الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 214الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب التركي :، هدية العيد

Share

لم يبق على العيد إلا يومان ، هكذا حدث على الصغير نفسه حين خرج في الصباح الباكر حاملا على كتفه صندوقه الخشبي الصغير ، الذي به ادوات مسح الاحذية ، وعلي إفريز مقبرة السلطان محمود جلس علي الأرض ، في انتظار عميل

كان الصبي في تمام الثانية عشرة من عمره ؛ ومنذ عام مضي وهو ممتهن هذه الحرفة التي تدر عليه مبلغا يسيرا يدفع عنه غائلة الجوع ، فهو يربح بين ثلاثين قرشا وأربعين في اليوم ) ١

أما اليوم فيجب أن يربح اكثر قليلا ؛ لأنه بعد يومين سيحل العيد ، ومتي حل العيد وجب علي الصبي أن يحمل لأمه المريضة هدية يفرج بها عنها ، وينفس بعض ما بها . وهو يفكر كثيرا في أمه المسكينة ، ويود مخلصا لو قدم لها شيئا ، حتى ولو اضطر لعدم شراء ثوب جديد يلبسه ، وهل يلبس ماسح الأخذية جديدا في العيد ؟ !

بل يجب عليه ان يكدح ويكد لكي يحصل على القوت ، وحرام عليه ركوب الأراجيح ، ورؤية الالعاب ، ودخول المسارح وما إليها من ادوات اللهو البرئ . والتسلية المباحة

والصغار يذهبون إلي ذوي قرباهم ، فيقبلون ايديهم ، وبذلك يحصلون على منديل حريري ؛ أما هو فليس له قريب طيب !

نعم ، لقد بقي على اليد يوم وبعض يوم ، وبلا شك

سيزداد عدد الماسحين لاحذيتهم ، وبذلك سيرتفع ربحه  ، وبذلك يتسنى له ان يبتاع لامه المسكينة المريضة هدية طيبة . لشد ما يتوجع لهذه المسكينة ويتألم لها !

جلس على الصغير حتى الظهر أمام مقبرة السلطان محمود ، ولم يحضر إليه في هذه الأثناء إلا اثنان ، دفع إليه أحدهما مائة بارة ونقده الآخر خمسة قروش

وحين قام المؤذن يعلن صلاة الظهر ، اقترب منه شرطي بدين ، طويل القامة ، عريض الكتفين ، تبدو عليه ملامح القوة والشراسة وبمقدمة حذائه الضخم دفع صندوق الأحذية ، ثم صاح بالصبي :

قم من هنا !

اندهش الصغير ، فمنذ الصباح الباكر لم يربح غير سبعة قروش ونصف ، وإذا انتقل من هذا المكان فماذا يفعل ؟ وإذا ذهب إلي حي السلطان أحمد فسوف يجد مزاحمة شديدة هنالك ، لوفرة عدد الصبية أمثاله الذين يحترفون مثل حرفته الرخيصة ومكانه الحالي جيد ، فهو من كثر الأماكن ازدحاما واعظم الجهات حركة وإذا ذهب وترك مكانه ، وطرق جهة اخري فسوف تلاحقه الشرطة في كل مكان بالطرد بهذا حدث نفسه وانتبه لصوت الشرطي وهو ينتهره بعنف وشدة . ويصيح فيه :

أقول لك قم

تحرك الصبي قليلا ، وإن كان في صميم نفسه لا يود أن يتحرك قيد شعرة من مكانه ، لعل الشرطي البدين يتركه وشأنه ، وينصرف إلي جهة اخري . واخذ كسبا للوقت يجمع أدواته من فرشاة وعلب وغيرها في أناة وهدوء وهو يصطنع الاناة ، ويطيل فيها ما أمكنه ثم إنه تصنع القيام . وغضب الشرطي ، وانتفخت اوداجه وتراجع إلي الوراء خطوة واحدة ، ثم رفع قدمه الغليظة في الهواء ، وبقوة وعنف صوبها إلي الصندوق الخشبي

الصغير ، فاندفع الصندوق كالسهم ، وارتطم بحائط المقبرة وتناثرت منه الأدوات ، وراحت كل فرشاة في ناحية ، وتحطمت الزجاجات ، وتفرقت العلب

وقام الصغير من مكانه وهو ينظر نحو صندوقه بأسي وحزن ، ولم ينطق  بحرف . إن صندوقه تحطم ، وزجاجاته انكسرت ، وادواته انتثرت ، ونقوده طارت ؛ فهو لن يستطيع اليوم ولابعد اليوم أن يربح بارة واحدة ، ولن يعطيه أحد ثمن الخبز ، ولن يستطيع أن يحمل لأمه هدية العبد .

وانصرف الشرطي البدين بخطى وئيدة ثقيلة

وأخذ عدد من الأطفال يضحكون لحالة الصبي ، وهم يسخرون منه ، وينالون منه بالهذر والصياح

فذهب علي إلي الحائط ، واسند راسه إليه ، وكما بكي يوم  مات أبوه ، انخرط في بكاء اليم بصوت عال ، وهو يغمض  عينيه ، ويفتح فمه ، ويشهق

وكلما وقع نظر المارة عليه أوسعوا الخطا  ، وهم يحاولون الابتعاد عنه ومشاهدة بكائه الآليم

غير أن امرأة مسنة ، ذات ملابس نظيفة ، أخذت  تسعى في هدوء نحو الصبى  ، وكانت قد رأت هذا المشهد أثناء وقوفها في انتظار الترام وقالت :

يا بني ، اجمع صندوقك ومحتوياته ، وتعال معي . فرفع الصي رأسه الصغير . ونظر إليها من وراء اهدابه المبللة بالدموع ، وقال في نفسه : ما أسمح وجه هذه السيدة ! إن عينيها بهما أثر دموع ، وصوتها مرتجف مؤثر  واخذ صدرها يعلو وينخفض أثناء حديثها ثم كررت قائلة :

هيا يابني وتعال معي .

فانحني الصبي يجمع ما تشتت من ادواته ، وهو يخفف دموعه بأكمام ثوبه . فجمع ما يصلح ، وترك ما فسد

ثم سارا نحو بايزيد وبعد أن سارا عدة خطوات سألتة السيدة

- أين تقيم يابني ؟

في الفاتمر

ألك أم ؟

نعم

وأبوك

لا

هل تتكسب أمك من عمل ؟

لم يجب الصبي ، وذكر ما حصل له من الشرطى البدين ) واوشك ان يبكي من جديد حين سالته السيدة :

أجبني يا بني أتذهب أمك لعمل ؟

كلا لما مات والدي في الحرب أثناء العام الماضي مرضت امي ، وجاءها المرض في رجلها فاقعدها ، فهي الآن مقعدة لا تستطيع عملا ، وتنهد من أعماق قلبه .

نظرت السيدة الطيبة إلي علي نظرة طويلة ، فيها شيء من الحنان والشفقة وفهم الصبي من نظرتها الحالية انها تود لو ضمته إلى صدرها الحنون ، فالاطفال سريعو الحساسية

وكانا قد وصلا إلي باب السوق  ، حين أخذت المرأة تلقي عليه الأسئلة من جديد

لو لم يفعل بك الشرطي ما فعل فكم كنت تقدر ربحك اليوم ؟

لا أدري ، وإن كان الربح سيزيد بمناسبة العيد ، وفي الأيام العادية أربح نحو ثلاثين قرشا أو أربعين . . وربما ربحت  اليوم ليرتين .

وإذا ربحت فماذا كنت فاعلا بربحك ؟

كنت سأشتري لأمي هدية العيد

اية هدية ؟

فلم يجب الصبى ، حتى اضطرت السيدة ان تعيد عليه السؤال عدة مرات أية هدية ؟

ولكنها لم تحظ بجواب . فقد خجل الصبي من التحدث عما كان يود  شراءه لأمه

ومشيا حتى بايزيد ، وهي تلح عليه لتعرف ماهية الهدية التي يودها لأمه ، ولكن ذهب إلحاحها عبثا ، وراح تعبها هباء

وكانا يسيران على الإفريز اليساري ، وبغتة وقف الصبي أمام واجهة زجاجية لحانوت كبير ، وأشار بأصبعه الصغيرة نحو ) عكاز " وقال :

- كنت أود شراء هذا ، وبهذا تستطيع أمي أن تسير في راحة أثناء العيد ، وتستطيع أن تخرج إلي الحديقة لتستنشق الهواء .

وهز الصبي رأسه بأسي وحسرة ، وقال .

- إنه غال جدا ، كنت كل يوم أمر من هنا ، وأقف هنا هنيهة ، انظر من وراء الواجهة الزجاجية

بحسرة أليمة ، وذات مرة سألت صاحب الحانوت عن الثمن فأجابني إنه مائتا قرش

وأمسكت المرأة الصبي من ذراعه ، ودفعته نحو الحانوت

وبعد لحظات خرجا ، وتحت إبط الصبي ربطة كبيرة ؛

وكان السرور والغبطة باديين على وجهه ، وعلي فمه ابتسامة كبيرة ، وعيناه تفيضان بالدمع من فرط سروره  .

إن المرأة الطيبة اشترت له هدية لأمه ، كما انها نقدته مائة وخمسين قرشا ثمن صندوق  آخر .

وددع كل منهما الآخر ، وانصرف إلي سبيله وبينما كان الصبي يبتسم ، كانت السيدة تبكي

) القاهرة (

اشترك في نشرتنا البريدية