كان " لوصن " صبيا أعمى ولم يكن له بيت يأوي إليه شأنه في ذلك شأن الكثيرين ممن ابتلاهم الله بتلك العاهة في الصين ، فلقد طرده أبواء من البيت ليعيش من التسول في الطرقات . ولكم جاب شوارع المدينة وأزقة القرى ممسكا أبدا عصاه التى تهديه الطريق . لقد أتقن استعمالها فلم يعد يخطئ الخطي ، بل لقد استطاع بفضلها أن ينتقل في أنحاء المدينة كلها والقري المجاورة في سهولة ويسر .
ولم يكن للوصن في هذا التجوال الطويل سوى رفيق واحد ، تلك هي كلبته " فان " . ولكم أعانته على أن يعثر على النقود التي كانت تلقي إليه من المارة ولم يكن ليهتدى إليها . وكانت الكلبة الماهرة كلما طرقع لها سيدها بأصابعه ثلاث مرات تنحني إلي الأرض فتر كع على قدمها الأماميتين وتمس بجبهتها الأرض علامة التجلة والاحترام ، وكثيرا ما أعجب المارة بتلك الحركة المتقنة فوقفوا في سيرهم قليلا ليتصدقوا على الصبي بدراهمهم القليلة . وبعد قليل أصبح للصبى في الأحياء التي يرتادها أصدقاء يعرفونه لمجرد سماع خطواته من بعيد ، فكانوا يحيونه ، بل كثيرا ما تحدثوا إليه .
وبينها كان الصبي وكلبته يتجولان في طريق دفي عام هاجمهما الليل ولم يكن لهما بد من الالتجاء إلى مكان ليناما فيه . ولم يخافا من أجل ذلك فلطالما تعوداه ، بل أخذا يبحثان في سرعة عن المكان الملائم يأويهما إلي الصباح ، ولم تلبث فان أن وجدت شجرة باسقة كبيرة يمكن النوم عند جذعها في أمان واطمئنان ، وزفت بنباحها البشري إلى سيدها . لقد عثرت على المكان المطلوب ، وفهم منها سيدها ما أرادت أن تقول ، فلقد أصبح يفهم منها الكثير من
طول ما عاشرها . وهكذا قادته فان إلى شاطئ الأمن والراحة ، إلى جذع الشجرة . ولم يمض زمن طويل حتي اعتنقا كجروين صغيرين وغرقا في سبات عميق من التعب .
وفي الليل رأي لوصن رؤيا عجيبة . إذ هتف هاتف في رفق قائلا : " يالوصن أتراني ؟ " فأجاب الصبي : " وأسفا إني أعمي " فقال الهاتف : " أيها السكين إن العمى لبلوى فظيعة ، ولكن قد أستطيع أن أعينك عليها " فصاح لوصن : " آه ياسيدي الرحيم ! أتستطيع أن ترد إلى بصري ؟ " فقال الهاتف : " كلا أيها الصبي لن أستطيع ذلك ، ولكني سأدلك على الطريق التى ترد بها بصرك إلى
نفسك ، فأنصت إلي جيدا وافقه قولي تستطع أن تبري " نفسك من عاهتك ستري منذ اليوم أنك كلما أتيت عملا صالحا مهما يكن تافها فسيدخل في أثره نور ضئيل على عينيك المظلمتين ، وكلما تضاعفت أعمالك الطيبات ستري أن هذا النور سيتضاعف مثلها ، وستشعر بالفرق البين أثناء ذلك ، حتى ترتفع أخيرا تلك الحجب عن بصرك ، وتستطيع آخر الأمر أن تري بل أن تري جيدا وفي وضوح تام . ولكن وأنصت جيدا لما أقول لك ، إذا نسيت هذا الوعد مني فلوثت قلبك الطاهر بخبيث الأعمال وشرها فستتضاعف تلك الحجب التي تسد النور عن بصرك وسيظلم نور عينيك . إنك يا بني ستفقد من النور بالعمل الخبيث ضعف ما جنيت منه بعملك الطيب " .
وسكت الهاتف العجيب عن القول . واستيقظ لوصن من حلمه فزعا مرعوبا . لقد كانت الشمس تلفح وجهه وإذا العالم كله وكأنه أسطع من ذي قبل و أكثر إشراقا . و " فان " هي أيضا سعيدة تلعق يد سيدها كأنما هي تشاركه فرحه . وقال لوصن " أنقدم على هذا العمل العظيم يا فان ؟ " وكأنما هي كانت معه في حلمه سمعت الهاتف وفهمت عنه أقواله كما فهمها هو ، فنبحت الكلبة في فرح ظاهر لما سمعت صوت سيدها ، فقال لوصن : " ما دمت قد وافقت
يا فان فإني سأستعيد بصري . أنت واثقة من أني لا أستطيع كثيرا من دونك ياصديقتي العزيزة ، وألقي ذراعيه حول عنقها الغليظ الكت ، وضمها إلي صدره ضمة قوية .
وبدأت رحلتهما نحو المدينة ، والصبي لا يستطيع أن يفكر إلا في كلام الهاتف الحنون الذي ظهر له في حلمه . آه لو استعاد بصره ! كم يكون سعيدا . فلسوف يقنع هذا الأب القاسي الذي قذف به إلى الشارع دون رحمة أن لوصن شئ عظيم في هذا العالم . إنه يستطيع أن يسمو فوق هذه الحال الرقيقة التي يعيش عليها والداه . وبالقرب من سور المدينة عندما كان على وشك أن يجتاز البوابة الكبيرة عثرت قدمه في شحاذ هرم كان نائما على قارعة الطريق . وتمتم البائس : " تصدق علي الأعمي الفقير المسكين أيها الساري ولا تمر دون أن ينال شيئا من عطفك . بالله ترحمه " . وضحك لوصن وقال : " إننا في البلوي سواء أيها الصديق ، إني أنا أيضا أعمى " فقال الرجل الهرم : " ولكني أشد منك بؤسا فإني مقعد أيضا " .
فصاح لوصن مشفقا وأخرج الدرهم الوحيد الذي يملكه دون أن يفكر في وعد الهاتف له . ولما أعطي المسكين كل ما يملك قال له : "خذه أيها المسكين إني لا أملك غيره "
وفجأة مر ببصره ، شعاع من نور إن الظلام الذي خيم على بصره طويلا بدا أخف سوادا وأخف ثقلا ، فصاح في فرح : " إن الرؤيا حقيقية واقعة " فلما سمعه المارة يحدث نفسه هكذا في صوت عال ظنوا به مسا من الجنون ، فجذبوا ثيابهم حتى لا تمسه وابتعدوا عنه حذرين . ولكن لوصن لم يحس الفرح والانشراح بقدر ما أحسهما في هذا اليوم . إن العالم كله بيتسم له ويملأ قلبه حياة ونورا كنور الربيع وحياته .
ونام ليله في معبد المتسولين ، ذلك البناء المتهدم المتداعي عند باب المدينة الشمالي . لقد هجره ، الكهنة من قديم ، وتم الاتفاق بين أهل المدينة جميعا على أن يترك هذا المعبد مأوي
للبائسين الذين لا يجدون لأنفسهم مكانا يلجأون إليه إذا ما جن الليل . وفي ركن من أركان هذا المبنى القديم جلست عجوز شمطاء ، هزيلة ضعيفة من الجوع ، فناولها لوصن من طيب خاطر قطعة الخبز الجافة التي كانت ستسد رمقه هذه الليلة ، وإذا جذوة من النار تنير له ليلة وتشع في ظلمات بصره ، فتعجب من ذلك وسر له ، ولكنه اضطر هو وفان أن يبيتا على الطوي .
وفي الصباح الباكر أيقظته معدة جائعة تؤلمه . وبدأ الصبي الأعمى يسير في الطريق المترب الشاق نحو المدينة . ولم يكن في الطريق أحد بعد فقد كان الوقت مبكرا جدا ، وكان ما يزال يعمل فكره لحل مشكلة الجوع الذي يعانيه عندما وصلت فان إلى حلها بالفعل فلقد عدت على دجاجة سمينة كانت تعبر الطريق وأحضرتها إلى سيدها . أي سعد يصادف هذا الصبي الأعمى الجائع . فليس في الطريق أحد لا ولاصوت عجلات آتية من بعيد . وأخذ لوصن الدجاجة من فم فان وهي تنتبح في فرح متزايد وسيدها يمدح مهارتها في الصيد والقنص . ولم تمض عشرون دقيقة على هذا حتى كان لوصن قد باع الدجاجة في السوق على ضفة النهر . لقد قبض ثمنها غالبا دون أقل عناء أو مساومة في البيع .
ولكنه ما كاد يقبض يده على الثمن حتى نزل ستار كثيف على عينيه . لقد انمحي أثر العملين الطبيبين اللذين أتاهما في لمح البصر وإذا حاله تعود إلى ما كانت عليه ساعة ترك الشجرة الباسقة حيث رأي في ظلها الحي الذي فجر الأمل في نفسه .
ولكن هذا لم يكن لييئس الصبي . لقد كان واسع الأمل قوي الرجاء . وسلم بينه وبين نفسه أنه ارتكب إثما وصمم على أن يعود أدراجه ، وأن يمحو ماقدم من شر بأن يبحث عن صاحب الدجاجة المسروقة ليعيد إليه ثمنها . وظل طوال اليوم يذرع الطريق العام الذي يمر بمعبد المتسولين
جيئة وذهابا سائلا دون جدوي كل من يصادفه . ولكن أحدا منهم لم يعرف صاحب دجاجة سرقت منه . وما جن المساء حتى كان قد كل من التعب وآلمته قدماء الصغيرتان ألما شديدا ، وغمرت وجهه المشرق سحابة مغبرة من تراب الطريق ، وآلام الجوع التي أيقظه فجرا لم تعد تطاق بعد هذا النهار الطويل الشاق ، ولكنه بالرغم من ذلك قاوم الرغبة الملحة في أن ينفق شيئا من هذا المال الحرام . وفي الصباح عندما استيقظ من نومه أحس أن إبصاره قد تحسن شيئا ما وكأنه فعل سحر . فسر لذلك أما سرور . إن ندمه علي ما ارتكب من وزر كان ذا أثر إذا ولم تذهب آلامه أدراج الرياح .
ومضت أسابيع ولوصن يواصل عمل الخيرات فيتقدم بذلك سريعا نحو الغاية المنشودة ، نحو استعادة بصره . حتى استطاع آخر الأمر أن يميز بعض ظلال كثيفة وسط الظلام الذي يحيط به . لقد كان يحس مثلا أن أحدا يتقدم نحوه دون أن يستعين في ذلك بالصوت الذي قد يسمعه ، بل لقد خيل إليه أنه إستطاع أن يميز شيئا من روعة غروب الشمس وجماله . ولما وصل إلي هذا الحد من الشفاء من بلواه غمره الفرح العظيم وصمم على أن يدخر كل درهم يصل إليه ليشتري لنفسه " نظارات " فلقد سمع من حوله يقولون إنها تعين ضعاف البصر على أن يروا جيدا .
ولكنه قابل يوما ما هذا الشيخ الأعمى المقعد الذي أعطاه كل ما كان يملك . ولما استعطفه الشيخ كعادته قال له : " وأسفا ! إني لا أملك شيئا " وإن كانت الدراهم قد بدأت تتكاثر لديه ، وأضاف : " لا شئ أستطيع أن أعطيه لك " واسترحمة الشيخ قائلا : " ولكني أموت جوعا " . فاجابه لوصن " وأنا أيضا " وفجأة نزل على بصره حجاب كثيف حجب عنه روعة الشمس في مغربها وحرمه بهجتها .
هنالك يئس لوصن . لقد حاول جاهدا أن يعيش حياة نقية لا شر فيها . كم حرم نفسه ما كان في أشد الحاجة إليه ،
وماذا كانت النتيجة لكل هذا العذاب وماذا كان الجزاء لكل هذا الحرمان ! وفكر في مرارة قائلا في نفسه : إني أفقد في يوم ما أجنيه في أسبوع . وتملكة اليأس فاستمر يقول : وماذا يستطيع صبي أعمى في بلاد الصين التي تنكر لهؤلاء المنكوبين ؟ فلا مدارس لهم فيها بل ولا هم يطاقون في بيوتهم ، وإنه ليقذف بهم في الشوارع قذفا دون رحمة أو شفقة .
وسخط على الدنيا وعلى الناس وعلى حظه السئ الذي ابتلاه بتلك العاهة التى سلبته كل أمل في الحياة ولم يجد إلا شاطئ النهر المتدفق الهائج يسعي إليه . لقد كان موسم الأمطار الهاطلة ، فاندفعت المياه في القنوات الساكنة الهادئة غاضبة عنيفة . وجلس الصبي على شاطئ النهر الصاخب الداوي ، فخيل إليه أنه كالعود الذي يحمله الفيضان تارة على الشاطئ وتارة يرتفع الماء إليه فيدفعه في مجري النهر فيسير مع مياهه إلى حيث لا يعلم . أليس الصديق الوحيد الذي له في كل هذا الوجود الواسع العريض هو هذه الكلبة الأمينة ؟ وماذا تستطيع تلك المسكينة ؟ إنها مهما سعت قدر طاقتها أو فوق طاقتها فماذا يمكن لها أن تقدم لسيدها
البائس وصديقها المسكين ليستعيد بصرا حرمته إياه الآلهة ؟ وماذا يستطيع هو دون إبصار أن يجني من الحياة ؟ وأي سعي يمكن أن يسعاه مع الساعين في سبيل المجد والمال ؟ وولول باكيا : " مسكينة أنت يافان إنك تسعين جهدك لتقدمي إلي ما أريد ، ولكنك لن تستطيعي أن تنجيني من بلواي " . ولعقت الكلبة الأمينة يد سيدها فقال لها : " إنك كل ما أملك . إنك كل شئ لي في الوجود . لن يفرقنا أمر مهما يكن ، إذ ماذا عساي أن أفعل من دونك إلا أن أموت " .
وفي تلك اللحظة ارتفع الصياح من النهر . إن رجلا يغرق وتصايح الناس : " انظروا إنه وسط التيار . إن مركبه قد انقلبت وهو لايقوي على العوم " ، وهرع الناس من
كل صوب وتجمهر الجمهور في حال شديدة من التوتر والتطلع . ولقد كانوا جميعا ينظرون إلى الفريق ولكن يدا واحدة لم تمد لإسعافه أو إنقاذه .
وصاحوا مرة أخرى : " إن قوي الغريق لتضعف وإن مركبه قد جرفها التيار وجرف معها آخر أمل له في أن يصل إلى الشاطئ . وعما قليل سيغمره الماء فلا ينحسر عنه "
وأنصت الصبي الأعمى إلي صياحهم وقد امتلأ قلبه حزنا وفاض أسي . كيف يقف كل هؤلاء الناس وهم أقوياء أصحاء قادرون على عون هذا الغريق ولا يمدون إليه يدا ؟ بل إنهم ليقفون ليروه تموت بالفعل أمام ناظهم . لو كان مثلهم ، لو كان مبصرا لقفز في سرعة إلى النهر ينقذ الغريق ويشعر الجمع بجبنهم وافتقارهم إلى المروءة والرجولة .
وفجأة جاش صدره ثائرا وامتلأت نفسه حياة وأملا . أيمكن أن يتم ذلك ؟ نعم وإنه لحري أن يحققه . نعم هو الضرير المسكين سيفعل ما لم يستطعه كل هؤلاء الجامدين الفاقدي الحس والشعور . وصاح قافزا من مكانه " إن فان تستطيع ذلك ، إن كلبتي ستنقذه " فقال له أحد الذين إلي جانبه وكان قد رأي الصبي كثيرا وعرفه وأراد أن يبصره بالخير ويدله على ما فيه صلاحه : " قف يابني لقد فاتت الفرصة . إنك تفقد كلبتك بهذا العمل ولا تفيد الغريق شيئا . دعه يغرق فما هو إلا متسول حقير " فأجابه الصبي : " وما أنا إلا هذا ، وإن المثيل لأحري أن يساعد مثيله " . وفي لمح البصر جذب فان من عنقها وجرها إلي حافة النهر ثم دفعها نحو التيار الجارف وهو يصيح بها : هيا يافان هيا إليه . ونبحت فان نبحة الفاهم المدرك لحقيقة الحال ،
وضربت بأرجلها التيار في عنف حتى تصل إلى الغريق وهو يجاهد غمرات الماء . وازداد حماس الناس على الشاطئ وهم يتصايحون : " لقد فات الاوان ، إن الرجل لا يستطيع أن يقاوم ! أكثر مما قاوم ، لا ولا دقيقة واحدة ، والكلبة لن تصل إليه .
ولم يحس لوصن حاجته إلي الإبصار قدر ما أحسها في تلك اللحظة . فهذه صديقته الوحيدة تجاهد التيار وهي معرضة لخطر الغرق - لخطر فقدها إلى الأبد . وحاول جاهدا أن يتخيل الواقع في مخيلته فارتسمت له بعض معالمه
ومن صياح الناس أدرك لوصن أن الغريق وقد رأي بريقا من الأمل ضاعف قوته ليغالب التيار بعزم قوي حتي تتمكن فان من أن تصل إليه . وقليلا قليلا كانت فان تعلو زبد الماء الثائر وهي تقترب نحوه . لقد أمرها سيدها وهي لا تستطيع إلا أن تنفذ له ما أمر به . واستطاعت الكلبة الذكية أن تقدر مقدار دفع التيار للغريق وقد بدأت قواه تخور فنشبت أنيابها في ثيابه قبيل أن يغطس تحت الماء ليواريه " لآخر مرة ، فصاح الجمهور ثائرا متحمسا وهو يشاهد الحيوان النبيل يمسك بالثوب الخلق الذي كان يرتديه الغريق . وهنا بدأ أعنف جهاد وأمجده في حياة هذا الحيوان المسكين
جهاد مع الطبيعة الجبارة العنيفة لتنقذ حياتها وحياة من أمسكت به . وجاهدت عائدة إلى الشاطئ وعيناها عالقتان بسيدها وهو يروح ويجيء مع الجمهور يهتف بها ويشجعها ويحثها على النصر . وأخيرا استطاع رجل على الشاطئ أن يصوب خطافا إلى الغريق فعلق بثيابه واستطاع بذلك أن يجذبه منها . وكانت فان لما رأت ان عملها انتهي قد فتحت فاها وأطلقت الغريق ليشده هذا المنقذ الجديد . ولكن ويالقسوة القدر ! ما كادت الكلبة تتحلل من عبئها حتى صادفها تيار قوي جانبي ليدفع بها في عنف إلي قاع النهر . ولما كانت قواها قد خارت من طول ما جاهدت فإنها لم تستطع مقاومته فاندفعت معه وفي الحال غرقت .
وأدرك لوصن ما حل بفان من تصايح الجمهور فولول وبكي وارتمى على الطين يدفن وجهه فيه ويقلبه من شدة الألم وعنف الصدمة . ونظر الناس إليه حينا ثم تنبهوا إلي أن الليل يدنو فتركوه لآلامه .
ولما أشرق الصباح أفاق لوصن كعادته مبكرا ، ولكنه
ثم يجد إلي جانبه الرفيق الصديق الذي يلعق يده وينبح فرحا كأنما يعلن العالم بصحوة سيده . ولكنه لشدة عجبه رأي نورا عظيما يكاد يغشى عينيه من بريقه وجلاله . ونظر فإذا هو يري فعلا كل ما حوله . فهذا هو النهر بشاطئية ، وهذا هو الصفصاف على حافته كأنه يرسم للنهر حدوده ، ووراء كل هذا بدت أسوار المدينة عن بعد . نعم إنه لم يكن ليري الأشياء الصغيرة الدقيقة ، ولكن ما كان أسعده برؤية هذه المناظر الجليلة العجيبة التي حرم رؤيتها طوال هذه السنين . وبينما هو يتأمل تلك المعجزة راضيا فرحا أحس في أعماق نفسه أن تضحيته بفان عن طيب خاطر في سبيل السائل الغريق كانت السبب في هذه النعمة التي لا تقدر بثمن .
لقد كان جالسا على الأرض ينعم بالتأمل في هذه القوة الجديدة التي أحسها لما رأي رجلا يدنو إليه . لقد استطاع أن يري قامة الرجل تتجه نحوه وإن لم يستطع أن يتبين ملامحه . ودنا الغريب منه قليلا قليلا حتى وقف أمامه وقال . " يابني إنك أنت الذي أنقذت حياتي أمس " وتطلع لوصن في لهفة إلى هذا الرجل يريد أن يستدل من ملامحه على شخصيته ليعرف من هو هذا الذي بذل في سبيله كل ما يملك في هذه الحياة . وفجأة صاح هذا الرجل : " ماذا ؟ أنت لوصن الذي طردته من بيتي فحرمته البيت والمأوي ؟ " .
وولول لوصن في مرارة وحسرة وهو يخفي وجهه بين يديه . لقد كان والده . والده الذي يمقته كل المقت لقسوته . نعم هو هذا القاسي الذي ضحي من أجله بكلبته الأمينة التي أحبته وأحبها كل الحب .
وجاش صدر لوصن بالمرارة والألم ولم يجد ما يعبر عنهما به . وكان على وشك الانفجار بكل هذه المرارة في وجه والده ، على وشك أن يلعن هذا الذي أساء إليه في حقارة ولؤم ، ولكنه أنصت إلي صوت رقيق يحذره من ذلك ،
وإذا هو يمد يده إلى أبيه قائلا : " إني أغفر لك يا أبى كل ما مضي " .
وتأثر الرجل تأثرا بليغا بفعلة الصبي . فمد إليه ذراعيه وضمه إلى صدره ضمة قوية ، وهو يقول : " ارحميني أيتها الآلهة ، فلقد ارتكبت وزرا كبيرا . لقد تخليت عنك يا بني ، لقد طردتك من بيتي ، فإذا أنت الذي تنفذ حياتي " .
وبينما كان لوصن يضم بدوره أباه إلي صدره سقط آخر حجاب من حجب الظلام عن عينيه ، وإذا نظره بصوب م نحو العالم الجميل من حوله حرا طلقا لا يقف في طريقه أقل عائق من ظلمة أو غمام .

