لو أن الظروف ساقتك إلي زيارة غابة " دومرا الواقعة في شمال ألبانيا ، لاستولي عليك خوف يملأ قلبك ، وترتعد منه فرائصك ، عندما يطالعك منظر الغاية عند مدخلها بأشجارها الكبيرة الضخمة ، التي لم تشهد لها العين مثيلا ، والتي لا تسمح للشمس أن ترسل أشعتها إلي الأرض تحتها لكثافتها ، وتشابك أغصانها . لكنك لو اجتزت المدخل ، وسرت قدما في طريقك لذهب عنك الخوف ، وعاد إليك الاستقرار ، إذ ان منظر الطبيعة - الذي واجهك عابسا عند الدخل - تزول عنه عبوسته ،
ويأخذ في الابتسام كلما تقدمت بك الطريق ؛ فالأشجار تضوي ، والأغصان تتنافر ، وأشعة الشمس تستطيع أن تحتل مكانها من أرض الغابة . وهكذا يزداد المنظر رواه حتى يملك عليك مشاعرك فتضطر إلى ان تكف عن مواصلة الشئ لتتمتع بالسحر الحلال في هذه البقعة الجميلة من هذه الغابة ، فالأزهار تستقبلك بمنظرها البديع ،
وعرفها الشذي ، والطيور تغرد أعذب الألحان ، وتنتقل في لهو وعبث ، ورقص وطرب ، بين الاغصان التي تداعبها هبات النسيم ، والينبوع الصافي الذي جعل من هذا المكان متنزها طيب الهواء . يذهب بالهموم ، ويأسر النفوس ، ويأخذ الآلباب .
تتناثر حول هذه الغابة قري كثيرة ولكن إحداها هي التي تستتوقف النظر ، وتفتن الناظر ، تلك هي قرية " بليثت " . وهي تقوم على سلسلة هضبات تتوجها مروج خضراء . وتحيط بها بركة - تحمل اسمها - صافية الماء قريبة الغور ، يتراقص فيها خيال الأبنية والأشجار المحيطة بها في منظر جذاب بهيج . في هذه القرية نشأت أسرة " كهرمان أغا " في بحبوحة عيش ،
واطمئنان بال ، وسعادة حال ، ينظم عقدها، وينعم نعيمها ويجلب لها السرور نفسان عزيزان ؛ أما أحدهما فنفس "سلطانة" ثمرة غرس الأسرة ، ووحيدتها ، جاءتهم على شوق لهفة ، بعد طول انتظار ولوعة ، ولقد أبدعت يد القدرة في تسطير جمالها ، وتكوين جسمها ، حتى إن اللغة تكاد لا تسعف بالألفاظ التي نعبر تماما عن هذا الجمال الفاتن ، والحسن البارع . وأما الثانية فنفس " بتريت "
وهو شاب يقيم تربطه بالأسرة قرابة قريبة ، فاحتوته منذ الصغر لترعاه وأنزلته منها منزلة "سلطانة" وزاد في عطفها عليه أنه ظريف جذاب ، تقرأ في عينيه الطموح في وداعة وفي حركاته الشجاعة في تواضع ، وفي وجهه عبوس رجال الجبال وصرامتهم . وقد شبت " سلطانه " وشب " بتريث "
يتقاسمان حب الأسرة وعنايتها ، ولما أن بلغا مبلغ الفتيان اشتركا في رعي شاه الأسرة ؛ فكانا يخرجان بها كل يوم في الصباح ، ويعودان في المساء ، بعد أن يقضيا سحابة اليوم في سعادة تامة ، تمتزج فيها روحاهما ، وتصفو نفساهما فانطبع في قلب كل منهما حب الآخر ، ثم أخذ هذا الحب ينمو ويترعرع ، ويزداد على الأيام عنفا وقوة ، حتى أصبحا لا يطيقان الفراق لحظة ، وكنت تستطيع أن تري ذلك في حديثهما وحركاتهما ، ولكن أحدا منهما لم يجد من نفسه الشجاعة التي يقدر معها أن يكاشف أخاه مما يكن له في قلبه فكان بنفسان عن نفسيهما بأغنيات الغرام ترسلها الفتاة بصوت رقيق عذب ، وألحان من قيثارة الغنى تستهوي السمع ، وتخلب اللب . وظل هذا حالهما حقبة من الزمن تتنازعهما العواطف في قوة ، وهما ناعمان هارئان في رأي العين ، وإن كانا يطويان الضلوع على أحر من الجمر . وفي يوم من أيام الصيف اشتدت فيه حرارة الشمس ، والتهب الجو فأخذ منهما العطش أثناء رعيهما فأسرعت "سلطانة " إلي الينبوع ، تطفي ظمأها ، وتملأ سقاءها ، وأسرع " بتريث " إلى ظل شجرة ظليل ، فوافته هناك بالسقاء فارتوى هو الآخر ولكنه أطرف شأن من يفكر في أمر
ذي بال . وساد بينهما الصمت طويلا ثم قطعه الغنى بصوت متهدج : "تظنين يا سلطانة أن حرارة ألجو، وجفاف الريق وشدة العطش محرق كبدى ؟ لا !! هناك شئ واحد ، شئ واحد فقط هو الذي يقطعه ، ويفتته ويذيبه ، ثم احتبس صوته وخنفته العبرات ، ولكنه استرسل الحديث في مشقة فقال "ذلك هو حبك !! الذي صدع أركاني ، وهد كياني ، وأوهن قواي ، ومع ذلك فلست به شقيا ! وإنما الذي يشقينى بل يميتنى أنني أخشي أنك لا تبادليني هذا الشعور مع نقد ما بقى من صبره ، وخانه التجلد ، فاستعبر با كيا .
فوثثبت إليه سلطانة تجفف دمعه ، وتهديء روعه ، وارتمت بين ذراعيه باكية ، وأقسمت له صادقة انها هي التي كانت تخشى أن قلبه لا يجاوب قلبها ، وأنه لا يبادلها في عواطفها ولم ينقض ذلك اليوم حتى تعاهدا علي الزواج ، وتعاقد على الوفاء .
مضي على هذا الحادث عام كامل وحبهما في اشتعال مستمر ، وهما يستعجلان ذلك اليوم الذي يتوج بزواجهما ويبتدئان به حياة جديدة أهنأ وأسمد ، وأبقى وأدوم . ولم يخطر لهما ببال أن القدر سطر لهما فى صحيفة الحياة لوعة دائمة وفرقة مؤلمة ، فقد اجتاحت أرض الوطن فرقة ضربية بقيادة ضابط كبير عسكر في الجبال القريبة من قرية "بليشت" مسقط رأس "سلطانة" و "يتريث" وعش غرامهما ، ومسرح حبهما . وكانت هذه الفرقة من الغلظة بحيث أعملت مداها في رقاب زهرة الشباب الألبان جزاء لهم على استبسالهم دفاعا عن بلادهم ، ولما أعلن الأهالي استياءهم من هذه الوحشية النكرة ، لجأ العدو إلى حيلة أخرى ؛ فاستاقوا من تصل إليه أيديهم من الرجال والفتيان بحجة التحقيق لمعرفة منظمي الدفاع وواضعى خططه ،
من الطبيعي أن يحكون في مقدمتهم " بتربث " في هذا الوقت كنت لا تسمع في القرية الا عويلاً مصدره أمهات وزوجات وأخوات ، وصراخا مصدره أطفال صفار . وكنت لا ترى إلاوجاها كساها الذعر ، وأطفأ
سراج بهجتها الأسي ، وارتسم على محياها القلق . أما سلطانة فقد شفها الوجد ، وانهكها اليأس ، ونال منها الإشفاق على حياة بتربث ، فغاض ماء جمالها ، وذوي زهر ملاحتها ، واستحالت شخصاً آخر لا يصله بالسرور سبب ...
مضت أيام ثلاثة لم يصل القرية نبأ ما عن المعتقلين في معسكر العدو ، وفي نهاية اليوم الثالث رجع "كهرمان أغا " والد سلطانه تقبل الخطو ، مطرق الرأس ، عبوس الوجه ، يحاول أن يكون عادياً ، ولكن نبراث صوته ،
وتقاطيع وجهه تنم عن حاله ، وأنه يعلم عن المعتقل أخبار سوء فأخذت سلطانة تستخيره في لفنة عن سر كآبته ،
وطال بها الإلحاف والإلحاح ، وأخيراً قال : إني لا أقوي على الكلام ، وأحتاج إلى الهدوء والراحة ، فأخذت بيده إلى غرفته الخاصة . وعاونته في استبدال ملابسه ، ولكنها لم تمهله كثيراً بل ركعت بين يديه - في منظر يذيب الصخور - ضارعة إليه أن يحدثها في صدق وصراحة عن " بتريث " وغلظت له الأيمان أنها ستتحمل في صبر وجلد كل خير . ولكن الرجل الذي يعلم من أمر ابنته وأمر بتربث كل شئ لميطاوعه قلبه في أن يتحدث عنه بشيء فأخذ بتلوي في الإجابة ، ويتلون في الحديث ، مصراً على أنه مثلها لا يعرف شيئاً . وكيف يستطيع والد يحب ابنته مثل هذا الحب أن يقص عليها وهي في حالها تلك الفظائع التي ارتكبها العدو مع المعتقلين وفيهم أعز مخلوق لديها ؟ الواقع أن التاريخ لم يتحدث حتى في عصور الظلمات عن مثل فظائع المصريين مع الآلبان البواسل ؛ فقد شدوا وثاقهم - في خيانة وغدر - إلي أعمدة نصبوها ، وأعملوا فيهم المدى في منظر يشيب منه الوليد ، وأفظع من ذلك أن الأخ كان يري أخاه ، والصديق بري صديقه تطير رأسه ولا تلك الدفاع عنه ...
أعيا سلطانة أن تستنطق أباها جلية الخير فانصرفت عنه إلى خارج المنزل فانبلج لها صبح الحقيقة ، إذ سمعت الناس يتحدثون في جزع أن العدو فعل بالشباب فعل الجزار
بالبقر ، فأيقنت أنه قد جم الفراق بينها وبين بتريث . فرجعت من حيث أتت تندب حظها العاثر ، وحبيبها الشجاع في يأس قائل ، ولكنها لم يقر قرارها فخرجت هائمة على وجهها عندما طلع الفجر إلى الأماكن التي كانا يغشيانها كل يوم ، واخذت تبلل الأرض بدموعها ، وقطوف في ذهول حول الشجرة التى تبايعا تحتها على الوفاء ، وتعاقدا على الإخلاص ، وظلت كذلك طول اليوم ، إلي أن هجمت طلائع الليل ، وأطل القمر على السكون حزيناً باعثاً يعبر عن ذلك نوره الضئيل الذي أرسله إلى الأرض فلم يبدد ظلامها ولم يبين في وضوح مسالكها . فأخذت تتحسس الطريق إلى القرية ، وبعد لأي ومشقة وصلت إلي المنزل وتسللت إلي حجرتها ؛ فاستلقت على فراشها ، وأرسلت عنان أفكارها . ومع ما بها من وصب ولصب ، لم يغمض لها جفن ، وضل الهدوء الطريق إلي قلبها ، وخيال بتربث مائل أمامها بذكرها سابق العهد ، ويطلب إليها الوفاء .
وأخيراً قررت الذهاب إليه مهما كلفها ذلك من مشاق فالحياة بغيره سجن لا يطاق ، فاستجمعت قواها ، وكان الليل قد أوغل ، وبارحت المنزل في سكون شامل ، ويممت المعسكر عن طريق الغابة الملتوى المتعرج الذي يعلو تارة ويهبط اخرى ، ويضيق مرة ويتسع اخري ، وهي تعتقد أن الطبيعة تشاطرها الحزن ، فأزهار الغابة ذاوية ، وطيورها ساكنة .
اللهم إلا اليوم فإنها ترسل أصواتاً حزينة تنعى الشباب الذاهب ، وتندب البطولة النادرة . مشت سلطانة في هذا الطريق على تلك الحال غير قليل ، ثم وصلت إلي حفرة في الغابة - وبالهول مارأت فيها !! - أجساماً مشوهة ، وأعضاء مختلطة مبعثرة ، ودماء منثورة ، في منظر يبعث الخوف إلى القلوب ، والهلع إلي النفوس ، ولكن سلطانة لم تشعر بشيء من هذا ، وكان كل همها أن تهتدي إلي جثمان حبيبها لتتزود منه بالنظرة الأخيرة ، ولتؤكد له إخلاصها والوفاء يعهده . وكان أخوف ما تخافه أن يكون وحش من وحوش الغابة أ كل لحمه وشرب من دمه ، ولكن دفعها إلى متابعة
البحث عنه دافع داخلي نفسي ؛ فرأت أخيراً تحت شجرة متفردة شاباً غارقاً في الدماء ، عرفت فيه فتاها بعد مشقة فاستلقت بجواره تبكي بكاء من فقدت وحيدها ، ولكنه أهتز هزة خفيفة ، فوثبت على قدميها رافعة يديها إلي السماء تسأل الله تعالى في توجع وتذلل ، أن يمد خيط أجله ، ويكتب له النجاة ، إلا أن القضاء سبق لغير ما كانت ترجو .
أفاق الفتى على صوت سلطانة ، فنظر إليها نظرة شفقة وحب ، واستطاع أن يسمعها هذه الكلمات التى وعتها بعد جهد جهيد ، " سلطانة . . أحمد . . الله الذي ساقك في هذه الآونة . لأراك . . فقد كنت . . متعطشا لرؤياك . إنى ... أموت ، . أذكري . . العهد . . الوداع . ثم فاضت روحه
بعد أيام رؤي بين القبور دمى لم يجف ترابه ، نثرت فوقه ازهار كثيرة ، وبجانبه فتاة في ثياب سود تلفت عيناها من كثرة ما بكت . وفي الناحية الثانية من القبر زهرة اخذت طريقها إلى الذبول بعد أن كانت ناضرة،
تتأملها الفتاة في ذهول ، وكانها تقارن بين حالتها فى عزتها وجفاف ماء ملاحتها ، وحالة هذه الزهرة في ذبولها وذهاب بهجتها . والواقع أن سلطانة الآن غير سلطانة المعهودة لنا ،
فقد نضب معين حياتها ، وانطفأ ما كان فى جسمها من قوة ، وما كان في نفسها من همة ، وأصبحت لا تربطها بالحياة ولا بالأحياء صلة . ومهما بالغ إنسان في وصف ما كانت عليه ، وما كانت تقاسبه من عذاب نفساني ، فلن يستطيع أن يعطي القارئ صورة صحيحة أو حتى قريبة من الصحيحة عن حالتها .
مسكينة !!! فقد اضطربت حياتها بعد بتريث ، تحس دائماً ان عليها أن تفعل شيئا ، ولكنها لا تدري ما هو ذلك الشئ الذي يجب أن تفعله ... وأخيراً رأت أن الحياة التي تحياها ليست فيها معني الحياة ، وأن الموت خير منها ألف مرة ؛ وكانت تقول : " أعرف أننى آثمة إذا انا قتلت نفس ، ولكنى مع ذلك أعلم أن الله تعالى أعدل من أن
يؤاخذني بهذا الإثم ، وهو يعلم ما أقاسي في هذه الحياة الدنيا ، ثم إن رحمته وسعت كل شئ ، فإن لم يكن لي قسط من هذه الرحمة فلمن تكون ؟! رب ! انت تقول : " وأوفوا بالعهد أن العهد كان مسئولا" ، وها أنذا أموت سعيدة لأني سأسلم إليك روحي متمسكة بعهدي مع بتربث . ثم أسلمت روحها . .
في الصباح غدت الرعاة إلى الغابة مبكرة ، فوجدوا جثة سلطانة ملقاة لا حياة فيها بجوار قبر بتربث ، فأبلغوا اهلها .. وفي اليوم التالي كنت تري لها قبراً بجوار قير بتربث ، حفرت عليها هذه العبارة :
" هنا ترقد سلطانة الوفية " .
تلخيص
