الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 342الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الألبانى :، بائع الأعلام، ( مهداة للأستاذ الكبير كامل كيلانى )

Share

حاول (( على فاضل )) أن يعرف مبعث شعوره بالانقباض وإحساسه بالضيق كلما مر بحانوت (( غسير )) فلم يوفق ، بل ولم يستطع أن يقاوم الدوافع النفسية التى تحمله على السير فى الجهة المقابلة لذلك الحانوت إن ألجأته الضرورة إلى السير فى نفس الطريق ، فكان يمشى سريع الخطا لا يلتفت يمنة ولا يسرة خشية أن يلمحه (( غسير )) فيدعوه إليه . . . و . . (( على فاضل )) لا يشك فى إخلاص هذا الرجل لعائلته فوق أنه مدين له باهتمامه بشؤونه وشؤون أسرته بعد موت والده عند سفره إلى أوربا الشمالية لإتمام دراساته فى جامعاتها ، وكان عليه بعد عودته وبعد أن تبوأ مركزه اللائق بثقافته أن يزور (( غسير )) ليشكره على عنايته بهم . ولكنه لا يدرى ماذا كان يصرفه عن أداء هذا الواجب ، فهو يقرر كل صباح أنه سيذهب إليه بعد فراغه من عمله ثم يعدل عن هذا القرار ليعود إليه فى اليوم التالى ، وإنه لعائد من عمله ذات يوم مع صديقه (( رمزي )) إذ سمع طرقا على زجاج حانوت (( غسير )) فحانت منه التفاتة فرأي التاجر أمام مكتبه يومىء إليه أن أقبل فاستأذن صديقه ، ودلف إلى الداخل فتلقاه الرجل مصافحا بكلتا يديه وقال له مجاملة : أين أنت يا على ؟ لماذا لا تأتى لزيارتنا ؟ وهو يبتسم ابتسامة باردة ليس لها معنى من معانى الود الصادق ، وكان مع صغر سنه نحيف الجسم أبيض الشعر . . . جلس (( على )) بجوار المكتب وهو بهمس بكلمات اعتذار لم يأبه لها بدليل أنه استرسل فى حديثه : أهنئك باتمام دراستك . لقد أصبحت الثقافة من ضروريات

الحياة . . . إن سرورى لعظيم ؛ فقد علمت أنك شغلت منصبا مربحا . . . ثم ناوله علبة (( السجاير )) فأخذ (( على )) منها واحدة وردها له . . وبعد فترة سكون قصيرة قال التاجر : أنت ابن أعز صديق كان لى ، وهنا أخذ صوته يرن رنين حزن وشوق لم يلبث أن انقلب إلى غير الحزن والشوق حين قال : رحم الله والدك وعفا عنه . إنه وقع فى أخطاء كثيرة قبل وفاته . . . ولكن ! لا بأس . أرجو أن تغفر لى أن أكلمك بهذه اللهجة ، فانى إنما أتكلم لمصلحتك ! أليس من حقى ؟ أو ماذا تقول ؟ لقد قمت بتنظيم أمور بيتكم عند ما كنت فى الجامعة بعيدا عن البلد ، وأسأل الله تعالى أن يعيننى على تنظيم الباقى من شأنكم ، ولكنى أرجو منك أن تنظم نفسك من الآن . هل تفهم ماأريد ؟ شكره (( على )) بما يناسب المقام فى حين أنه كان يحس أن الأسلوب الذى يتكلم به التاجر عن والده مناف للآداب ، ومما زاد استياء (( على )) سؤال (( غسير )) عن راتبه الشهرى وتعيينه المقدار الذى يجب إنفاقه على البيت منه ، والأعمال التى يجب إنجازها والتى لا ضرر من تأخيرها ، وتحديده المبلغ الذى عليه أن يقتصده . . . ولقد كان فى أثناء حديثه كثير التلفت ، فأحيانا كان يلتفت نحو الشارع ويتفرص فى وجوه المارة ، وأحيانا أخرى يلتفت داخل المحل يراقب عماله . ولأول مرة يلتفت (( على )) إلى الدكان من الداخل فيرى البضائع والحاجات مكدسة فى غير نظام ولا ترتيب ؛ فجلد الحذاء بجوار محراث ، وأنواع الثياب بجوار المأكولات دلالة على أن الأشياء لكثرتها التى فاقت كل حد لا يستطاع تنظيمها ، فقد جمع بجهوده الجبارة أموالا يستعصى عدها ، جمعها من أراضيه الواسعة وتجارته الرابحة ، وبيوته الكثيرة ، ونقوده التى ليس لها حصر . قد وزعها على المحتاجين بربا فاحش ، ولذلك لم يكن محبوبا فى المدينة . شأن كل جشع قاس فى معاملته . على أنه كان ينفق على نفسه وزوجته بغير

حساب ، وهو لم ينجب أولادا ، وكانت كل أفكاره ترتكز فى نقطة واحدة : هي أن أعقل الناس وأذكاهم أكثرهم جمعا للمال من حله أو من غير حله ، ويستطيع كل من يراه أن يقرأ فى صفحات وجهه هذه الافكار ، وإذا تحدث إلى أحد فبدء حديثه وختامه وصيته على جمع المال . لذلك لم يكن غريبا أن يختتم نصائحه (( لعلى )) بهذه الكلمات : اقتصد ما وسعك الاقتصاد ، واسع وراء الغنى ما أمكنك السعى لأن الغنى هو الحر ، وليس فى الدنيا حر إلا الذى لا يحتاج إلى من عداه .

كانت لهجته شديدة الوقع على (( على )) فقد هدمت المبادئ التى يعتنقها مع كثير من نظرائه فى ثقافته ، والذين كانوا يسعون لحياة أكثر روحية من حياة الناس المادية السائدة آنذاك . وشعر كأنه أمام قاض ظالم لا يرضى إلا أن ينفذ قضاؤه كائنا ما كان . ولقد هم (( على )) بالانصراف والخروج من هذا المكان الذى احس فيه بالضيق والحرج ، ولكن التاجر قذف مسمعيه بهذا السؤال : أحقا أنك تجيد قرض الشعر ؟ فرفع (( على )) رأسه فى استغراب استعدادا للأجابة ، وقبل أن ينطق دخل المحل زيون شغل به التاجر ، فأتيحت بذلك فرصة (( لعلى )) يستطيع فيها أن يفكر فيما يجيب به عن هذا السؤال ، وكان أول خاطر مربذهنه أنه ظن أن التاجر سينصح له بأن لا يضيع وقته فى كلام لاطائل تحته ، ولا تعود منه عائدة ولا فائدة ؛ فجمع شتات قوته ، وما لديه من شجاعة ليحارب التاجر فى أفكاره ، ولقد رأى خيرا له أن يغادر هذا المكان احتفاظا بقداسة الناحية الروحية والركن الإلهى فى قلبه .

ولكن كلمات لم يكن يتوقع أن يسمعها من التاجر غيرت رأيه ، وجعلته بصغى إليه فى انتباه ، وهو يقول : لقد أعجبت كتابتك كثيرين وتحدثت جميع النوادى عن مدى نجاحك . . . ولا أستطيع أن أصور لك مبلغ سرورى ، فالأمة فى أشد الحاجة إلى من يوقظها من سبباتها

ويرشدها إلى الطريق القويم ، ويغرس بذور الوطنية فى قلبها المحبوب .

شك (( على )) فى إخلاص (( غسير )) فى هذا الكلام ، ولكنه لم يلمح أثرا بدل على ذلك فى ملامح وجهه ، ولا رنين صوته ، فتركه ليأتى على بقية الحديث فقال :

كل الناس يقومون بواجبائهم نحو أوطانهم وبقدسون تلك الواجبات إلا نحن ؛ وذلك لأننا أحوج ما نكون إلى من يشعل نار الحماس الوطنى فى قلوبنا ويتعهدها بالتأريث والتأجيج ، ولعلك الآن قد فهمت السر فى ابتهاجى بتفوقك فى الشعر . ولعلك أدركت عظم التبعة الملقاة على عاتقك ؛ يجب أن تكتب وتعظ وتخطب ، وتملأ أفكار الصغار والكبار بضرورة الاحتفاظ بألبانيا حرة مستقلة . فأنت مرب للنشء ، وتستطيع أن تبث هذه الأفكار فى النفوس .

. .  بعد الحرب العظمى ظننت أن ألبانيا الحرة ستتأسس ، وإنى لا أعتقد الأشياء إلا بصعوبة ، ولكنى اعتقدت وأخاف أن أكون قد أخطأت .

قال (( على )) : لا ! لست مخطئا ، فالأمم الجديدة تتقدم دائما إلى الإمام بخطى بطيئة لأن البدائية دائما صعبة ، وأمتنا ولله المنة تسير نحو التقدم بخطوات فسيحة !

- حقق الله كلامك ؛ فانى أخشى أن أكون قد وقعت فى الخطأ .

نظر إليه (( على )) نظرة مستفهم فأجابه التاجر على هذه النظرة : نعم ! نعم ! أخشى ذلك . تعال وانظر ، ثم سار داخل الحانوت وتبعه (( على )) يتخطيان الصناديق المبعثرة حتى وصلا إلى باب ، فتحه التاجر واجتازاه إلى ممر ضيق مظلم ، وفي هذا الممر كانا مضطرين إلى السير متتابعين لشدة ضيقه ، ثم وقفا أمام حجرة فى نهاية المر وأخرج التاجر كومة من المفاتيح كانت فى جيبه ، وبعد تقليب فيها لم يدم طويلا عثر على المفتاح المطلوب ، وفتح الباب فانبعثت

من داخل الحجرة رائحة كتلك الرائحة التى تكون للقماش الجديد إذا تكدس فى مكان لا يتجدد هواؤه .

ألقى (( على )) نظرة سريعة على محتويات الحجرة - فقد استهواه حب الاستطلاع - فاذا بها قد اكتظت بالأعلام الألبانية ذات اللون الأحمر يتوسط كلا منها نسر ذو رأسين ، وكان بعض الأعلام ملفوفا بورق أصفر شفاف وبعضها غير ملفوف ، وكانت العصى المعدة لتعلق الأعلام عليها مكومة فى ناحية من الحجرة وقد لفت بقماش أبيض جديد متين . . . وكان بجانب شباك الحجرة المغلق علم كبير يرفف ، وقد علق على عصا طويلة لفت بقطيفة أرجوانية .

نسى (( على )) كل ما حوله ، وتخيل هذه الأعلام ترفرف فى ميادين النصر أمام قوم يسيرون بخطى ثابتة تهتز من هتافهم الأرجاء ، وتخيل النسور على تلك الأعلام أبطالا خرجت من سجن الماضى المظلم تحوم فى آفاق حمراء . أشبه بملائكة العدالة ملأت البقاع وانتشرت فى كل مكان .

قطع عليه صوت أحلامه ولذيذ تخيلاته صوت (( غسير )) الأجش حين قال : ألا ترى كيف وقعت ؟ لقد قدرت أن كل بيت لابد وأن يشترى علما ، ولذلك أوصيت يصنع عدد كبير ، ولكنى أخطأت التقدير ، فلم يشتر أحد علما واحدا مع زهادة الثمن . . . ففهم (( على )) مراد الرجل وأدرك السر فى اهتمامه وإلحاحه فى السؤال عما إذا كان حقا يجيد قرض الشعر . لذلك كانت تلك العبارات ثقيلة الوقع على مسمع (( على )) . فنظر إلى (( غسير )) نظرة احتقار وازدراء لم ينتبه لها فقد كان منحنيا ليلتقط عصا ، وبعض فى طرفها علما ليطلع عليا عليه . وبينما كان ينشر العلم بدت صورة النسر واضحة جلية رمزا للشجاعة ، وعقب قائلا : - حرام ألا يباع هذا القماش الجيد الصنع المتين النسيج. ثم أمسك بطرف القماش وتحول نحو الشاب ليؤكد

له أنه اختار أجود نوع ووصى على أحسن صنع . . .

وإلى هنا انتهى ما بقى عند (( على )) من صبر ، فجذب القماش من يد التاجر بعنف ، وقال له بصوت شاع فيه الغضب ، ولكن كان رزينا قويا : أيها الرجل لا تلوث هذه الشارة المقدسة بيديك القذرتين ! ارفع بدك عنها حتى لا تتدنس . فنظر إليه التاجر مستغربا - فلم يكن يتصور أن يسمع هذا الكلام - وقال فى تأثر : ماذا تقول ؟ أبك جنون ؟ ولكن عليا لم يأبه له ، بل استمر فى حديثه يقول : جميل جدا . الآن فهمت قصدك . تريد أن تلهب حماس الناس ، وتؤجج نار الوطنية لا طلبا للاستقلال ، ولا نشدا للحرية ، ولكن رغبة فى رواج تجارتك وبيع اعلامك . ليهتف المجانين بحياة ألبانيا وباستقلالها ، وليمزقوا أكبادهم ، ويريقوا دماءهم . ليبلغ صوتك عنان السماء . مرحى ! مرحى ! نعم تحيا ألبانيا ، أسرعوا . نادوا . اهتفوا واشتروا الأعلام .. تتجر بشعورنا وعواطفنا ! لعبة ظريفة ! لكنها مع شديد الأسف أن تنجح .

رمي التاجر بعصا العلم واقترب من (( على )) مهددا ، ولكن عليا لم يتحرك من مكانه ، بل ظل ينظر إلى عينى التاجر يشع منهما الغضب والحزن وهو يقول : لولا الصداقة التى كانت تربطنى بوالدك وبأهلك لعرفت كيف تواجهنى بهذا الكلام ، فلم يتركه (( على )) ليتمم حديثه بل قال : ومن أجل تلك الصداقة تلزمنى أن أؤلف الأشعار والأناشيد وأعظ الجماهير وأكتب وأخطب مناديا بالحرية ، وداعيا إلى المطالبة بالاستقلال لتستطيع أن تبيع أعلامك المتينة القماش الجيدة الصنع الرخيصة الثمن ! إنها لخسة ! فقال التاجر : ستلقى بحماقتك أهلك فى أنون الشقاء ، وستضيع وقتك فى كلام لن تجنى منه ورائه سوى الحسرة والندم . عش فى أحلامك ؟ فسواء لدى أبيعت الأعلام أو لم تبع . استقلت ألبانيا أو ظلت ترصف فى أغلال الاستعباد . عاشت أو فنيت ؟ فعندى من المال ما يزيد عن كفايتى لأعيش

عيشة السعداء . هل فهمتنى ؟ والآن يجب أن تخرج .

فقال له الشاب : لا تكلف نفسك عناء طردى فسأخرج بنفسى ، ولكنى أود قبل أن أخرج أن أصحح خطأ اعتقادك . فانك تقول : عندى ما يزيد عن كفايتى لأعيش عيشة السعداء . . .

والواقع أنك لست فى عداد الأحياء . . . وهذا - مشيرا إلى الدكان المملوء بالبضائع - قبرك دفنت فيه يوم أنشأته أما ألبانيا فستعيش حرة مستقلة . مرفوعة

الرأس . مسموعة الكلمة ، وستباع أعلامك كلها ولكن بعد أن بعت روحك للشيطان . . ثم غادر المكان الموبوء بعد أن كاد يختنق فى جوه الفاسد ، وعم شطر دار البلدية (( قلم الاحصاء )) ليقف على أصل ومولد هذا الرجل ، وكان سروره عظيما عند ما علم أنه مجهول الأصل والمولد ، وأنه من المهاجرين الذين نزحوا إلى أرض الوطن ليكتسبوا ما يتعيشون به ،

اشترك في نشرتنا البريدية