إذا قرأت لهذا الكاتب قصة " سافو" ، وإذا قرأت له تلك الصور القلمية التي سماها " خطابات من طاحونتي " ، وإذا قرأت كتابه الذي سماه " ذكريات رجل من رجال الأدب" ، فكأنما تقرأ " ديكنز " فهو متأثر به وسائر على نهجه
وقلم " ألفونس دوديه " إذا جرى على القرطاس فهو إما يبعث الدمع في المآفي ، أو يبعث الضحك في القلوب .
وهو كصاحبه ديكنز " تكاد كل كتاباته تكون ترجمة ذاتية لقصة من قصص حياته ، وهو لا يألو جهدا في أن يجعل قارئه يلمس هذا ويحمه .
فأنت تراه في قصته التي سماها " الشئ الصغير ، يبدأ بقوله على لسان بطل القصة: ولدت أنا في الثالث عشر من شهر مايو عام ( - ١٨) في مدينة من المدن .
فإذا تتبعنا حوادث القصة عرفنا أن عام ( - ١٨ ) المقصود هو عام ١٨٤٠ .
ثم إن "ألفونس دوديه" قد ولد في مدينة ( نيم ) في الحادي والثلاثين من مايو عام ١٨٤٠ . فإذا عرفنا أن قلب تاريخ اليوم هو من مألوفات الكتاب ، وإذا عرفنا أن هذا القلب هو - في الأعم الأغلب - الشئ الوحيد الذي يلجأ إليه الكاتب إذا أراد تحويل الحقيقة إلي الخبال .
إذا عرفنا هذا أيقنا أن ( ألفوس ووديه ) في قصة "الشئ الصغير " إنما يتحدث عن نفسه .
والمعين الذي يمنح منه في حالتي البكاء والسرور ، معين قليل الغور ، قريب التقع ، وهو إذا تيس إلى " لجزاك " و " فلويير " بل إذا تيس إلى " موباسان" ، عند قزمًا من الأقزام .
ولكنك يكفيك منه حبه للحباة ، وللضوء ، ولكل مظهر من مظاهر الأشياء الجميلة ، ويكفيك منه وصفه لكل ما يتخذه الناس زينة ولهوا .
ولما اشتد به المرض في أخريات حياته كان يخيل إليه أنه بطل من أبطال الإغريق القدماء ، تشد إلى جبل من الجبال وكان يقول : إن المرض الذي حل بساحتي هو كالطير الذي لا يترك الساق إلا ممسكا ساقًا ، فهو يحط في كل ناحية ، فتارة هنا ، وطورًا هناك .
وكان يقول : إني أذوق الموت ألف مرة ومرة قبل أن أموت الموتة الكبرى . وقد ولد صاحبنا عام ١٨٤٠ ومات عام ١٨٩٧ .
وقد تزوج عام ١٨٦٧ من الشاعرة الأدبية جوليا ألار التي كانت لكتب تحت اسم مستعار هو " كارل ستين" ، وكان زواجهما زواجًا موفقًا سعيدًا .
أما ولده " ليون دوديه " ( 1868-١٩٤٢ ) فكان صحافيًا وكان يكتب مقالات في الفلسفة .
قال الكاتب : لقى الفتى ( جان جوس سن ( فتانه ) فاني ليجران ) أول مرة في حفل تنكري أقامته جماعة ممن لا يقيمون وزنًا للمثل العليا الأخلاقية ، وذلك في ليلة من ليالي باريس البوهيمية ، ولم يكن بين أفراد تلك الجماعة من اختلفت أهواؤهم ومشاربهم اختلاف ذينك الصاحبين ، وعلى الرغم من هذا فقد كان كلاهما مفتونًا بصاحبه .
أما الفتى ( جان ) فكان سئيل قوم طايت أرومتهم ، وكرم محتدهم . وكان قد غادر ديار قومه ليدرس العلوم السياسية ويعد نفسه ليكون في الخدمة القنصلية.
أما الفتاة ( فاني ) فهي في العشرين من عمرها ، وهي تكبر الفتى سنًا ، وهي امرأة ذات ربية ، وهي في الوقت نفسه واحدة من هواة الفنون الجميلة .
وهي إذا أرادت أن تنتسب فسوف تصدمها الحقيقة الواقعة ، وهي أنها قد ولدت في مهاد الفقر والبغاء ، ولكن ذكاءها وجمالها قد فتحا لها أبواب بيوت رجال العلم والأدب ، فإذا جلست تعدّ من وقعوا أسرى عيونها الساحرة كانوا عشرات .
ولقد كانت هي التي فتنت بشباب ( جان ) وحسن منظره فسعت إليه تخطب وده ، وذلك بأن صحبته بعد نهاية الحفلة التنكرية إلى حيث يقيم ، وطالت معه يومين كاملين ، ولما غادرته عاد الفتى إلى دراساته . وقد علقت بنفسه ذكرى ذلك الوصال القصير المدي .
ولكن سرعان ما عادت الفتاة إليه ، ثم تتابعت بعد ذلك ساعات اللقاء ، ثم استطاعت إقناعه أن يمضي ليلة في بيتها .
وفي اليوم التالي ذُهل صاحبنا إذ سمع بعض الناس يتهامسون بما دار من عراك بين ( فاني ) وبين إلفها القاضي التي لا تزال تعيش على ماله ، وكان هذا المحب المنبوذ يرجو منها ملحًا أن تعود إليه ، ولكن ( فاني ) كانت مشغولة عن حبه ، وكان هواها مع ( جان ) الذي كانت به جود مفتونة
وثار تأثر ( جان ) إذ علم أن رجلاً آخر يعول حبيبته ، وسرعان ما غادرت ( فاني ) بيتها الصغير الأنيق لتعيش إلى جانبه عيش الكفاف .
وقد اطمأن ( جان ) فيما بينه وبين نفسه إلى أن من الخير له ولصاحبته أن يعيشا معًا ، ولقد سره - أول الأمر- أن يعود بعد عناء يومه إلى بيت أنيق فيلقي طعامًا شهيًا صنعته تلك الحبيبة الليحة .
ولكن خيال ماضى تلك المرأة ظل يطوفُ بعقل صاحبنا ، إلى أن جاء يوم سمع فيه حديثًا دار بين رجلين من أشهر رجال الفنون أفاضا فيه القول عن ( فاني ) كامرأة يملكها الرجال ملك حيازة ، وظل كلا الرجلين يفاخر صاحبه بأنها كانت حظيته يومًا ما .
وفي تفصيل بالغ ظل كلاهما بعدد ويسمى أحبابها الماضيين . وقالا إن قضية من قضاياها كانت حديث المجتمع الباريسي في يوم من الأيام .
وتفصيل تلك القضية أن حفارا اسمه ( فلامان ) قد فتن بها بل قد جن بها جنونًا ، ومخافة أن يفقد ودها يسبب فقره . فقد زور أوراق النقد ، وما لبث أن قبض عليه ثم حوكم فحكم عليه بالسجن عشر سنوات ، وكان ولاؤها له سببًا في الحكم عليها بالسجن ستة أشهر ، على الرغم من ثبوت براءتها .
فغثيت نفس ( جان ) لدى سماعه هذا الحديث وملكه الرعب والفزع ، ثم فاضت نفسه بالكره لها عندما سمع أنها كانت تقف عارية ليصنعوا على مثالها تمثالاً لسافو ( شاعرة إغريقية عاشت قبل ميلاد المسيح ) وأنها اشتهرت بهذا الاسم بين رجال الفنون . وما لبث الفني أن واجه فتانه بهذا
الحديث ، فطبثبت خاطره بقولها إنها قد نسيت ماضيها وقطعت كل صلة به ،
وظلت روابط الحب متصلة ولكن فتونه بها أصبح فنونًا تغشاه غاشية من السخط ؛ فقد أحس الفتى أن حب "تلك الفتاة قد حط من قدره .
وتجاذبه عاملان يدفعانه إلى العودة لبلده وأهله : هما الرغبة في أن ينقض ما بينه وبين تلك الفتاة من عهود ، ثم حنين أصيل إلى قومه وبلده .
فلما عاد إلي البيت الذي أحب لم يستطع أن يمحو من خاطره ذكرى تلك الفتاة ، ولم تفده استثارة ذكرياته الحلوة القاضية في بيت أبيه.
وظل خاطره مرآة تعكس - في جلاء ووضوح - الأيام التي قضاها في أسر قائلته .
ثم حلت بأهله نكبة مالية ، فرأى الفرصة سائحة أن يعلن تلك المرأة بأن ما بينهما من روابط لا بد أن تقطع ، ذلك لأنه قد بات معسرًا .
ولزمت الفتاة الصمت خمسة أيام ، ثم كتبت إليه تقول : إنها تاركة المنزل الذي يضمهما ، وإنها قد ظفرت بوظيفة ، هي وظيفة المدير لأحد الفنادق . وإن يوم الأحد من كل أسبوع سوف يكون إجازة لها تقضها معه .
وقبل ( جان ) ما عرضته الفتاة كحل وسط ، قد يعينه على الانفصال آخر الأمر ، ثم عاد إليها وإلى باريس .
وكان صاحبنا يعرف منذ اللحظة الأولى أنه هو وصاحبته لن يكون رائدهما إلا الشقاء . ذلك أنهما لن يلتقيا بعد اليوم إلا ساعات قليلة ، وذلك أيضًا لأن صاحب الفندق الذي تعمل فيه ) فاني ( ليس إلا متهتكا قديما . و ( جان ) لا يملك أن يصد نفسه عن العبرة مخافة أن تعود صاحبته إلي عشرائها القدماء
وأخيرا اقترح ( جان ) أن يقيم وإياها في بيت واحد ، فايتهجت لهذا الخبر ، وفرحت به ، ثم أقاما معًا في كوخ يقوم في ضاحية المدينة.
ولم يستمتعا بمنزلهما الجديد إلا أيامًا ذلك لأن ( جان ) قد عاودته الغيرة . وفي صغرت نفسه في عينيه . وأحس إحساس الهوان .
وزاد الأمر تعقيداً أن ( فاني ) قد تبنت غلاماً صغيراً لا يُعرف من أبوه ، فظن ( جان ) أن هذا الغلام ابنٌ ( لفاني ) جاءت به ثمرة علاقة من علاقاتها الماضية .
وزاد العراك بينهما ، وتتابعت نوباته ، ولولا خوف ( جان ) أن تقتل ( فاني ) نفسها لفارقها فراقاً لا لقاء بعده .
وكانت ثالثة الأنافي أن أحب ( جان ) وجُن جنونا بفتاة بريئة صغيرة من بيت كريم اسمها ( إيرين بوشرو ) . وسرعان ما عرف الناس ان ( إيرين ) تبادله ذلك الحب ، وشاع في الناس الخبر أن أهل الفتاة قد باركوا ذلك الحب ، ورضوا بالفتى زوجاً لفتاتهم .
وأخيراً قال ( جان ) ( لفاني ) : إن العلاقة بينهما قد انفصمت عراها ، وإنه لا بد مفارفها
واستسلمت ( فاني ) أول الأمر ورضيت بالفراق ، وظل ( جان ) بضعة أسابيع لا يسمع شيئاً عنها غير تلك الخطابات التي تبعث على الإشفاق والرثاء ، ولكنه علم بعد قليل أن واحداً من أحباب ( فاني ) القدماء ، هو ذلك المزيف ( فلامان ) قد خرج من سجنه ، وانه ذهب من فوره إلى بيت ( فاني ) ؛ فجن ( جان ) لهذا النبأ ، وأعمته الغيرة . فجرى إلي بيتها ، فأيقنت المرأة أن ( جان ) أصبح أسير هواها مرة اخرى
وأيقن ( جان ) أنه سوف يظل خدين تلك المرأة وعشيرها ما دام حيًا ؛ فأنكره أهله ، وبوعد بينه وبين خطيبته .
لذلك لم ير الفتى بدًا من أن يعيش مع تلك المرأة موظفاً مبعداً في إحدي المستعمرات النائية .
ولكن فى اللحظة الأخيرة جاءه نبأ فكاكه من ذل ذلك الأسر في صورة خطاب بعثت به إليه تلك المرأة ، وهو على ظهر السفينة تنبئه أنها قد نقضت عهده ، وأنها عقدت عزمها على أن تعيش زوجة في حمى صاحبها القديم ( فلامان ) . . .
( عن الإنجليزية )

