الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 670 الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب البلجيكي, الصورة الخفية

Share

في البشر على اختلاف أجناسهم ناحية أصيلة من نواحي الضعف ، وهي أنهم يحاولون دائما أن يظهروا في مظهر يخالف حقيقتهم ، ومن ثم كان أصدق اعتراف لا يخلو من الكذب والتلفيق والزيف ، سواء كان ذلك مقصودا أو غير مقصود ، وكان أصح تصوير للنفس لا يسلم من المبالغة والإسراف ، سواء في التجميل أو التشويه ، والمتنبي يقول معتذرا عن تعاظمه على بعض معاصريه :

وما التيه طبي فيهم غير أنني          بغيض إلي الجاهل المتعاقل

وإذا صح أنه كان يبغض الجاهل       المتعاقل فلا بد أنه قد

عاش في غربة وعزلة عن الناس ، لأن الناس جميعا - واآسفاه - هم هذا الجاهل المتعاقل والمتنبي نفسه كان من هؤلاء الجهلة المتعاقلين ، أنظر إلى قوله :

وما تسع الأزمان علمى بأمرها

ولا تحسن الأبام تكتب ما أملي

فمن هو المتنبي أو غيره من كبار الشعراء والفلاسفة والمفكرين الذي لا تسع الأزمان علمه بأمرها ولا تحسن الأيام أن تكتب ما يمليه عليها ؟ أليس هذا كلام رجل جاهل مغرور يتظاهر بواسع العلم ويدعي غزير المعرفة ، مثل سائر الناس الذين يحاولون أن يغالطوا من حقيقتهم ويظهروا بمظهر يخالف ما يعرفونه من أمر نفوسهم ؟ .

وقد روي لنا هيتريك هيني نادرة عن ملك أشقف  تبين في صورة مضحكة هذا اللون من ألوان الضعف البشري ، وذلك أن حاكم رأس الرجاء الصالح الانجليزي أرسل القائد بوديتش سفيرا في بلاط هذا الملك الإفريقي القوي النفوذ ، وحاول القائد أن يكسب عطف رجال البلاط وحاشية الملك وبخاصة السيدات ، وذلك بأن يتولى تصويرهم ، وأعجب الملك بدقة التصوير وصدق تعبيره عن الملامح والسمات . فطلب إليه أن يقوم بعمل صورة له ، وجلس لذلك جلسات

عدة ، واقترب الفنان من إتمام الصورة ، ولكنه لحظ في الجلسات الأخيرة نوعا من القلق يعلو محيا تلك وتنم عليه أساريره ، وأدرك أن الملك يريد أن يفضي إليه بشئ يشغل باله ولكنه يتردد في ذلك فسأله الفنان عما في نفسه . فقال له الملك الإفريقي المسكين في صوت خفيض : " أتستطيع أن تجعلني في الصورة أبيض اللون ؟ " وكلنا مثل هذا الزنجي الأسود الذي أراد أن يظهر أمام العالم في مظهر الأبيض اللون .

والقصة الآتية من الأدب البلجيكي ، وهي للكاتب البلجيكي شارل نيودور دي كوستر الذي يكني " أبا الأدب البلجيكي وعنوانها " الصورة الخفية " وهي - إذا لم أكن قد أخطأت في فهم مضمونها - تقوم على الفكرة التي أوضحتها في هذه الكلمة الموجزة :

وصل نيل أولنشييجل أخيرا إلي قصر الأمير . وكان هناك ضابطان من رجال المدفعية يلعبان النرد على درج القصر ، أحدهما أصهب الشعر ضخم الجثمان ، وقد لحظ أولنشييجل وهو قادم في تواضع على حمار ، وقد أبصرهما وهما يلعبان .

وقال له هذا الضابط : ماذا تريد أيها الرجل الذي يحمل وجه حاج قد برح به السغب ؟ .

فأجابه أولنشييجل : لقد بلغ مني الجوع كل مبلغ ، وإذا رأيتني حاجا فما كان ذلك عن رغبة مني .

فأجابه الضابط : أنت جوعان ، اذهب وكل حبل المشنقة التي تصادفك ، لأن أمثال هذه الحبال معدة لمن هم على شاكلتك من الصعاليك واللؤبان .

فأجابه أولنشييجل : سيدي الضابط . لا تعطنى سوى الحبل الذهبى اللطيف الذي تضعه على قبعتك ، وسأذهب في التو واللحظة وأعلق نفسى بسنة من أسناني في هذا

الفخذ السمين من أفخاذ الخنزير المملح الذي أراء معلقا هناك في حانوت الطاهي .

وسأله الضابط قائلا : من أين قدمت ؟ . فقال له أولنشييجل : من الفلاندرز . - وماذا تريد ؟ . - أريد أن أري سموه إحدي الصور التي رسمتها ، لأنني مصور .

فقال الضابط : إذا كنت مصورا وقد قدمت من الفلاندرز فإني سأصحبك إلى مولاي الأمير .

ولما مثل أولنشييجل بين يدي الأمير حياه ثلاثا ، وأعاد التحيات وقال : أرجو أن يسامحني مولاي علي اجترائى على القدوم إليه لأضع تحت قدميه إحدي الصور التي رسمتها لسموه ، وكان لها شرف تصوير سيدتنا العذرا ء، في ثوبها الملكي .

وتوقف عن الكلام لحظة ، ثم استرسل يقول : وقد تسر صورتي مولاي ، وفي هذه الحالة أجد ما يسوغ لي أن أجترئ على التطلع الى هذا الكرسي النفيس المغطي بالخمل الذي كان يجلس عليه في أثناء حياته المصور الذي مات أخيرا والذي ستظل سموكم تأسفون لفقده .

وكانت الصورة التى عرضها أولنشييجل على جانب كبير من الجمال ولما عاينها الأمير وتأملها أمر أولنشييجل بالجلوس على الكرسي لأنه نوي أن يتخذه مصورا لبلاطه ، وقبله في وجنتيه بسرور وارتياح ، وجلس أولنشييجل على الكرسي .

وصوب الامير نظره فيه وصعده وقال له : في الحق أنك إنسان كثير الكلام

فأجابه أولنشييجل : قد يسر مولاي أن يعلم أن حماري ( جف ) قد أكل من العوسج حتى شبع وامتلا ، أما أنا فإنني لم أعرف في الأيام الثلاثة الماضية سوى البؤس ، ولم أذق شيئا سوى رذاذ الانتظار .

فقال له الأمير : ستذوق طعاما أشهى من ذلك في القريب العاجل ، ولكن أين حمارك ؟ . فقال أولنشييجل : لقد تركته إزاء القصر ، وسأكون

شاكرا إذا أويتموه هذه الليلة وقدم له بعض القش وقليل من العلف .

وأصدر الأمير على الفور أمره إلي أحد الخدم بأن يعامل الخمار كما تعامل حميره ، وجاء أوان العشاء ، وقدم من ألوان الطعوم ما يقدم في إحدي الحفلات ، وكان اللحم الساخن يرتفع دخانه من الأطباق وكان النبيذ يتدفق تدفق الماء ، حتى أحمر وجه الأمير ووجه أولنشييجل وصارا مثل النيران المشتعلة ، واستخف السرور أولنشييجل ، أما سمو الأمير فقد ظل مفكرا مهموما حتى وهو يحتسي الكئوس . وقال الأمير فجاءة : سيقوم مصورنا بعمل صورة لى ، لأنه مما يسر الأمير الفاني أن يترك لخلفه ذكري ملامحه وهيئة وجهه

فأجاب أولنشييجل : إن مشيئتك هي سروري ، ولكني أشعر بما يخالج نفس من الحزن حينما أفكر في أنني إذا صورتك وحيدا فإنك ستظل تستشعر الوحدة خلال العصور القادمة ، ومن الخير أن يصحبك في الصورة زوجتك النبيلة وحاشيتها من النبلاء والنبيلات وضباطك وحماة رجالك . وستكون يامولاي أنت والأمير في وسط هذا الجمع الحاشد مثل شمسين توأمين حولهما المصابيح .

- حسن يامصوري ، وكم تريد أن أدفع لك من المال لقاء هذا العمل الضخم ؟ - مائة فلورين يامولاي عاجلا أو أجلا كما تريد . فقال له الأمير : خذ هذا المبلغ مقدما . فأخذ أولنشييجل النقود وقال : لقد ملأت أيها المولى الكريم المسماح مصباحي بالزيت وسيزداد اشتعاله توهجا تكريما لكم .

وفي اليوم التالي طلب أولنشبيجل من الأمير أن يريه هؤلاء الذين يود أن يشرفهم بتصويرهم مهه ، فجاء في الطليعة دوق لنبرج ، قائد فرقة المشاة ، وكان رجلا قوي البنية يحممل بصعوبة كرشه الكبيرة التي امتلأت بالطعام ، وقد اقترب الرجل من أولنشبيجل وهمس في أدنه قائلا : عندما ترسم صورتي احذف منها نصف ما أحمل من الشحم ، وإذا لم تفعل ذلك فإن سامر جنودي بشنقك .

ومضي الدوق لسبيله ، وفي اليوم التالي جاءت سيدة من

السيدات النبيلات لها حدبة علي ظهرها وصدرها مستو مثل حد السيف .

وقالت له : ياسيدي المصور إذا لم تخفف الحدبة التي تجثم فوق ظهري وتجمل لي نهدين حيث كان يجب أن يكونا فإني سآمر بسجنك كأنك أحد الأسري .

وذهبت السيدة لشأنها ، وظهرت بعدها شابة إحدي وصيفات الشرف وكانت حسناء ناضرة رشيقة ، وكان لا ينقصها سوى ثلاث أسنان تحت شفتها العليا .

وقالت له : ياسيدي المصور ، إذا لم تصورني ضاحكة وقد ظهرت أسنان شفتي العليا كاملة فإن رفيقي سيمزقك إربا إربا ، انظر إليه فإنه واقف هنالك . وأشارت إلى ضابط المدفعية الذي كان يلعب النرد على درج القصر ، وانصرفت . وتوالى الموكب على هذا النمط حتى وجد نفسه في خلوة مع الأمير ، وقال له الأمير : ( اني أحذرك ياصديقي . إنني إذا وجدت أنك لم تكن دقيقا في تصوير ملامح هذه الوجوه التى رأيتها أو زورت في رسم لمحة من اللمحات أو سمة من السمات فإنني سأقطع رأسك كما لو كنت فروجا .

ففكر أولنشييجل في الأمر وقال لنفسه : إذا كان لابد من قطع رأسي أو سحبي إلى السجن أو تقطعي إربا إربا أو شنقي فالأجمل بي أن لا أرسم شيئا ، وعلي أن أفكر في خير ما أعمله .

وسأل الأمير قائلا : واين القاعة التي سيأزينها بهذه الوجوه ؟ .

فقال له الأمير : اتبعني . وأوصله الأمير إلى حجرة كبيرة عارية الحيطان وقال له : هذه هي الحجرة .

فقال أولنشييجل : ساكون شاكرا إذا وضعت بعض الستائر وضعا صحيحا على الحيطان وذلك لحماية الصورة من الذباب والغبار . فقال له الأمير : مؤكد .

ولما وضعت الستائر كما أراد أولنشييجل طلب أن يستحضر لمساعدته في مزج الالوان ثلاثة من المساعدين ، وأجيب طلبه ، وأمضى أولنشييجل هو ومساعدوه ثلاثين يوما في لهو وقصف . وأسرفوا في أكل اللحوم وتعاطي الشراب ، والأمير يري ذلك كله ، ولكن اخيرا في اليوم

الخامس بعد الثلاثين جاء الأمير ودس أنفه في باب الحجرة الذي طلب منه أولنشييجل ان لا يدخلها .

وقال : حسن يانيل أولنشييجل أين الصور ؟ . فأجابه أولنشييجل لم تنته بعد . - متى استطيع أن أراها ؟ . فقال أولنشييجل : لم يحن الوقت بعد .

وفي اليوم السادس بعد الثلاثين عاد الأمير ودس أنفه داخل باب الحجرة واستفسر قائلا : كيف حال العمل يانيل ؟ .

فقال أولنشييجل : لقد تقدمنا في عمل الصور . وفي اليوم الستين اشتد غضب الأمير وقصد إلى الحجرة توا وصاح قائلا : أروني الصور .

فقال أولنشييجل : إني سأريك الصور ، ولكني أرجو يامولاي أن لا ترفع الستائر إلا بعد أن تدعو أعيان البلاط وضباطه وسيداته . فقال الأمير : حسن جدا .

وظهر هؤلاء الأعيان جميعا تلبية لأمره ، ووقف أولئك أمام الستارة التي كانت لا تزال مسدولة بعناية وقال : مولاي الأمير وسيدتي الأميرة وسيدي اللورد لينبرج وانتن أيتها السيدات الحسان وأنتم أيها الضباط الشجعان ، اعلموا أني قد صورت خلف هذه الستارة بأقصي ما استطيع من الإتقان وجوهكم حسب ملامحكم ، ففيها الوجوه التي يظهر فيها الميل إلى الحرب والوجوه التي تبدو فيها الرقة ، وسيكون من السهل على كل منكم أن يعرف نفسه ، واهتمام كل منكم بأن يري نفسه اهتمام طبيعي ، ولكنى أرجو أن تصبروا قليلا وتسمحو الى بكلمة أو كلمتين قبل أن ترفع الستائر ، واعرفوا هذا أيها السيدات الحسان وأيها الضباط الشجعان . فكل من كان نبيل الأصل شريف المجد فإنه سيري الصور ويسر بها ، ولكن إذا كان بينكم من هو من أصل وضيع فإنه لن يري شيئا سوى الحائط . والآن التفتوا وافتحوا عيونكم النبيلة جيدا ،

ورفع أولنشييجل الستار وقال : اذكروا أن صوري لا يراها إلا من كان نبيل الأصل ، سواء كان من اللوردات أو كان من السيدات ، واذكروا أن من كان وضيع الأصل

فإنه لن يبصر صوري ، وإن من يري الصور بوضوح وجلاء لا يشك في نبل أرومته .

وفتح كل إنسان من الحاضرين عينيه جيدا مدعيا أنه يرى الصور ، وانه لم يستطع تمييز الوجوه المختلفة ؛ ولو أنهم كانوا في الحقيقة لا يرون شيئا سوى الحائط ، وكانوا لذلك قد أدركهم الخجل جميعا ، ووثب مضحك الملك الذي كان حاضرا ثلاث وثبات في الهواء وهز أجراسه وصاح قائلا : قولي عني إنني وغد حقير ، بل قولي إنني من أحط الأوغاد السفلة ، فإن هذا لا يمنعني من أن أعلن وأؤكد وأرفع الصوت عاليا مجلجلا بأن لا أري سوى الحائط ، فليساعدني الله والقديسون

فقال أولنشييجل : حينما يبدأ الحمقي في الكلام يحين وقت انسحاب العقلاء .

وهي بترك المكان . ولكن ولكن أوقفه الأمير وقال : أيها الأحمق في حماقته ، إنك تفخر بأنك تسير في الدنيا مادحا

الخسير والصالح وساخرا من الحماقات والسخافات ، وقد اجترأت على أن تسخر بالكثيرين والكثيرات من السادة والسيدات وتجعل كبرياء نبلهم موضع الضحك والاستهزاء ، وإني أقول لك حقا إن اليوم الذي ستشنق فيه من أجل انطلاق لسانك سيأتي .

فقال أولنشييجل : إذا كان الحبل من ذهب فإنه سينقطع من الخوف حينما أدنو منه .

فقال له الأمير : انتظر هنا ، وهاك القطعة الأولى من هذا الحبل . وأعطاء خمسة عشر فلورينا .

فقال أولنشييجل : أشكركم جميعا ، وأعدكم بأن كل حانة في الطريق سيكون من نصيبها خيط من هذا الذهب الذي يجعل من كل صاحب حانة حقير قارونا .

وركب حماره رافعا رأسه في الهواء عاليا وقد هزت النسمات الريشة المعلقة في طاقيته .

اشترك في نشرتنا البريدية