يتميز الأديب الإنجليزي المعاصر جورج برنارد شو بنقده اللاذع للمجتمع ، وبفكاهته البارعة التي يسخر بها من عيوب الناس . وله آراء طريفة تتنثر هنا وهناك في مسرحياته عن فنون الحياة المختلفة ، ننقل منها هنا للقارئ بعض ما جاء فيها عن المرأة :
النساء المتقلبات
ليست الحركة شيئا غير مستحب ، إنما هي الحياة إذا قورنت بالركود والسكون والموت ؛ هي التجديد إذا قورنت بالشئ المتكرر المملول . ولا غنى للمرء عن التجديد في حياته . ولو أنك أخذت ما امتدت إليه يداك - من خير الطعام ، والموسيقى ، والكتب ، والحالات النفسية ، أو أى شئ آخر جميل لا يتغير - ولازمته زمنا طويلا ، انتهى بك الأمر إلى كراهيته والنفور منه ؛ ولذا فإن النساء المتقلبات أخف ظلا على النفوس من زميلاتهن الرتيبات المملوات ، مهما يكن تقلبهن بغيضا على القلوب . وقد تجد منهن من تقتل ، ولكنك لن تجد من تهجر . إن الحياة الزوجية لا تحتمل إلا لما فيها من ساعات الضيق إلي جانب ساعات السرور . وإن قابلت رجلا يهز رأسه ضجرا لأنه يعيش في عصر يسوده القلق فسله إن كان يحب أن يعيش في عصر ثابت لا يتغير . إنك إن اشتريت لنفسك سيارة لا تجعل شعارك " كلما أبطأت كان خيرا لي " الحركة ممتعة إذا أمكنتنا أن نقودها ونسيطر عليها ، وأن نوقفها عندما تهوى بنا إلي المهالك .
حتى الممات :
عندما يكون الرجل والمرأة تحت تأثير عاطفة قوية سريعة الزوال ، وإحساس خادع جنوني ، نطلب إليهما ان يقسما ان يلبئا على هذه الحال التي ترهق الحس من شدة التهيج والشذوذ حتى يفصل الموت بينهما . ( ذلك هو الزواج ) .
اختبار الزوجة :
عقد القسيس القران بين مئات الأزواج ؛ ومن هؤلاء الأزواج من اختار كل منهما الآخر ، ومنهم من قام باختياره الآباء والأمهات ، ومنهم من أرغمهم ظرف من الظروف على الزواج . ويؤكد لي القسيس أنا لو أتممنا هذه الريحات بوضع أسماء الرجال جميعا في حقيبة ، وأسم النساء في حقيبة أخرى ، ثم أتينا بطفل كفيف البصر ينتزع اسما من هذه واسما من تلك ، كما نفعل في اليانصيب ، لما قلت نسبة الأزواج السعداء عما هي الآن في انجلترا . وليس كيوبيد ( إله الحب ) سوى هذا الطفل الكفيف البصر
العانس الحروق :
) حوار بين عانس وقائد (
العانس : أنا عانس عجوز متشبثة ، شديدة الاهتمام بما أملك . أحب أن يكون لي الخاص ، وأن يكون لي وحدي . وإحساسي بالجمال والتناسق والنظافة والنظام مرهف دقيق . وأنا فخورة باستقلالي ، شديدة الغيرة عليه . وعقلي مفعم بالأفكار ، تكفيني رفقته ما دام عندي الكثير من الكتب والموسيقى . والشئ الوحيد الذي لا أطيقه هو
الرجل الجلف الغليظ يدخن في أرجاء بيتي . ويفرط في النوم بعد العشاء مستلقيا على مقعده ، ويخل نظام كل شئ .
القائد : ولكن الحب .
العانس : أوه الحب ؛ أليس لديك خيال ؟ وهلا تظن أني أحببت رجالا من أعجب الرجال ؟ أبطالا ، وملائكة وأمراء ، وحكماء بل وأوغادا لهم جاذبية عظمى . وكانت لي معهم أغرب المغامرات ؟ وهل تعلم كيف أنظر إلي الرجل - كرجل فحسب - بعد ذلك ؟ الرجل الذي ترى حذاء في كل ركن من أركان البيت ، وتشم رائحة تبغه الذي يدخنه فوق كل ستار من الستائر !
القائد : أجل ! ولكن - واسمحي لي أن أذكر هذا - ألا تريدين لك اطفالا ؟ .
العانس : ينبغي أن يكون لي . وأحسب أني أكون أما طيبة لأطفالي ، وأعتقد أن من الخير لبلادي أن تجزل العطاء لي ليكون لي ولد ؛ غير أن بلادي تقول لي إني لا استطيع أن يكون لي ولد في بيتي دون أن يكون كذلك رجل ، ولدا فإن أقول لبلادي إن عليها أن تستفني عن اطفالي . لو كان لابد من أن أكون أما ، فإني لا استطيع أن يكون لي رجل يضايقني بأن اكون له زوجا في نفس الوقت .
القائد : عزيزتي ؛ أنت تعلمين أني لا أحب أن أكون وقحا ، ولكني أصارحك أن هذه الآراء لا يليق بسيدة إنجليزية أن تبوح بها .
العانس : ومن أجل هذا فإني لا أبوح بها إلا لرجال مهذبين لا يجيبون بغير ما اجبت . والصعوبة هي - كما ترى أني سيدة انجليزية ، وأني فخورة بأن أكون كذلك .
القائد : أنا على ثقة كبرى من ذلك ، ولم أقصد قط ..
العانس : آه ، يا عزيزي . أرجو أن تفكر في شئ اخر غير انك ربما أسات إلي ، أو أنك لم تخطئ في
سلوكك كرجل إنجليزي مهذب ، إنك لم تخطئ قط ولكنك غبي بليد .
القائد : ها ، هذا عيبي ، إني لست ذكيا ، إنما أنا جندي ساذج سخيف .
العانس : الأمر بسيط جدا ، فأنا - كما قلت - سيدة إنجليزية ، وأقصد بذلك أني نشأت على أن استغنى عما لا استطيع أن أحصل عليه مع احتفاظي بشرفي مهما يكن ذلك الشئ .
القائد : حقا ، إني لست أفهمك
العانس : وإني لفي عجب إذا لماذا تريد أن تتزوج من امرأة لست تفهمها .
القائد : لست أدري . أحسب أني أحبك .
العانس : حسنا يا . . تستطيع أن تحبني كما تشاء . شرط أن تبدو سعيدا بذلك ولا تضايقني . غير أنك لا تستطيع أن تقترن بي . وهذا كل ما في الأمر .
القائد : يشق علي جدا أن أناقش الأمر معك مناقشة عادلة دون أن أسئ إلي رقة إحساسك بتجاوزي حدود الذوق السليم . ولكن لا ريب أن للطبيعة نداء . .
العانس : لا تقل ما يوجب السخرية يا . .
القائد : كيف لي إذا أن أعبر عما أريد ؟ دعينا من هذا يا . . ألا تريدين لك زوجا ؟
العانس : كلا . إنما أريد لي ولدا ، وأريد أن أكرس كل نفسي للولد لا لأبيه . غير أن القانون لا يسمح لي بذلك ، ولذا فقد عقدت العزم على ألا يكون لي زوج أو ولد .
تقول لزبيا : ينبغي أن يكون لي بيتي الخاص المنفصل ، أو جزء من البيت منفصل . ولكن ) . . ( يدخن ، ولست أطيق التبغ . وهو يعتقد أن النافذة المفتوحة معناها الموت من البرد والتعرض لنسيم الليل ، وأحب أن أستنشق الهواء
النقي دائما ، نستطيع أن نكون صديقين ، ولكنا لا نستطيع العيش معا ؛ ويجب أن ينص على ذلك في عقد الزواج .
نظرة الفيلسوف
لا يدخل النساء حياة الفيلسوف إلا لإفسادها ، فهن يتطلبن الالتفات إليهن أكثر مما يبغي .
الحب :
إذا أردنا أن نقرأ شيئا عن الأعمال التي تمت في سبيل الحب فأين نبحث عنها ؟ في أنهر الصحف التي تخصص لأنباء القتل ، فهناك قلما يخيب لنا رجاء .
الملابس تخلق الفروق:
كنت حتى سن التاسعة والعشرين مهلهلا في لباسي ، لا تطيقني امرأة . انقل خطاي في سترة خضراء بالية ، أطرافها غير مستوية ، وحذائي عتيق مريع ، وغير ذلك . ثم وجدت لي عملا يدر على اجرا ، فاشتريت رداء جديدا بكل ملحقاته ؛ وسرعان ما دعتني سيدة لتناول الشاي . وطوقتني بذراعها ، وقالت إنها تعبدني ؟
جسد واحد وروح واحده
يجمل بنا ألا نقع في الخطأ الشائع فنتوقع أن نصبح جسدا واحدا وروحا واحدا . إن لكل نجم فلكه الذي يدور فيه ، وكما أن بينه وبين أقرب نحم مجاور جاذبية عظمى ، فكذلك بينهما شقة لا نهاية لها ، فإذا تغلبت الحاذبية علي هذه الشقة ، فإن النجمين لا يتعانقان . وإنما يصطدمان حتى يهويا من عليائهما ؛ وكذلك نحن ، لكل منا فلكه الخاص ، ويجب أن تبقي بيننا شقة لا نهاية لها كي نتحاشى صداما مهلكا . والاحتفاظ بهذه الشقة هو
كل السر في حسن العاشرة . وبغير المعاشرة الطبية لا يطاق المجتمع ولا يحتمل .
رغبتان ملحتان :
للمرء رغبتان ملحتان من رغبات الجسد : التهتك والتطهر . يجن الإنسان في سبيل إشباع رغباته الجنسية ، كما يجن في سبيل كبتها ؛ وما لم نشبع هذه الرغبات يفنى الجنس البشري ، وما لم نكبحها نودي بأنفسنا إلى الهلاك .
ضرب من الانتحار :
إن أكبر تضحية في الزواج هي التضحية بحب المغامرة في الحياة ، والرضى بالاستقرار . قد يعشق الاستقرار من يولد متعبا منهك القوى ، أما النفوس الفنية القوية فترى الاستقرار ضربا من ضروب الانتحار .
مبالغه :
إنك - كغيرك من الشبان جميعا - تبالغ كثيرا في الفرق بين فتاة وأخرى .
إنهن لا يستطعن :
احذري من هذا يا لويزا : إن كل الفتيات يبدأن حياتهن الزوجية وهن يعتقدن أنهن يستطعن أن يغيرن ويصلحن الرجال الذين يتزوجنهن . إنهن لا يستطعن .
النجاح مع النساء :
سر نجاحك معهن أنك لا تأبه بأن تعاملهن كنساء فحسب ، إنما أنت تتحدث إليهن كما تتحدث إلي أو إلى أي صديق آخر . إنك قد لا تقدر مقدار ما يصيبهن من ملل
) البقية على صفحة ١٦ (
) بقية المنشور على صفحة ١٤ (
عندما تعاملهن بالاحترام الواجب لجنسهن اللطيف .
شر الآثام :
إنك لا تبلغ نهاية السخط من النساء إن أنت كرهتهن . إنما شر ما ترتكب معهن من إثم ان تهملهن فلا تمنحهن حبا او بغضا ، فالإهمال أبلغ قسوة من البغض . ولو راقبت الناس مليا لأدركت أن البعض عندهم كالحب سواء بسواء .
الزواج في سن الأربعين :
إنك ياصاح لم تدرك طبيعة اعتراض شارلوت على الاقتران بك . ليس الأمر حبا أو كرها بالمعنى المألوف ، إنما هي تعترض عليك كما تعترض على أمي وأختي وكل من يكون جزءا من الماضي الذي لم يكن لها فيه نصيب . إنك في اللحظة التي تلج فيها الغرفة التي أقيم فيها تخلق عالما تحس فيه - كما أحس - بالألفة كأنك في بيتك ، أما هي فتشعر بأنها غريبة في هذا العالم . وهذه هي المشقة التي يعانيها الرجل عندما يتزوج في سن الأربعين .
لماذا يختلف الزوجان :
إنما يختلف الزوجان لأنهما لا يعرفان ما يصنعان غير ذلك . ولا يعرفان وسيلة اخرى للتسلية . إنك لا تعرف يا صاحبي كيف يكون الرجل وحيدا مع امرأة نصيبها من الجمال قليل ومن سحر الحديث أقل . ماذا يستطيع الرجل أن يفعل ؟ إنها لا تستطيع أن تتحدث حديثا مشوقا ، وإن فعل هو فإنها لا تفهمه . وهو لا يستطيع أن ينظر إليها ، وإن فعل لا يرى فيها أي لون من ألوان الجمال . وقبل أن تنقضي خمس دقائق يدب في نفسيهما الملل الشديد ولا يخرجهما من هذا المأزق إلا أن يتنازعا .

