جلس " عم عمر " على شاطيء بحيرة " شاري ينظر إلى الدخان الذي يتصاعد من سيجارته متعرجا نحو السماء . وهو يزفر من آن لاخر زفرات حارة تحرق الكبد وتصهر الفؤاد ، ثم هو من حين لأخر يهمس في حزن وأسي يرتسمان على صفحة وجهه بهذه العبارة : " لا ينقلب الدم إلى ماء " .
يعرف الناس عن " عم عمر ( أنه شيخ قليل الكلام ، طويل الصمت ، جيد التعبير ، يصل دائما إلى ما يريد بقوة حجته ، وسحر بيانه ، وعذوبة لسانه ، وليس ذلك بكثير علي رجل كعم عمر ، وخط الشيب لحيته ، وجعدت التجارب جيبته ، وقوس ضعف الشيخوخة ظهره ، وافادته حوادث الايام وصروف الليالي وبيئته التي نشأ فيها حسن تصريف للأمور ، ثم هو فوق ذلك ينتمي إلي أعظم قبيلة ، وإقليمه من خير الأقاليم ، مناخ معتدل ، وطبيعة ساحرة ، ورخاء شامل
تطل على بركة " شاري هضبة قليلة الارتفاع كستها الطبيعة ثوبا جميلا من الحشائش الخضراء ، وفي قمة هذه الهضبة قام بيت جميل طليت واجهته بطلاء ناصع البياض أما بقيته فقد طليت بطلاء أبيض مشوب بزرقة ، وكان منظر هذا البيت - منفردا على تلك الهضبة موصد النوافذ مغلق الأبواب - يوحي إلي كل من يراه انه خلو من السكان أو يكاد . هذا هو بيت " عم عمر " الجديد . شيده على هذه الهضبة بعد ان احرقت بيته - في وسط القرية - عائلة كلة التي شبت بين عائلته وبينها نار العداوة منذ سنين ، فاحترقت بلظاها كبد ، عم عمر فقد قتل ابنه أحد أفرادها وبذلك لم يبق له سوى " طفيل ؛ الذي علق عليه كل آماله في الثأر لآخيه . وكثيرا ما كان يردد أمامه تلك العبارة : أنت وحدك الذي تستطيع أن
تشيعني إلي قبري قرير العين ، مثلوج الصدر ، مرتاح الضمير ، فأنا هامة لليوم أو غد ، وشيخوختي تحول بيني وبين الثأر لأخيك . . وكان " طفيل " يقدر قول أبيه ويذكر آخر كلمة لفظها أخوه ، ولفظ بعدها روحه : أخي ! لا تنس الدم ! فيغلي مرجل الغضب في قلبه ، ويصر على الانتقام . .
كان الناس يتهامسون فيما بينهم أن طفيلا لن يثأر لأخيه ، وينسبون إليه الضعف والتهاون بما جري به العرف وما تأصل من عادات الاباء والأجداد محتجين لهذه الدعوي أنه لما يدر بعد قيمة الدم المراق فها هو قد مضي على عودته من خدمة الجيش عامان كاملان ، يؤثر فيهما العزلة ويطيل التفكير ، ولكن لم يبد ما يفيد انه يعد العدة لهذا الأمر .
في أصيل يوم من أيام الربيع الجميلة أخذت الطيور تغرد أعذب الألحان على الأشجار الوارفة التي كان النسيم يداعب اغصانها في هدوء وانسجام . وأخذت الشمس تسرع نحو المغيب لتفسح لسلطان الليل أن يتربع على عرشه ويسيطر على الكون ، ويطبعه بطابع السكون الشامل ، وانفرجت أشجار الغابة عن شاب قد أعياه التعب ، ونال منه السفر فكسا الغبار ثيابه ، وفاض على وجهه وما بدا من جسمه . . واتجه هذا الشاب إلى الينبوع ليروي ظمأه ويغسل وجهه ويديه ويستجم نشاطه ؛ فما إن وصل إليه حتى وجد نفسه وجها لوجه أمام إلهة الحسن وربة الجمال ، نزلت عن عرشها لتملأ سقاءها ، فاحمر وجهه ، وجمد لسانه ، وتسمرت قدماه فلم يستطع التقدم ، لكنه لم يلبث ان عاد إليه رشده حينما لمح وجهها قد خضبه الخجل ، وتولتها حيرة وارتباك ، واستطاع ان يقول لها في خفوت لفظ وانكسار طرف : لا تخشى بأسا أيها الآنسة ، فأنا عائد من الجندية ألجأني العطش وشدة التعب إلي الينبوع ، وإن الفرصة السعيدة جمعتني بك ؟ فهل تسمحين بجرعة ماء ؟
- لك أن ترتوي كما يطيب لك فالينبوع أمامك ، خذ منه ما تريد .
- ولكني أحب أن أتناولها من يديك لتكون اعذب مذاقا . فاحمر وجه الفتاة حياء ، وقدمت إليه الماء
فشرب ، ثم قال ما أحسن الماء ! وما ألطف صنيعك ! أتأتين إلي هنا كل يوم ؟
- ما شأنك وهذا السؤال ؟ إن أمرك لغريب !
- هذا الجمال الفاتن ، وهذا السحر القاتل هما اللذان حركا لساني بهذا السؤال .
- دع منك هذا ، فجميلة كنت أم قبيحة فهو شأني أنا وحدي لا يشركني فيه سواي .
إن من يستمع لكلام الفتاة يتخيل انها ذات قلب لا يلين وأنها لن تصبو إلى هذا الفتي . ولكنه استطاع أن يري في عينيها الجميلتين الوادعتين شعاع الحنان ، وان يتيقن من أن ما قالته لم يكن عن مكنون قلبها ، فأردف يقول :
- أريد أن أناديك باسمك فماذا أقول ؟
- وماذا تريد أن تصنع باسمي ؟
- أريد أن أقرن هذا الجمال الملائكى بالأسم الذي يدل عليه واحتفظ بهما معا في قلبي .
فتمتمت قليلا ثم غلبها ضعف النساء وقالت : " زينة " هو الأسم الذي ينادونني به
- لم يوضع هذا الاسم في اللغة إلا ليطلق عليك .
- أرجو أن تواصل سفرك وتتركني لأملأ جرتي فقد أمسى المساء .
- لا تغضبى ؟ فسأتركك كما تشائين . فوداعا يازينة . وداعا يافاتنة الفؤاد . .
لقد كان لكلمات الفتي ونظراته فعل السحر في قلب " زينة " فلم تستطع مقاومة رغبتها فى بقائه إلى جانبها بعد ان ناشدته ان يستأنف سفره . توسلت إليه ان يتمهل ريثما تستخبره عن اسمه ومقصده . فقال :
أأجلس إلي جانبك ؟
- اجلس حيث تحب ؟ علي أن تعرفني من أنت ، فقد سلبتني راحة القلب . واطمئنان النفس ، فقال لها :
- خير لك أن تظلي على جهلك باسمى ومن أكون
- إني الح اريد ان اعرف لمن اسلمت قلبي وروحي .
- كل ما أريد أن تعرفيه أن لقاءنا لم يكن سوي حلم لذيذ نشعر بالفرح يغمرنا كلما مر بخاطرنا هذا الحلم ، ونستطيع أن نعيش - بذكراه - لحظات فيما يشبه السعادة .
لا . لا بربك من أنت ؟
إذن ستشقين كما شقيت !
- ليكن . لا بد أن أعرف من سأناجيه في حبي .
فلم يستطع الشاب إلا ان يضم الفتاة بقوة إلى صدره . ويطبع علي شفتيها قبلات عبرت بحرارتها عما يتأجج في صدره ، ويشتعل في فؤاده ، ثم تركها حيري من هذه المفاجأة التي لم تكن تتوقعها . واسرع صوب النهر القريب . وسرعان ما استفاقت وجرت وراءه متوسلة ان يحدثها عن نفسه مقدار ما حدثته عن نفسها ، ولكنها لم تدركه . فقد وصل به القارب إلى الشاطئ الآخر ، غير أنها سمعته يناديها : ورداعا يازينة ارجو أن تصوني قلبك " لطفيل ، عدو بيتكم الاكبر . ثم يمم شطر البيت الأبيض . . مسكينة " زينة " ومسكن " طفيل " فقد كان حظهما في الحياة غير سعيد ، إذ كان لا بد لطفيل ان يذكي نار الحقد لأهلها في نفسه حتى لا تخمد جذوتها إلي ان يثأر لاخيه . ولقد قاسى من تبلبل الأفكار وذبذبة الخواطر بعد لقاء الينبوع كثيرا ، غير أن عبارة واحدة جعلته يصر علي ان ينتقم لاخيه ، فقد سمع من يهتف به : يا للعار ! بعت دم أخيك . وجلبت لعنة ابيك بقبلة من فم " زينة " ياله من ثمن بخس في عرف التقاليد !
هذه العبارة وحدها دفعت الشاب بقوة إلى الإسراع في تنفيذ خطته ، فلم يمض سوى ليال ثلاث وفي الليلة الرابعة وكانت معتكرة الظلام - سمع مقذوفان ناريان في ظاهر القرية قريبا من الغابة ، وبعدها بلحظات عاد طفيل إلى البيت ممتقع اللون يسمع لقلبه خفقان شديد ، واسرع إلى سرير والده المريض وقال : لقد قضى الأمر يا أبت وانتقمت لاخي .
فلم يكد المريض يستمع لهذا القول حتى قفز من سريره وعانق ابنه وقبله في جبهته . ولقد كانت حركته هذه سببا
في ان الموت اسرع إليه فارتمي على سريره ثانية واسلم روحه بعد أن قال لابنه : أراح الله فؤادك فقد كدت أموت مكلوم القلب ، ولكنى بفضل همتك أموت مرتاح الضمير .
ولم يمض غير قليل حتى كان طفيل مكبلا بالحديد في طريقه إلى السجن فقد اثر أن يناله ما تفرضه العدالة ، ويقضي به القانون في مثل هذا الحادث ، وعليه فلم يشأ ان يفر من خمسة عشر عاما يقضيها جزاء ما اقترف بين جدران السجون .
دارت دورات الفلك وانتهت المدة التي وجب على " طفيل " الا يتنسم فيها نسيم الحرية وما هي إلا ايام تعد على أصابع اليد الواحدة حتى يطلق سراحه ، ومع ذلك ما زال قلبه يخفق بحب " زينة فهي شغله الشاغل في أيامه القليلة الباقية يفكر في حالها ومآل أمرها .
لم يعلم أنه بعد أن قتل أباها واقتيد إلي السجن قررت ان تلبس السواد حدادا على ابيها وان ترفض الزواج انتظارا لعودة حبيبها . . وقد حاول اخوها ان يقنعها بالعدول عن هذا القرار . وكثيرا ما عنفها بقوارص الكلم ، ولكن كل محاولاته قد فشلت طوال تسع سنوات استطاع بعدها أن يغير من رأيها فترضي بمن اختاره لها زوجا بعد ان اوهمها ان حبها لابد ان يذبل في قلب طفيل ، وأن الأولى لها أن تبعده عن فكرها لا سيما بعد ما كان منه . وها هي الآن قد مضي علي زواجها من شاب كريم المحتد ، عريق النسب ست سنوات ، ولم تستطع يد الزمن ان تمحو من قلبها ما سطر لطفيل من حب وإخلاص .
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة التي تتراكم فيها التلوج لا علي رءوس الجبال فحسب بل تكتسي بها الأرض ايضا ، رأي أهل القرية رجلا غريبا عنهم ، فقد كان طويل الشعر ، اصفر اللون غائر العينين ، ثيابه خلقة ، وحذاؤه ممزق . ومنظره في الجملة مخيف ، كان كل من يراه يظنه سائلا يتكفف الناس .
أقام هذا الرجل مدة في القرية كان يتردد فيها كل يوم على الينبوع مرات عديدة يتفرس في وجوه الفتيات والنساء ذاهبات أبيات . . وإنه لفي يوم من الأيام وقد نال منه التعب والبرد عائدا من الينبوع . عطف إلي بيت في ظاهر القرية ينشد الدفء ، والراحة تحت سقيفة أمام البيت ، فرأى بنظرة عابرة في فناء البيت طفلا وطفلة كأنهما ملكان من ملائكة السماء جمالا ونضارة . وكانا يلعبان بكرات من الثلج ، فانزوي في ركن من الأركان حتي لا يزعجهما منظره ، ولكنهما مع ذلك - ابصراه فخافا أولى الأمر ، ثم لم يلبثا أن اقتربا منه وناداه الطفل :
- لماذا تجلس هنا يا خال ! أتريد خبزا ؟
- لا يا أولادي الأعزاء أشكركما
- أراك ترتجف . لعل البرد قارص عليك ، فادخل لتدفئ نفسك
- لا ! أشكرك .
ثم تفرس " السائل " كما كان يسميه أهل القرية في وجهي الطفلين فرأي فيهما مشابه من " زينة " تلك التي تربعت على عرش فؤاده ، فأراد ان يقف على حقيقتهما فقال : هل لكما والدة ؟
- نعم وهي الآن تعد لنا طعام العشاء ، وكان الأنس بالرجل بلغ منهما مبلغا عظيما فقد وقفا بجواره يجيبان على اسئلته ، قال لهما : ماذا تسمونها ؟ فنطقا بصوت واحد تشيع فيه براءة الأطفال : نسميها " زينة " .
سمع الرجل هذا الاسم فكأنما نفذ إلي قلبه سهم رائش ، ولم يتمالك نفسه ، فضم الطفلين إلي صدره بقوة ، وغمرها بفيض من القبلات واستعبر باكيا .
تعجب الطفلان من عطف الغريب عليهما وبكائه وسألاه : لماذا تبكي يا خالنا ؟
وقبل أن يجيبهما أطلت والدتهما من الشباك ودعتهما للدخول ، فتخلصا من بين ذراعي المسكين واسرعا إلي الداخل .
ولما سكنت ثائرة الرجل تلفت يمنة ويسرة فرأي من الشباك الطفلين يقصان على امهما كيف عطف عليهما وانه قبلهما بشوق وسألهما عنها . ولكنه قبل ان يمنع نفسه بهذا المنظر أحس ان دمه تجمد في عروقه وان سراج حياته عصفت به الرياح فانطفأ - وبذلك انتهت حياته وهو ينظر إلى حبيبته ، ويلعن الظروف التي دفعته إلى الثأر لأخيه ، فانفصل من تلك التى اسرت لبه وملكت قلبه
وهبي اسماعيل حقى
