الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 593الرجوع إلى "الثقافة"

من اقتصاديات الشرق العربي :, عدن والحياة الاقتصادية

Share

قبل عام ١٨٣٩ م لم تكن عدن سوى بلدة صغيرة تقطنها مائتا أسرة من أسر الصيادين الذين أخذوا يبنون لهم بيوتا صغيرة من الخيزران واللبن ، ويطلق العدنيون على هذه البيوت ) العشش ( ، وكان ذلك قبل أن يدخل الانجليز أرض عدن حيث كانت تحت الإدارة العبدلية التي تتخذ مقرها الرئيسى اليوم في سلطنة لحج .

ولعدن أهمية كبري ، وذلك يرجع إلي أهمية موقعها الاستراتيجي وإلى مركزها التجاري العظيم ، فعلى كل باخرة تمر بالبحر الأحمر قاصدة اي بلد من بلدان هذا البحر أن تمر بعدن وتقف عندها وترسي في مينائها إذا شاءت ذلك .

وقد استغل الانجليز موقع عدن وأهميتها الاستراتيجية في الحرب الكونية الماضية ، وقد ساعدتهم هذه الأهمية على كسب المعارك التي دارت بينهم وبين جنود الإيطاليين في بلاد الصومال والحبشة وما جاورها ؛ إذ قد استطاعوا من عدن أن يشنوا غارات جوية شديدة على مراكز الإيطاليين الحربية في تلك المناطق من بلاد الصومال والحبشة . .

وبما أن عدن ميناء كبير فقد نجحت فيه التجارة نجاحا

كبيرا حتى صارت التجارة ظاهرة محسوسة مسيطرة عليه ، وقد انغمر العدنيون طبقا لذلك في النزعة المادية بكل ما لديهم من همة وعزم .

وعدن جزء حي في جنوب الجزيرة العربية ، بل وفي الشرق العربي ، إذ يصل إليها كل يوم عشرات من الأناسي وفئات من الناس ، وهذه الحركة الدائبة من الاختلاط بهؤلاء الوافدين تثير الفراغ والمشكلات مما يذكي النهضة الفكرية ويسير الحركة الدائبة في هذا البلد العربي الصغير .

والأسماك لها أهمية في عدن ، ومن أهم مناطقها ومصايدها فيها المناطق المسماة : ) البريقة - وأبين - والخريقة - وشفرة - وأحور - وسيحوت ( .

ولم تستطع عدن بعد أن تصدر الأسماك المحفوظة ، نظرا لأن الأهالي يستهلكون كثيرا من الأسماك العدنية ، ونظرا لأن صناعة تلك الأسماك العدنية لم يهتم بها العدنيون اهتمام كليا ، بيد أن المستقبل كفيل بإبراز هذه الناحية في الحياة الاقتصادية ، ومن المستحسن أن نوضع مناهج خاصة ينشر بواسطتها الإرشاد والتوجيه لطرق الصيد الحديثة ولاستعمال الأجهزة الطارفة كأجهزة التبريد وغير ذلك ، ويقمن أن

يعتنى بهذا الأمر ، لأن فريقا من الأهالي يعتمد على هذا السمك في حياته ومعيشته

وليست عدن بلد زراعة ولا بلد صناعة ، اللهم إلا بعض الصناعات الطفيفة التي لا تعتبر عدن على أساسها صناعيا ، ولكنها إن لم تكن بلدا زراعيا ولا صناعيا فهي بلد تجاري ملاحي من الطراز الأول . .

وللملح أهمية كبيرة في عدن ، إذ تعتبر رابعة بلاد العالم في إنتاجه بعد الصين والهند والبابان . وأرض عدن صالحة الملاحة ، ويعزي ذلك إلى أنها شديدة الحرارة ، ولأن المياه العدنية تتمتع بوفرة الملح ، ولأنه ليس ثمة انهار تصب الماء العذب في البحر فتخفض درجة ملوحته ، ثم لوجود الرياح الجافة التي تساعد على تبخر ماء البحر ، ولووجود التربة العدنية الصلبة التى تساعد على بناء أحواض الترسيب الملحي . .

ويوجد إلى جانب الملح في المياه العدنية أملاح أخري كسلفات البوتاسيوم وكلوريد المغنسيوم وكاربونات الكلسيوم ، ويضمن أن يهتم أولو الأمر بهذه الأملاح فيستغلوها كما استغلوا الملح في الحياة الاقتصادية ، ولقد ظلت عدن عدة سنين تصدر هذا الملح إلى بلاد الهند وبرما واليابان وبعض بلاد الشرق . .

ومما يعطي عدن اليوم الأهمية الكبرى أنه ظهرت منابع للبترول في الأراضي الحضرمية التي حولها ، كما يعطيها هذه الأهمية أن ما جاورها من محميات كثيرة تعتمد عليها في حياتها الاقتصادية كما تعتمد عليها في الحياة الأدبية والفكرية

وإلى جوارها تقع ) المكلا ( ذلك الميناء الحضرمي الكبير الذي اشتهر بالتجارة ، ولا غرو فقد عرف الحضارمة بالمخاطرة والملاحة والتجارة منذ فجر التاريخ ، حتى لقد وصلوا بسفنهم إلي أماكن بعيدة في الشرق الأقصي عبر المحيطات ؟ ويقول السيد محمد بن هاشم بن طاهر العاوي في كتابه ) رحلة إلى التغرين الشحر والمكلا ( : " ترداد البواخر إلي المكلا القادمة من عدن والهند وأفريقيا وأوربا وجاوة أكثر من تردادها إلي الشحر ، وعليه فوارداتها وصادراتها أكثر من أختها ، وحركنها التجارية أقوي ، ويبلغ ما يصدر عنها يوميا من القوافل علي وجه التقريب مائة وخمسين جملا ، بينما الشحر لا يصدر عنها إلا نحو ثلثي هذا القدر " .

والصلة الاقتصادية بين عدن وبين المحمبات الجنوبية صلة قديمة ليست وليدة الأبام الحديثة فحسب . وتصدر المحميات إلى عدن الصمغ والسمن والبن فتنتشر هذه في الأسواق العدنية ، بل إن بعض الخضراوات تصل أيضا إلي عدن من المحميات .

وتوجد قوافل تحمل أنواع الخضراوات تدخل في عدن من المحميات كل صباح ، ويفهم من ذلك أن أراضي المحميات صالحة للزراعة . أما الأراضي العدنية فغير زراعية ، ولا تنزل الأمطار فيها إلا في بعض الأحابين ، بل في فترات متقطعة ، والأمطار إن نزلت فهي ضئيلة ، بل ربما مرت سنون طويلة دون أن تسقط قطرة من هذه الأمطار ، ولكن كل هذا لا يمنع من أن تكون عدن ذات أهمية كبري ، فهي ملتقي السفن كما أنها نقطة كبيرة للتموين والتجارة .

وإذا اكتفت الحاجة العدنية بما يصلها من المحميات واليمن وبلاد الصومال ، يصدر الباقي إلى الأسواق الخارجية كأسواق الحبشة وجبوتي وغيرها .

ولا تنسي أيضا أن بعض الأشياء كالأقمشة على اختلاف أنواعها وتباين أشكالها والبهارات والتوابل والمواد الغذائية المحفوظة والكماليات التي تصل عدن من الهند واليابان ومن بريطانيا والولايات المتحدة ، يباع في الأسواق العدنية ، بينما يهتم التجار المحليون بتصدير بعض هذه البضائع والمواد إلى الحبشة والمحميات واليمن وإلى بلاد الصومال لبيعها في أسواق مدن هذه البلاد .

كما أن التبغ الذي يصل إلى عدن من ) المكلا ( يباع بعضه في الأسواق العدنية ، وما يتبقى منه يصدر إلي أراضي الحجاز وإلى بعض المناطق الأخرى في الشرق . .

وتصدر عدن إلى المحميات واليمن بوجه خاص : الارز والسكر والدقيق والأقمشة وبعض الكماليات الأخرى . .

وتتأثر الحياة الاقتصادية في كل قطر بالعملة ، ونحن لو نظرنا إلى عدن لرأيناها تتداول الصلة المتداولة في البحر الأحمر وفي بلاد الحبشة والصومال ، وهي تقوم على الريال النمساوي القديم الذي تطبع عليه صورة الملكة ماريا تريزا ، وعلى أساس العملة الهندية التي تقوم على الرويية والآنة والبيزة ، والروبية تساوي بالعملة المصرية سبعة قروش

ونصف قرش ، وتساوي الروبية من الأنات ست عشرة ، والآنة الواحدة بها أربع بيزات ، وتتداول هذه العملة أيضا الكويت والبحرين وعمان والحميات وحضرموت وغيرها . .

ويقول صاحب كتاب ) تاريخ ثغر عدن ( : " ومادتهم - أي مادة عدن وأهلها - من الهند والسند والحبشة وديار مصر ، ومأكولهم الخبز وأدمهم السمك ، غاية عمل نسائهم القيقاع ، ورجالهم تبيع العطر والفنيار ، وبناء دورهم مربعة كل دار وحدها طبقتان ، الأسفل منهما مخازن ، والأعلى منهما مجالس ، وبناؤهم بالحجر والحص والخشب والملح " .

وعول أيضا صاحب هذا الكتاب : إن الأشياء التي لم يؤخذ عليها عشور هي : " الواصل من ديار مصر . الحنطة والدقيق والسكر والأرز والصابون الرقي والأشنان والقطارة وزيت الزيتون وزيت الحار والزيتون المملح وكل ما يتعلق بالنقل إذا كان قليلا ، والعسل النحل إذا كان قليلا ، والذي يجلب من الهند كل ما يرسل في البحر ، والهليلج المربي ، والأكرار ، والمخاد ، والمساور والأنطاع ، والأرز الكحلى ، وهو الأرز ، والماش مخلوط ، والسمم ، والصابون ، ومن البضائع المعر الكلاهي . والغشم ، وحطب القرنفل " .

. . والمرأة في عدن تشتغل بعض الصناعات الصغيرة . ومن المستحسن أن تذكر ماجاء في كتاب ) خواطر ( للأستاذ حمزة على لقمان ، إذ قال : " أذكر لكم شيئا عن الأعمال اليدوية وغيرها التى يقوم بها بعض النساء العدنيات في بيوتهن لكسب معيشتهن وإعالة أطفالهن ومن يلوذ بهن أو مساعدة رجالهن في كسب الرزق ، وهي أعمال وإن تكن بسيطة لا تدر عليهم إلا ربحا بسيطا ، إلا أنها شريفة تدل على ترفع المرأة العدنية وعدم رضاها بأن تعيش عالة على غيرها ؟ ويقوم بهذه الا عمال النساء اللاتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن أو عائليهن ، أو اللاتي يضطرهن الفقر إلى مساعدة رجالهن . ومن هذه الأعمال : الخياطة والتطرير و ) النسالة ( ، وعمل مناديل الرأس المطرزة الموشاة

والكوافي الوطنية التي يصنعنها من ) الولايع - وهو القطن ومفردها وليعة - وغير هذه من الأعمال التي تمت إلى الخياطة بصلة . ويقوم بعضهن بطبخ أنواع من المأكولات لبيعها في الأسواق والتي تجد إقبالا من الناس ، " ومن الأعمال الآخرى التي يقوم بها النساء ويشاركن فيها الرجال الدلالة ) السمسرة ( ، وكثيرات منهن يقمن بأعمال التجارة . فبيعن الأقمشة والتواليت والعطر والصابون وكل ما يمت إلي التجميل وإلى النساء بصلة ، ولبعضهن دلالات يساعدتهن في القيام بزيارات البيوت وعرض بضائعهن النسوية " ويقوم بعضهن بصناعة الحبال والمسارف والمكانس ومراوح اليد وسجاد الصلاة والهدم ، وهذه جميعها تصنع من سعف النخل الذي يجلب من البلاد المجاورة التي يكثر فيها النخيل " والمسارف نوع من الحصر يوضع تحت أواني الطعام ساعة الأكل . والهدم معناه الحصير . .

مما سلف نستطيع أن نقف على تفاصيل الحياة الاقتصادية في عدن ، فنجد أن أهم شئ هنالك هو التجارة ؛ ولذلك ظهرت النزعة المادية في نفس العدني ، ولكننا نجد هذه النزعة بادية في الرجال والشيوخ ، أما الشباب الحديث ، فقد بدت أمام ناظريه أمور ونزعات أخرى أهم من النزعة المادية ، فقد انغمر في الوعي القومى والحياة الأدبية من تعلم وتثقف وصحافة ورياضة بدنية إلى غير ذلك . والملحوظ أن الحياة الأدبية ستسمو في المرتبة على الحياة الاقتصادية ، ومما يساعد النهضات الحديثة على البدو السريع والانتشار الكامل في عدن أن عدن صغيرة في حجمها وان عدد سكانها عدد طفيف ، وقد بلغ في إحصائية عام ١٩٤٨ نحو ٨٦٠٠٠ نسمة .

والذي لا شك فيه أنه كلما تقدمت الأيام وانصرم الزمن ازداد العدد واتسع الحجم والمساحة وانغمرت الحياة أكثر في النهضات والتأثرات الحديثة ، وعلى ذلك تعظم التبعات الاقتصادية والأدبية والاجتماعية لعدن رويدا رويدا . .

اشترك في نشرتنا البريدية