الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323 الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الألباني، وادى الدموع

Share

شاعت الفوضى في انحاء القرية ، وساد الهرج والمرج ، وانقلبت الاوضاع ، وانعكست مجاري الامور فأصبح الصغير لا يحترم الكبير ، وأضحي المرءوس لا يعترف بسلطان الرئيس ، ذلك لان الخوف والهلع والجزع والفزع قد استولى كل أولئك على النفوس ، وملأ القلوب ، فأصبح كل إنسان لا يفكر إلا في مآل امره ونهاية مصيره ، فقد تسلسل إلى القرية الوادعة فرق من اللصوص والجيش الصربي قضوا فيها على الطمأنينة ، ونشروا الذعر بين ارجائها ، فاعتصم الناس بمنازلهم ، إبقاء على نفوسهم ، وضنا بحياتهم . ولو انك جست خلال القرية وفتشت في جنياتها لما صادفك إلا نافذة مفتوحة وقد أوصدت جميع الأبواب والنوافذ .

أطلت من تلك النافذة فتاة ، وضيئة الطلعة ، لطيفة التكوين ، نادرة الحسن - على الشارع الذي يمر بمنزلها في سهوم ووجوم . ولا إخالها إلا كانت تفكر في مصير منطقتى " دبرا وفو صوفا " وغيرهما من المدن الآمنة التي سلبها المغير هدوءها واطمئنانها ، وقضت اوربا عليها ان تضع نبر الاستعباد على رقابها وتسلم قيادها لصربيا ، ولا إخال إلا أن تفكيرها في عاقبة أمر تلك المدن قد طال ، إذ طالت وقفتها ، ولم تباشر أي عمل في ذلك اليوم حتى إنها لم تتناول طعاما .

نحن قبيل الغروب ، والشمس آخذة في جمع ما انتشر من ضوئها ، وما تفرق من نورها ، لتختفي وراء الجبال . وإذا الناس جميعا يسمعون طلقات نارية تدوي في الفضاء ، وتملأ الأرجاء ، وإذا أصوات تشق عنان السماء في فرح : " تحيا الحرية " وإذا وقع حوافر الخيل عند مدخل الشارع الذي تطل عليه الفتاة ؛ فقد وصلت فرقة من الحبش الألبانى الباسل لتحرير القربة ، وكانت الفرسان في المقدمة ، تليها

الشاة ، وتتبعها الدفعية . وكان قائد الفرسان فتى لما يتخط العقد الثاني من حياته ، امتطي سهوة جواد أبيض ، يتناثر من فمه ما يشبه رغوة الصابون ، دليلا على ما اصابه من تعب نتيجة جرى طويل . وكان منظر هذا القائد على هذا الجواد يبعث في نفس من يراه الإجلال والإ كبار . بما يمليه مظهره من قوة ، وما يشيعه من عزم وحزم .

كانت الفتاة تنظر فخورا إلي أبناء ألبانيا والدم يجري في عروقهم ، وأسلحتهم تلمع علي اكتافهم ، ولسان حالهم ينطق : الحرية أو الموت! . . فالتقت عيناها بعيني ضابط الفرسان الشاب ، فأحست كأن منهما رائشا نفذ إلي قلبها من شدة خفقانه ، ورأت نفسها دون شعور تبتسم وتسرع إلى اصيص الزهر الذي بجوارها فتقطف منه زهرة جميلة وتلقي بها إليه ، فيتقبلها شاكرا ويطبع عليها قبلة اودعها كل ماجاش به صدره من حنان وتقدير وعطف ، وينظر إلي الفتاة باسما ويسمع لهتافها مصغيا وهي تقول : " تحيا الجنود البواسل . يحيا قائد الفرسان " .

أوربا العريقة في المدنية ، التي ما زال صوتها يرن في الآذان ، داعية إلى القضاء على الطغيان ، تلعب بالاراضي الألبانية كما تشاء ، وكما يشاء لها هواها ، فتمنحها من تشاء ، وتمنعها من تشاء ، ناسية ان التاريخ سيدون تلك المعاملة والتناقض الظاهر بين اقوالها وافعالها . وسيذكر التاريخ أن الألبان الشجعان ابوا ان يخضعوا لقرار مؤتمر "برلين" الجائر الذي قضى أن تسلم " ديرا وفوصوفا " طعمة سائغة " لصربيا " وأبوا ان يستكينوا للظلم ، فصح عزمهم على ان يحاربوا الطغيان ، إلى آخر رمق من حياتهم ، فاتخذوا من حزمهم دروعا واقية ، ومن شجاعتهم حصونا مانعة .

وتأهبوا في سرعة البرق ، والتقوا بالعدو في ميدان القتال غير هيابين ولا وجلين ، ولا مبالين بما امتلا به الميدان من أشلاء متناثرة ، وجثث مبعثرة ، واجسام مشوهة ،

طاحت منها الرؤوس وزايلتها الأعضاء ، وسالت منها انهار من الدماء غير انه بعد اسبوعين مرا على هذه الحال طلب الفريقان عقد هدنة لدفن القتلى وإرسال الجرحي إلي المستشفيات . . ولقد اطلق الالبان على المكان الذي ضم رفات الشهداء " مقبرة الشهداء " ووضعوا فوقه العلم الآلباني ذا اللون الأحمر مع سواد ، وفي وسطه صقر ذو رأسين رمزا لمأثم شهداء الوطن.

أما الجرحي فامتلأ بهم المستشفى الكبير على سعته ، وتجاوب في أنحائه صدي انينهم ، وإن الزائر له في هذه الأثناء - مهما قسا قلبه - ليذرف الدمع سخينا حزنا وأسي علي نزلاء هذا المكان ؛ فمن مبتور الساق إلي مقطوع اليدا و الرجل إلى الجريح جرحا بالغا ، إلي غير هؤلاء وهؤلاء ، من ضحايا الاستبداد . وبين هؤلاء الجرحي جريح حمله إلي المستشفى جنديان في محفة ، وجرحه بالغ في الخطورة ؛ فقد استقرت رصاصة في ثديه الايمن ، والطبيب من ورائه ، وزائرة المستشفى تتبعه في اهتمام ، وتنظر إلى المريض في عطف . . خلعوا ملابسه ، واناموه في رفق وعناية على فراش وثير . الطبيب يلقي إلي الزائرة أوامره ، فيقول ؛ يا فاطمة وفري الجهد للعناية بهذا الشاب . سأوالي الكشف عليه فاطمة تسأل الطبيب بلهفة : وهل هو في خطر ياسيدي ؟ فيجيبها الطبيب : إن كانت الكبد سليمة فلا بأس عليه ولكن ثم يخرج قبل أن يتم كلامه .

أقامت فاطمة بجوار المريض أياما ثلاثة ، لا يهدأ لها بال ، ولا يرقأ لها دمع ، ولا يهنأ لها طعام ولا شراب ، بعوده الطبيب كل يوم ولكنه لا يقطع في شأنه رأي . وهي لا تجرؤ أن تسأله خوفا من ان يكون في الجواب ما يضاعف المها ، إلا ان المريض في الهزيع الأخير من الليلة الثالثة تحرك في سريره وفتح عينيه اللتين ظلتا مطبقتين طوال الأيام الثلاثة ، فأسرعت إليه فاطمة وجئت بجانب سريره ، فأشار إليها ان تعطيه جرعة ماء وبعد ان شرب

تمالك نفسه ورفع رأسه وقال في صوت خافت : " في جيب مصطفى منديل ارجو ان تسرعي به إلى" فلما جاءت به أمرها ان تفتحه ، فرأت بداخله زهرة ذابلة ، فتتناولها وقبلها ثم قال : قد كانت سببا في نجاتي . فقالت فاطمة لعلها مهداة من حبيبة ! قال : من خطيبتي..

- لست أرى ما يدل على خطبتك - ليس من اللازم أن تقوم للناس أدلة على ذلك مادامت القلوب مرتبطة - الصدق ما قلت ، ولكن ! قد ينخدع الإنسان في بعض الأوقات . - على أى حال فأنا أحبها ، وسأداوم على حبها ماحييت - لا أظن أن شابا له مثل قلبك ، لا يكون محبوبا . - أشكرك أيتها الآنسة الكريمة ، وأسأل الله أن يكتب لي الشفاء ، لأصحبك إلي بيتها ، فإنه يسرني ان تتحابا ؟ أما إذا قدر لجرحي الا يلتئم ، فكل ما ارجوه أن تردي لها هذه الزهرة وتبلغيها انها كانت آخر من أفكر فيه

ارتبكت الفتاة قليلا ، وتأملت الزهرة مليا ، وتمتمت : الا يكون هذا الضابط هو قائد الفرسان وتكون هذه الزهرة التي قذفت بها إليه من النافذة ؟ على كل ! الأيام كفيلة بإظهار الحقيقة . ولكنها تمنت من كل قلبها ان يكون هو .

في الصباح جاء الطبيب كعادته للكشف على المريض ، ثم جاء على أثره عامل البريد يحمل خطابا باسم " سيد صدقي ، قائد الفرسان " أذن الطبيب للمريض ان يتسلم خطابه ، فلما فض غلافه ، وطالع سطوره الاولى ، ارتسمت عليه آيات الغضب ، فاحمر وجهه ، وتقلصت شفتاه واعترته رعشة خفيفة ، وشرع يتحرك بشدة يلقي الغطاء عن نفسه ويهم بالقيام ، ولكن الطبيب بادره بقوله : في حركاتك القضاء على حياتك ، فخير لك ان تظل كما انت . فرمى إليه بالخطاب ،

فنظر الطبيب فيما حواه فإذا " هذه الكلمات : " العدو عند مدخل قريتكم ، اشعلوا فيها النار . . أهلك هاجروا إلى حيث لا يعرف أحد " . . فالتفت الطبيب إلي " صدقى وعزاه بكلمات مناسبة ، وكذلك فعل الحاضرون ، ونصحوا له أن يبقى على نفسه ، فاستسلم على كره منه .

انقضي شهر كامل وصدقي نزيل المستشفى وفي نهايته قيل له : ليس عليك بأس إن انت غادرت المستشفى ، فخرج وليس له إلا أمل واحد . وهو أن يري تلك التي وهبت له الحياة يوم ان رمته بالزهرة من النافذة ، فأسرع إلى منزلها ولكنه عاد وبه من الهم ما الله به عليم ، فقد تردد ثلاث مرات في أوقات مختلفة وكان يجد الباب مغلقا ، ثم قابلته فاطمة عند باب المستشفى مقطبة الجبين شأن من يسبح في بحر من التأملات فلما وقع نظرها عليه تطلق وجهها ، وابتسم ثغرها وانعطفت إليه ومدت يدها مسلمة ، وطلبت منه في إلحاح أن يرافقها إلي منزلها . فرجع معها شاكرا ، وسلكا معا الطريق الذي سلكه آنفا إلى بيت حبيبته . وكانت دهشته عظيمة عندما طرقت باب البيت الحبيب إلى نفسه العزيز على قلبه ، ودخلت أمامه وقادته إلي غرفة الأضياف التي كان بها والدها ساعتئذ ، وقامت هي بتعريف كل منهما إلى الآخر ثم تركتهما وانصرفت ، ففهم صدقي كل شئ . .

استقبله والد الفتاة أحسن استقبال ، وطرق أبوابا شتى من الحديث ، وبعد زمن غير قليل دخلت عليهما الفتاة بعد أن اخذت زخرفها وازينت ، متعمدة ان تكون في هيئتها حينما القت الزهرة من النافذة ، وجلست بجوار صدقي واعتمدت بيدها على النافذه فاستأذن والدها وتركهما ، لكنها تطلعت إلي النافذة وبكت ، فسألها صدقي في دهشة : لماذا تبكين يإعزيزتي ؟ لقد أهديت لي الحياة مرتين ؛ الأولى يوم أن أهديت لي الزهرة . والثانية عنايتك بي وانا نزيل المستشفى . . ثم عانقها وطبع قبلة بين عينيها ، وغرقا معا في البكاء ، ولما افاقا أخذا يتذا كران معا ما فعلته يد

الحدثان بأولئك الشبان الذين خرجوا للدود عن الحمي .

في يوم من الأيام كانا يطلان من نفس النافذة ، فإذا بهما يقع بصرهما على فرقة من الفرسان في طريقها إلي الميدان . فاشتعلت نار الحماسة في قلب صدقي ، فأسرع إلى سوق المدينة ، ورجع متأخرا إلى منزل فاطمة ، ودخل على أهلها في حجرة الاستقبال ليودعهم ؟ فقد استقر رأيه على الذهاب إلي القتال ، ولم يبد عليه شيء من التردد حين تعجبوا من ان يتركهم سريعا هكذا . بل سأل عن فاطمة ليودعها هي الأخرى ، وأسرع إليها حين علم انها في غرفتها ، فلما احست به اجفلت إليه وقالت : إني انتظرك بكثير من الشوق ، وقليل من الصبر فأين كنت ؟ فأجابها : كنت في مهمة ! وسأذهب الآن ! . فقلديني السيف .

- إلي اين ياحبيبي ؟ . - إلي حيث يغالب الرجال الموت . - لا ! . لن اتركك تذهب . نريد أن نحيا حياة سعيدة . - الخطر يهدد البلاد ، فكيف استطيع الصبر ؟ . . وهل في الاستطاعة أن اراك على صدر صربي ؟ أعقلك معك ؟ . . - لقد نسيت ! ! . . الموت عذب وسهل في سبيل الدفاع عن الوطن ، فلا بد أن تأخذني معك . لا تتركني هنا ! . . ثم غلبها ضعف النساء فبكت ، ووقعت على الأرض مغمى عليها ، فانحني عليها وقبلها قبلة حارة ، ثم حملها إلي سريرها وأسرع في الخروج .

الجيش الصربي ، واللصوص ، احتلوا " دبرا ، وفوصوفا " منحة اوربا لهم ، بعد معارك حامية الوطيس على نهر درين ، ذاق فيها المتحاربون العذاب الوانا ، وجرت فيها الدماء انهارا حتى خضبت جميع البقاع ، وكانت الميادين اشبه شئ بالبراكين ، يتصاعد منها الدخان واللهب ، وكم من قري تهدمت ، وتشتت شمل سكانها

وخرجوا مهيمون على وجوههم في حيرة وارتباك، لا يدرون اين يذهبون ؛ فالنهر امامهم وقد قطعت جميع الجسور التي عليه ، والعدو عن يمينهم ، وعن شمائلهم ، فلا معدي من ان يقذفوا بأنفسهم في مياه النهر وليكن ما يكون . .

لو أن واقفا على شاطئ نهر درين في منتصف الليل ، أصغي بسمعه ، لوضح له صوت قارب يشق الماء في حذر ، كأنه هارب من وحش كاسر إلي الشاطئ المقابل ، كانت بهذا القارب فاطمة ، فرت احتفاظا بشرفها وحريتها ، وهبطت أول قرية صادفتها ، وأوت إلي كوخ - في ظاهر العزبة - خلو من كل شئ ، وقضت فيه أيامها الأولى لا تجد ما يسد الرمق ، واضطرت أن تسأل الناس ما يرد جوعها ، وهكذا كتب عليها أن تعيش عيشة الكفاف في كوخ حقير وهي التي تمرغت في أعطاف النعيم في مسقط رأسها " ديرا " . إلا أنها استسلمت لقضاء الله وصبرت على بلائه ، وزادها استسلاما أنها اهتدت في مكانها الجديد إلي من يحمل إليها رسائل " صدقي " من ميدان القتال ، فكانت تقضي ليلها الطويل ، في قراءة ما تخطه يمينه ، على ضوء شمعة ، ومن طول قراءتها حفظت عن ظهر قلب تلك العبارات :" ملاكي الطاهر ، إن همك أن تعلمي كيف أنام ، فوسادتي الحجر وفراشي الأرض ، وإني ألتحف بالسماء . . قصف المدافع ، وصفير الرصاص ، وأنين الجرحي ، أغنيات نسمعها بلا انقطاع . . في كل مكان وجهك رائدي ، وفي كل لحظة يهددني الخطر ، ولكن طيفك دائما يحمينى . . الشوق لرؤيتك ملأ جوانحي ، ولكني لا أستطيع أن أطفئ حرارته . . من ميدان القتال أبعث إليك قلبي . . بفارغ الصبر أنتظر ما يسطره بنانك ، هو الذي يستطيع أن يهدي إلي كل شئ ويسلبني كل شئ حتى الحياة... إني أتحدث مع الريح ، ومع الحقول ، ومع الجبال ، ومع.

الطيور ، أسألها عنك ، ولكنها لا تجيب . حينئذ تدمع العين ، وينفطر القلب . . . بالله الذي خلقنا وربط قلبينا بهذا الرباط المقدس ان تكتبى إلى حتى اظل حيا إلي ان أتمتع برؤيتك مرة أخري . . "

مسكينة فاطمة ! كانت هذه الرسائل كل عزائها ، وكانت لديها كأغلي كنز في الوجود ، تبللها كل يوم بدموعها التى تسكبها غزيرة عند ما تأوي إلي كوخها بعد عمل مضن طول النهار لكسب قوتها ، فلقد اضحت حياتها سلسلة من المتاعب الجسمانية والنفسانية ، ولكن الأمل هو الينبوع الوحيد للبائسين

فقد كانت تتحمل آلام الحياة أملا في أن تلتقي يوما " بصدقي " حبيبها الأول والأخير . وتحيا معه حياة السعداء ، تكفر بها عن تلك الحياة البائسة . . ولما طال بها المقام ، وأعياها الصبر ، هاجرت إلى مدينة صغيرة ، والتحقت بخدمة احد اغنيائها ، حماية لعرضها ، وسدا لعوزها . ولقد كانت في تلك المدينة فتنة الناظرين ، مع ما هي عليه من رقة الحال ؛ فملابسها البالية ، وثيابها الخلقة ، لم تحجب شيئا من جمالها ، فكان الشبان يغازلونها ذاهبة إلى الينبوع لتملا سقاءها أو ايبة ، وهي في شغل عن كل هذا بنفسها أو بحبيبها

وإنها لراجعة ذات يوم من الينبوع ، وإذا بضابط شاب ملأت نياشين الجدارة صدره ، يعترض طريقها ويطلب إليها أن تروي ظمأه ، ولكنها لا تلتفت إليه ككل شاب يلقاها ، وتتجه - بعيدا عنه - إلي منزل مخدومها ؟ ولكن الضابط الشاب يتبعها ملحا ، إلى ان اضطرت أن تقول له : لماذا تقطع على الطريق ياسيدي ؟ دعني أذهب . فيجيبها الشاب ؛ حتى جرعة الماء تبخلين بها علي . . ولكن فاطمة قد لان قلبها له ، فناولته الجرة ، فاستقي منها ، ولما استعادتها ارادت ان تواصل سيرها ، فأمسك بيدها وقال : أهكذا نسيتني بسرعة بإ فتاتي

العزيزة ؟ . . إلي أبن تذهبين ؟ فجمدت الفتاة في مكانها ونظرت بأنتباه إليه ، فعرفت فيه حبيبها الذي طالت غيبته فصبغت وجهها مسخة من الخجل ، إذ كانت تود ألا يراها في حالتها تلك بهذه الملابس القذرة ، ولكنه فهم سر خجلها فضمها إلي صدره بعد ان وضع الجرة على الأرض وأمطرها وابلا من قبلاته ثم انتحي بها ناحية من الينبوع ، وجلسا يسردان تاريخ تلك الفترة من حياتهما . . ولقد ناقت نفس الفتي ان يزور ذلك الكوخ الذي قضت فيه فاطمة ايام بؤسها ، فذهبا إليه ، وقضيا فيه يوما كاملا ، وأطلقا عليه اسم " وادي الدموع " ثم عادا إلي مدينة في القسم الذي لم يستعبد من البانيا الحرة واستوطناها ، وعاشا فيها عيشة راضية في كنف زوجية سعيدة لا ينقصها إلا التفكير في الماضي الغريب . . وقد

رزقا أولادا  كثيرين ، نشآهم على حب الوطن ، وبذل النفس رخيصة في الذود عنه . . وقد حدثنا كاتب هذه القصة ان من أولادهما من انخرط في سلك الجيش الوطني لتحرير البانيا الآن والدفاع عن استقلالها ، وهم على اتم الاستعداد لإهراق آخر قطرة من دمائهم إن عن للحلفاء أن يقسموا بلادهم بعد هذه الحرب أو يعبثوا باستقلالها . .

وطلب منا صاحب القصة ان نهيب بزعماء الدول الإسلامية أن يذكروا عند ما يحين اجتماعهم على مائدة الصلح ان البانيا هي أول من رفع السلاح في وجه العدوان الفاشتي في أوربا ، وأن من حقها أن تتمتع بنصيبها من الحرية التي وهبتها لها الطبيعة ، والأ تعيش مقصوصة الجناح من أجل الأصدقاء:

اشترك في نشرتنا البريدية