كانا يعيشان في كهفين جنبا إلي جنب في صحراء مصر ، لا يتبادلان من الحديث سوي نداءات كل منهما للآخر باسمه بين كل آونة وأخري أو حين يرتلان الزبور معا . وهكذا أيضا عدة سنوات علي هذه الحال . وامتدت شهرة قداستهما في كل أنحاء مصر والممالك الأخرى . ولكن الشيطان تغلب عليهما بالرغم من كبح جماح شهواتهما ، وهما الناسكان المباركان . فتدخل إلي نفسيهما . وعصف بهما في آن واحد ، فبدون أن ينبس أحدهما ببنت شقة ، جمعا سلالهما وفرشهما التي صنعاها من الحشائش ، وسعف النخيل وتوجها معا إلى الإسكندرية . وهناك باعا ما صنعاه ، وبالثمن الذي حصلا عليه من بيعه قضيا ثلاثة أيام بلياليها ، بهيجة بديعة بين مدمنى الخمر والمجرمين الأشرار .
وما أن فقدا كل ما معهما من نقود حتى عادا إلي كهفيهما في اليوم الرابع ، كان أحدهما دائم العويل والصراخ ، بينما كان الثاني يسير بجانبه ، وجهه وضاح كالصباح ، يرتل أناشيده الدينية في سرور وانشراح ، فصاح الأول قائلا :
" لعنة الله علي . . لقد أصبحت الآن رجسا من عمل الشيطان ، لن أتمكن من التكفير عن هذه السيئات التي اقترفتها أبداً . أبداً .. كل صلواتى وصيامى وترتيلاتى وتسبيحاتى قد ضاعت سدى ، ليتنى كنت مخطئاً طيلة حياتي ، لقد فقدت كل شئ في لحظة جنون . . يا للخسارة ؟ يا للخسارة ! " .
وكان الراهب الثاني ما زال يمدح بأناشيده في هدوء وفرح
فصرخ الأول " ماذا ؟ . هل أصابك مس من الجنون ؟ "
فسأله الثاني لماذا ؟ - هلا تندم ؟ - وهل اقترفنا ذنبا اندم من أجله ! - وهل نسيت الإسكندرية ؟
- ما لها ؟ حفظ الله تلك المدينة المشهورة المجيدة ، فهو قادر على كل شئ .
- ولكن ماذا فعلنا في الإسكندرية ؟
- ماذا فعلنا ؟ بعنا سلالنا ، صلينا في محراب سانت مارك المقدسة ، زرنا عدة كنائس ، تجولنا قليلا في المدينة تبادلنا الحديث مع ليونيلا المسيحي الصالح . .
فأطال الراهب النادم النظر إلي زميله في ذهول وقال : - وذلك المنزل القذر السمعة الذي قضينا فيه ليلة
- حفظنا الله ! . . لقد قضينا وقت الغروب والليل في جناح الضيافة عند البطريرق .
فصرخ الآخر " ياللفضيحة ! لقد أضاع الله رشاده . ومع من جمعنا مجلس الشراب في ليلة الثلاثاء ، . هل لك أن تخبرني بذلك ؟
- لقد تناولنا الشراب وأكلنا اللحم في غرفة الطعام بالبطركخانة . وقد كان يوم الثلاثاء ، عيد
- يا صديقي المسكين . ومن الذي قبلناه ؟
- لقد غمرنا الشرف حين قبلنا رئيس الأساقفة المقدس . .
- آه . لماذا تهزأ بى ؟ هل معنى هذا أن الشيطان سكن نفسك بعد تلك الفاحشة التي أتيناها بالأمس ؟ . حيث عانقت الأشرار المخطئين
- أنا لا اعرف آلشيطان ملكنى ام ملكك انت . هل تدخل إلي نفسي أنا الذي يشكر هدايا الله وإرادته المقدسة ، انا الذي يمدح الخالق ويرضى بكل ما يقسمه . أو تدخل إلي نفسك أنت الذي تهذى وتدعي أن منزل أبينا وراعينا المقدس سيئ السمعة .
فصرخ الراهب النادم ) آه . أيها الضال . لعنك الله "
وانقض على زميله يحاول قتله ، ولكنه فشل في ذلك ، وراحت محاولاته سدي ، وتابع الإثنان رحلتهما إلي مأويهما . وكان الراهب النادم يضرب رأسه في الصخر ، ويمزق شعره ، ويتردد صدي صراخه وعويله في الصحراء ؛ بينما كان الثاني يرتل أناشيده في هدوء وسرور ، وانطبقت هذه التصورات أمام عينى الراهب النادم في الصباح :
يجب أن أفكر في الأمر تفكيرا عادلا ، لقد اكتسبت قوة هائلة من السماء بسبب تقواي وتقشفى ، ولعل المعجزات والعجائب التي كنت أتمكن من فعلها أخيرا تدل دلالة وآضحة على ذلك . ولكن بعد الذي فعلته فقدت كل هذه المميزات ، فقد اخطأت نحو الروح الطاهرة حين تهالكت على الأجسام الداعرة ، وهذه الخطيئة لا يغفرها الله ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، لقد ألقيت بدرر النقاء السماوي ليطأها الشيطان الذي استلب روحي الطاهرة وغرزها في الحمأة والوحل . . وسيتبعني ويمزقنى .
حسن . . حسن . . إذا كنت قد هلكت تماما ، فماذا أنا فاعل في هذه الصحراء ؟
وعاد إلي الإسكندرية وألقي بنفسه في حمأة الدعارة والفجور ، ولما اصبح في ضيق مالي اشترك مع جماعة من الأشرار فقتلوا رجلا موسرا وسرقوا أمواله ، ولكنهم ضبطوا متلبسين بجريمتهم وسيقوا إلي المحكمة ، وقد حكم عليه بالإعدام فمات وهو غير نادم على شىء .
أما زميله القديم فقد تابع حياة العبادة والزهد ونال
درجة عظيمة من القداسة حتى اشتهر بفضل تلك العجائب والمعجزات التى كان يأتيها ، فبكلمة من بين شفتيه المباركتين أنجبت امرأة طفلا بعد أن تخطت سن الولادة بسنوات .
وحين مات الرجل الطيب أخيرا ، ازدهر جسده البالي المتغضن بالجمال والشباب ، وأصبح نصف شفاف يملأ الجو بأريج سماوى عبق . وأقيمت صومعة على بقاياه المباركة وذاع اسمه بسرعة غريبة من كنيسة الإسكندرية إلي القسطنطينية ثم إلى كييف وموسكو .
والدرس الذي تلقيه علينا هذه القصة ، كما يقول فارسونوفي الذي قصها على ، أنه ليس هناك خطيئة في هذا العالم سوي خطيئة اليأس ، هل لم يخطئ هذان الناسكان معا ؟ . ولكن أحدهما قضى عليه . وهو الذى يئس .
