصل عن ساحل قطر والقطيف ، أذكر من هذه الجزر جزيرة البحرين ، وجزيرة المحرق وسترة وأم نعسان وغيرها . وكان يطلق على جزيرة البحرين سابقا اسم جزيرة أوال ، وفى قديم الزمان كانت بلاد البحرين عربية قحة ، ثم تداولتها الأيدى من الأتراك والإيرانيين ردحا من الزمن حتى قام فيها بنو خليفة العرب ، حيث استطاعوا بما وهبهم الله من جد ونشاط وحيوية وأشاش أن يكونوا فيها حكومة عربية بعد أن استحوذوا بسلطانهم عليها .
والبحرين بلد تجارى معروف يعتمد على التجارة والملاحة فى حياته الاقتصادية ، والملاحظ أن بلدان الخليج العربى تتخذ من التجارة أساسا لهذه الحياة تسير على هديه ، وقد دفعتها البيئة إلى خوض غمار تلك التجارة والملاحة نظرا لفقر أراضيها من حيث الزراعة ، ونظرا لوجود الخليج وحركة مرور السفن التجارية بها ، ثم نظرا لوجود حرفة قطف اللؤلؤ الذى يدفع إلى الاتجار به فى الموانى الجنوبية عبر المحيط الهندى ، ثم لا أنسى أن أشير إلى تلك الروح البحرينية التى تصبغ بصبغة الملاحة وتجنح لخوض غمارها
إرضاء لشهوتها الدافعة واستعدادها الفطرى ؛ وقد أوجبت حكومة البحرين على تجارها تنظيم دفاترهم بعد أن كانت التجارة حرة فيما قبل ذلك ، مما أدى بالتالى مع بعض تجديدات وإصلاحات إلى الرقى التجارى والتمشى معه فى درب الكمال ، وهنالك ملاحظة هامة وجد عجيبة ؛ وذلك أن التجار فى البحرين وكذلك فى الكويت لا تكاد تعرف لهم اختصاصا معينا فى ناحية خاصة أو صنف معين ، فهم يتاجرون فى كل شئ ويحاولون الربح من كل شئ ؛ فالتاجر الذى يتاجر فى الأقمشة والحبوب والعطور لا يتورع أن يتاجر فى الأدوات الكهربية وفى السيارات ومختلف الآلات ، وكثير منهم من يوكل لشركات أجنبية .. هذه الظاهرة العجيبة تدفعنى إلى القول بأن تجار الخليج العربى مهرة أفذاذ ، ولديهم من الحيوية والجد الكثير ، كما أستنتج تكالبهم على كل ربح وبراعتهم في جمع المال حتى غدت لديهم ثروات طائلة . ولأهمية التجارة والتجار فى البحرين نجد أن لهم مجلسا كبيرا ذا أثر بالغ فى توجيه الأحوال العامة والخاصة وفى تسيير الأمور فى البحرين ، فهو الهيئة الهامة الثانية بعد الأمراء والشيوخ فى هذا البلد العربى .
والواجب أن تهتم البحرين بالتجارة اهتماما بالغا وتسعى لرقيها فى بلادها ؛ لأنها فى اعتقادى موردها الأول وساعدها
الأيمن ، على أن موقع البحرين ملائم كل الملاءمة لتلك التجارة ومسوغات نشاطها ..
والبحرين من أهم البلاد العالمية فى قطف اللؤلؤ من أعماق المياه ، ويربو عدد المشتغلين به فيها على عشرين ألف نسمة ، والمشتغلون بصيد اللؤلؤ يشتغلون فى موسم اللؤلؤ بقطفه ، ثم إذا انفض هذا الموسم يشتغلون بصيد الأسماك ، ومنها فى مياه البحرين أنواع نادرة فى جميع أنحاء العالم . كالزبيدى وغيره مما يجعل لحرفة هذا الصيد فى هذا البلد أهمية لا يغمط حقها .
ويقول سعادة الأستاذ حافظ وهبة فى كتابه عن ( جزيرة العرب فى القرن العشرين ) : " ولقد تقدمت التجارة فى البحرين فى الخمس عشرة سنة الأخيرة بسبب بناء رصيف للسفن الشراعية ومستودعات للبضاعة ؛ وقد أصبحت البحرين بالنظر إلى مركزها الجغرافى سوقا هاما لتجارة اللؤلؤ وغيره من أنواع المتاجر الأخرى ، فتجار اللؤلؤ من الكويت وقطر والقطيف وسائر السواحل العربية يبيعون فيها ما يجتمع لديهم من اللؤلؤ حيث يصدر بعد ذلك إلى الهند فأوربا ، وقد بلغت قيمة ما صدر منه فى سنى الرخاء مليونين من الجنيهات ، وأما المتاجر الأخرى فترد للبحرين من الهند وأوريا ، ومنها يصدر قسم إلى القطيف وقطر والعقير حيث يرسل للأحساء وجنوب نجد " .
وليس اللؤلؤ فى البحرين شيئا ثانويا ، بل إن له أهمية كبرى ؛ فإن ما يستخرج منه كل عام يربو على ثلاثين مليونا من الروبيات ، على حين نجد أن ما يستخرج منه فى الكويت يبلغ حوالى نصف هذه القيمة ، ويلى ذلك ما يستخرج فى عمان فقطر فالقطيف .
ولقد أجمع المختصون على أن لؤلؤ البحرين أجود اللآلئ فى العالم ، ولؤلؤ المناطق التى ذكرتها يدعى باللؤلؤ الطبيعى . وهذا بالطبع لأنه لا يصنع بل يقطف من أعماق مياه الخليج ، ويوجد إلى جوار ذلك اللؤلؤ الصناعى الذي تنتجه اليابان وتعتمد عليه كمورد هام ، حتى لقد طغى إنتاج اللؤلؤ فيها على اللؤلؤ الطبيعي فى البحرين والكويت وغيرهما ، وأكثر اللؤلؤ المستعمل فى مصر وأوربا وغيرهما من اللؤلؤ الصناعى ، بيد أن هنالك فارقا كبيرا بين اللؤلؤين ؛ ذلك لأن الصناعى لا بد من فساده وتغير أشكاله ولو امتد به الزمن ، والطبيعى على عكس ذلك يكون بمثابة الجواهر اللامعة الدائمة الإشراق .
أى أن منه التحف النادرة التى لا يبخل الأغنياء عليها بملايين الروبيات لاقتنائها وتزيين تراقى نسائهم بها . وليس أدل على عظمة اللالىء الطبيعة من الضجة التى أحدثتها إحداها منذ زمن فى صحف العالم وأودعت الآن فى المتحف البريطانى , وكان قاطفها غائصا من البحرين .
ويقمن بالبحرين أن تهتم بإنشاء معامل لتنظيف اللؤلؤ وتحويره وصوغه فى الأشكال الفنية الهندسية للتصدير ؛ وهذه ناحية هامة فى العمل على زيادة الارتقاء فى ناحية التجارة اللؤلؤية فيها ، والمعروف أن هناك تنافسا ملحوظا فى تجارة اللؤلؤ بين بلدان الخليج العربى وبين بلاد اليابان ، ولو أن أولى الأمر من العرب اهتموا بالغ الاهتمام بهذه التجارة الرابحة فسوف تنتصر بلدان الخليج بلؤلئها على اليابان ما فى ذلك شك ؛ نظرا لأن الأولى ذات لؤلؤ طبيعى ، فى حين أن الثانية لؤلؤها صناعى ، ولقد رأينا أن تقوم هيئة خاصة فى البحرين للعمل على تنظيم تصديره وتحويره وما إلى ذلك .
ثم إن الأسماك لها أهمية بالغة فى البحرين ، ومن الواجب أن يهتم بتجفيفها وتصديرها معلبة إلى الخارج لتعود على البلاد بمورد معقول ، وهنالك فى البحرين بعض الصناعات اليدوية كصناعة الأقمشة والعباءات والحصر وما شابه ذلك ...
ومن الصناعات الهامة فى البحرين صناعة بناء السفن ، وهى صناعة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لهذا البلد ؛ وذلك يرجع إلى أسباب : منها أن تجارة البحرين فى حاجة ماسة إلى متباين السفن ، ويستلزم قطف اللؤلؤ أيضا السفن المتعددة ، كما يحتاج إليها صيد السمك الذى يستخدمه الأهالى فى قوتهم وغذائهم ، ثم إن البحرين كما يدلنا التاريخ بلد معرض دائما للهجمات والأخطار والغارات ، فكثيرا ما جاءت إليها هذه وتلك ، وكثيرا ما شنت هى نفسها بعضا من تلك الغارات والهجمات ، لذلك لاغرو أن تستخدم البحرين السفن للدفاع عنها مما يضطرها إلى الاهتمام بصناعتها لكل تلك المطالب الهامة التى يقوم عليها محور حياة أهلها وأبنائها ...
ومما تجدر الإشارة إليه أنه ليس هنالك مشكلة اقتصادية فى البحرين خاصة بمياه الشرب كما فى الكويت ؛ وذلك لأن لديها سفنا تأتى لها بها من الينابيع العذبة التى فجرها الله تعالى فى الخليج الملح الأجاج ، ثم من الآبار بطرق رفع متباينة ملائمة وإن كانت أولية . لكن لا يحسن الصمت تجاه مياه الشرب فى هذا البلد ، فيقمن أن تتحسن الوسائل فيه ،
وخاصة وأن الله خصه بميزة الينابيع العذبة فى مياهه الملحة مما لا يوجد فى غيره من البلدان .
وتستورد البحرين الأرز والمنسوجات والمنبهات والسكر والتمر والسمن والأغنام والتوابل وغيرها ، ويتحدث السيد حافظ وهبه سفير المملكة السعودية فى بريطانيا عن مواصلات البحرين وعن تجارة الخليج فى كتابه السالف الذكر ، فيقول : " وتنقل السلع التجارية من الهند بوساطة الشركة الانجليزية الهندية ، وهى تكاد تحتكر تجارة الخليج ، وتمر أسبوعيا بالبحرين في طريقها إلى البصرة وفى رجوعها إلى بمباى ، وقد أصبحت البحرين منذ سنين مركزا من مراكز الطيران المدنى ، فأصبحت الطائرات تمر بها كل أسبوع فى طريقها إلى الهند أو أوربا ، وأصبح فى وسع المسافر أن يصل إليها فى أربعة أيام من لندن ، ويوم ونصف من الهند أو مصر " .
" وقد قامت الزراعة فى البحرين وتقدمت ، وخاصة فى السنوات الأخيرة نظرا لحفر كثير من الآبار الارتوازية التى أرجو أن تعمم ويزيد الأغنياء من حفر أمثالها ، ويعتمد عدد كبير من الأهالى على هذه الحرفة ، فيزرعون مختلف أنواع البقول والخضراوات ، ولكن الفاكهة نادرة هنالك ويوجد منها التمر واللمون ، كما يزرع البطيخ والباباز وهو من الفاكهة البحرينية ، واللوز البحرينى والزهور بأنواعها ، وتهتم بها النساء للتزين بها واستنشاق عبيرها واستخدامها فى تعطير الفراش والغرف حين يهدأ الكون ويقبل الليل بسكونه ونسيمه الجميل ... "
ويتخذ البحرينيون ( ويدعون البحارنة أيضا ) من التمر غذاء أساسيا ، والأرز غداؤهم الرئيسى كالكويت وأندونيسيا ومعظم البلاد الأسيوية ، وأريد أن أوجه الاهتمام إلى زراعة هذا الأرز فى أرض البحرين نظرا لأهميته لهم من ناحية الغذاء واعتمادا على ارتقاء الزراعة رويدا رويدا فيها ، تلك الزراعة التى اعتمدت على بعض المزروعات المصرية وعلى التوجيه المصرى وإرشادات المختصين من مصر مما ساعد على هذا التقدم وذاك الارتقاء .
وإننى لأنبه إلى أهمية الزراعة ووجوب انغمار الكثيرين من البحارنة العرب فيها ، فيزرعون بجد ويعملون بدأب فى أرضهم ، ولا يكلون أو يسأمون منها لينتجوا شتى المحصولات وليبلغوا بالزراعة ما بلغوه بالتجارة وحركتها . كما يقمن بهم
أن يهتموا بالثروة الحيوانية فهى إلي جوار الثروة الزراعية مورد هام من موارد الرزق والرقى الاقتصادى ، وأسوق هنا ما قاله العلامة الأستاذ عزيز خانكى بك فى كتابه " معجزة من معجزات الإصلاح الزراعى " : ( إذا ما ثبت الفلاح فى الأرض هو وزوجته وبناته وتكاثروا وتناسلوا تتكون مع الزمن نواة كبيرة تمكث فى الأرض ولا تهجرها إلى المدن ، وإذا ما وجه الفلاح وزوجته وأولاده وبناته جهودهم إلى الأرض واستغلوها ضاعفوا غلتها فيستفيدون ويفيدون البلاد ) .
ومن ناحية النقد أذكر أن النقد فى البحرين كما فى الكويت يقوم على العملة الهندية وروبياتها وآناتها وبيزاتها ( يستحسن الرجوع إلى مقالنا عن الحياة الاقتصادية فى الكويت المنشور فى الثقافة الغراء ) .
.. مما سلف نرى أن الحالة الاقتصادية فى البحرين منتعشة حتى إن ثروتها القومية تقدر بآلاف الملايين من الروبيات ، ولكن البريطانيين لا يذرون هذه الآلاف وتلك الملايين ليتمتع أهلها بها ، بل يستحوذون عليها لينعموا بها . فلهم الجنيه وللبحرين القرش ولهم الروبية ولها الآنة ولهم القرش والآنة ولها البيزة والمليم ؛ هذا علاوة على احتلالهم لمركز البحرين الاستراتيجى وسيادتهم على مركزها السياسى ونفوذهم وسلطانهم في بلد خليج من أهم الخلجان ومن أهم المواقع فى السلم والحرب ، ثم لا ننسى أرباحهم الطائلة من بترول البحرين واعتمادهم على هذا البترول فى أحوالهم الاقتصادية والسياسية والحربية . .
.. إننى لا استطيع أن أمر مر الكرام على هذه الناحية الهامة دون أن أطلب إلى أبناء عالمنا العربى أن يدركوا كل هذا ، وأن يكونوا على علم تام بهذه الثروات العربية ومنافذها واليد التى تستحوذ عليها ... إن كثيرين منا لا يعرفون شيئا عن هذه البلاد العربية الصميمة ، وقد آن الأوان وحان الوقت كى يفتحوا آذانهم ويصوبوا عيونهم .. والإدراك والتبصر أول الغيث ، وأول هذا الأخير قطر ، وإنه لمن أكبر ما يشين أن نهمل الإلمام بكل شئ فى عالمنا العربي كبيره ودقيقه ، ويجب علينا أن نختبر أنفسنا فى عهد جديد ، وآنذاك نستيقن من جدارتنا بالحياة الحقة والمطالبة بالحقوق والأخذ بعنان ثرواتنا وتوجيهها إلى الأمام ، لتوجهنا بالتالى إلى أمام وأمام ... !

